إنتصار الثورة أو هزيمتها… متعة الثورة

حجم الخط
1

■ الثورات صيرورة تمتد سنوات وعقودا، و كثيرا ما تهزم أو تفشل، بمعنى أنها و إن حققت هدفها الآني في إسقاط النظام الذي ثارت عليه فإنها عادة ما تفشل في إلغاء الاستبداد و الاستلاب من حياة البشر، ما أنجزته الثورات الماضية حتى اليوم هو نقلها النضال ضد الهيمنة من مستوى لآخر، و فرض شكل و خطاب جديدين للهيمنة .. إذا استثنينا القوى السلطوية التي ترى في الثورة فرصة لإقامة سلطتها الخاصة، فإن الثوار لا يقاتلون فقط لكي «ينتصروا»، أي لكي «يستولوا على «السلطة»، إنهم يقاتلون أساسا ليسقطوا السلطة القائمة، و هذا بالتحديد ما يسهل مهمة قوى سلطوية جديدة في الاستيلاء على الثورة، أو الاستيلاء على السلطة «باسم الثورة»، تريد هذه القوى إعادة بناء السلطة وميكانيزماتها كعلاقة هيمنة، بينما يناضل الثوار لبناء فضاءاتهم الموازية المتحررة من أية هيمنة .. والحديث عن أن الثوار «يضحون» في سبيل سعادة أجيال قادمة أو في سبيل سعادة غيرهم لا يختلف عن الوعود بحياة أفضل في عالم غيبي أو في حياة أخرى .. الحقيقة أن الثورة بالنسبة للثوار هي محاولة لإعادة خلق الذات و العالم، لكنها أيضا سعي شجاع واستثنائي لاقتناص المتعة .. لنفهم هذا يكفي أن نذكر بعض ثوار 1789 في فرنسا:
كلير لاكومب أو روزا الحمراء، التي كانت ممثلة مغمورة في المسارح المتنقلة قبل الثورة الفرنسية، و أصبحت إحدى «بطلات» تلك الثورة وهي تقاتل مع الثوار الباريسيين في معارك 10 آب/ أغسطس 1792 و تواصل القتال رغم إصابتها، و أسست فيما بعد مع نساء مثلها جمعية النساء الثوريات الجمهوريات، قبل أن تمنع من أي نشاط سياسي، ما نعرفه عن كلير فيما بعد أنها عادت للتمثيل في المسرح لفترة قصيرة قبل أن تنقطع أخبارها نهائيا .. أو جان ليكيرك، ابن مهندس مدني، كان يعمل في جزر المارتينيك، وطرد منها بسبب دعايته الثورية، ليعود إلى فرنسا ليشارك مع آخرين في تأسيس مجموعة الغاضبين، ولم يتحمل حتى النادي
اليعقوبي ( حزب روبسبير ) مواقفه الثورية «المتطرفة» تلك فطرده ومنع هو أيضا من القيام بأي نشاط سياسي بعد هزيمة الثورة حتى وفاته .. أو بائعة الخضار رينيه أودو التي شاركت في الزحف على فرساي والإطاحة بالملك… أو القس الكاثوليكي جاك رو أحد مؤسسي مجموعة الغاضبين، و أحد قادة كومونة باريس، الذي ألهبت خطبه النارية عن ضرورة إقامة مجتمع يقوم على المساواة وعن ضرورة توفير الطعام للجميع، حماسة فقراء باريس قبل أن يتهمه روبسبير بالجاسوسية فانتحر كي يتفادى الإعدام على يد أعدائه .. أو الماركيز دي ساد، أكثر الأوراح حرية على الإطلاق كما وصفه السورياليون بعد قرنين، أحد سجناء الباستيل في يوم سقوطه العتيد و الذي ألهب حماسة مهاجمي الباستيل بصرخاته و قصصه عن تعذيب السجناء، و المعروف بخطاباته النارية في الجمعية الوطنية مطالبا بحرية الضمير و الفكر و بكتاباته المتمردة على كل شيء، رغم أن الرجل أمضى جل عمره بين السجون و المشافي العقلية .. و ثيروين دي ميريكورت، التي عملت في فرنسا قبل الثورة خادمة، خياطة، مغنية، الخ، قبل أن تصبح «ناشطة» في النوادي الثورية الفرنسية و تشارك في المعارك العديدة ضد قوات الملك ثم القوات المعادية للثورة، المرأة التي رسمت لها الصحافة الملكية
الباريسية صورة كاريكاتورية «مشينة» : «عاهرة» الوطنيين ( كما كان يسمى مناصرو الثورة الفرنسية يومها )، و أن أيا من أعضاء الجمعية التأسيسية قد يكون والد طفلها، والتي ستتعرض أخيرا للاعتداء على يد عصبة من النساء اليعقوبيات اللواتي قمن بتعريتها و ضربها بقسوة بعد إحدى خطاباتها التي دافعت فيها عن خصومهم الجيرونديين، لتظهر عليها علامات الجنون و تقضي بقية حياتها في مشفى للأمراض العقلية .. قارع هؤلاء السلطة، قارعوا «قدرهم»، اقتحموا ساحة التاريخ المحرمة على أمثالهم، حلموا، حاولوا، قاوموا، انتصروا حينا، و هزموا أحيانا، و في كلتا الحالتين قاتلوا بكل جسارة، و في كلتا الحالتين استمتعوا بكل فعل مقاومة وكل لحظة حرية حتى الذروة ..
هناك اليوم آلاف، ملايين ربما، من هؤلاء الثوار في شوارع الشرق الذي انتفض منذ أكثر من ثلاث سنوات وما يزال، صحيح أن هؤلاء يحاولون بكل قوتهم خلق فضاءهم الحر المستقل عن السلطة القائمة و أية سلطة، لكنهم أيضا يثورون باحثين عن المتعة .. في عالم لا يخلق إلا الألم والملل و الاستلاب و التفاهة، فإن الثورة، على الصعيد الفردي، هي أيضا متعة .
مازن كم الماز

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية