■ تحتفي بريطانيا هذه الأيام بعيد ميلاد الملكة إليزابيث الثانية، بينما تقيم سفارات المملكة المتحدة وقنصلياتها ومؤسساتها في الخارج حفلات استقبال في كل مكان وكل العواصم تمجيداً بهذه المناسبة. ومن المؤكد أن كل الخطب طالت أم قصرت ستمّجد العرش البريطاني وستتغنى بالديمقراطية ومواقف بريطانيا الداعمة للحريات والكرامة. سيتحدث المتحدثون عن دور التاج البريطاني في العمل مع الشعوب من أجــل رفعتها دونما إشارة طبعاً للاحتلالات والانتدابات البريطانية التي امتدت من الهند، درة ذلك التاج، وصولاً إلى فلسطين السليبة ودول العالم التي رزحت تحت نير تلك الاحتلالات.
لكن الشمس لا شك أنها أفلت وغابت عن الإمبراطورية السابقة، لان حريات الشعوب لا تصادر بقوة السلاح ولا بالأوامر العسكرية والقوانين الباطلة والمستوطنات البائسة ونقاط التفتيش وجدران الفصل العنصري ومصادرة الاراضي والحصار الظالم ومعتقلات الموت وسجون الظلم.
عيد جلالة الملكة سيبقى منقوصاً في فلسطين ليس فقط لاحتلال بريطانيا السابق لها، بل لأن الاحتلال الإسرائيلي المصطنع لارضهم اليوم لا يعفي العالم من مسببيه والصامتين عليه. نعم بريطانيا تتحمل مسؤولية تاريخية عما حصل للفلسطينيين الذين لا يستحقون الاعتذار والتعويض فقط، بل أيضاً العمل الجاد للخلاص من المحتل الصهيوني، فبريطانيا رغم أفول نجمها لا زالت عملاقة بحضورها السياسي واقتصادها القوي، وهي بالتالي لا تستطيع أن تخاطب العالم كافة والفلسطينيين خاصة بلسان العاجز أو الحالم أو المتمني. فصاحب المسؤولية هو المطالب بالعمل على معالجتها لا الانضمام إلى خطابة الدبلوماسيات وخواطر الأمنيات.
نعم ملكة بريطانيا تملك ولا تحكم لكن حكومتها وأركان عرشها يستطيعون التأثير وعدم الاستسلام لرغبات وإملاءات الآخرين، فالحرية ليست ترفاً لشعوب معينة وحكراً عليها بينما تحظر على شعوبٍ أخرى وتمنع عنها.
اليوم جلالة الملكة وهي تتسلم رسالة العالم الحر بالتبريكات، يرسل إليها الشعب الفلسطيني وعلى رأسه أسراه الجائعون غذاءً والمشبعون كرامة ليذّكرونها بأنهم أيضاً ينتظرون الاحتفاء بعيد خلاصهم وقيام دولتهم .
الساكت على الظلم شريك فيه والحامي للاحتلال شريك في جرائمه.. فهل تريد بريطانيا أن ترى نفسها في هذا المربع؟ لماذا لا تقرن حكومة صاحبة الجلالة اليوم خطبها بالفعل لا بالادعاء والضغط لا بالانحناء.. فالتاريخ لن يــرحم أحد والظلم إلى زوال.. والساكت على الحق شيطانٌ أخرس.. والمؤسس للحقائق هو الأقدر على مراجعتها تماماً كما قال الكاتب البريطاني العظيم وليم شكسبير: كن عظيماً بالفعل تماماً كما كنت (تعتقد بأنك) عظيم بالفكرة!
٭كاتب فلسطيني
د. صبري صيدم