احتفاء بغرام منسي: صورة الجسد بين إلهامي الرسم والفوتوغراف

حجم الخط
0

احتفاء بغرام منسي: صورة الجسد بين إلهامي الرسم والفوتوغراف

فاروق يوسفاحتفاء بغرام منسي: صورة الجسد بين إلهامي الرسم والفوتوغرافلا يري الجسد العاري إلا وحيدا، عزلته فضاء محتمل يعمي المحيط بغلالة من نور، تصدر عنه. لا نظرة (اولمبيا) مانيه كانت فاحشة بقدر ما كانت متحدية ولا زخارف غوستاف كلمت زادت الجسد غموضا حين أذابته وأخفته بغنج. الجسد، ذلك المكان المحمي بعبقرية طهره وقدسية مغزاه، كانت بداهة نسيانه دائما أقوي من اية محاولة لتوثيق المعرفة التي تنتج عنه. حين لجأ الفرنسي ايف كلاين الي تسجيل لحظات ارتطام أجساد نسائه المصبوغة بالازرق بسطح اللوحة الأبيض المرمي علي الارض، انما كان يرغب في أن يمحو بفرار اولئك النسوة كثافة حضورهن المتخيل. أراد أن ينسج وهما مرتبكا مضافا ليس إلا. عاريات كلاين لم يتركن علي قماش اللوحة إلا ما يزيد من غموضهن، مثل طائر أطلقته يد ساحر، فلا الطائر علق بالهواء الواقعي ولا يد الساحر ظلت مبسوطة لكي تستعيده. فيما الطائر لا يزال مثلما هو يخفق بجناحيه محركا الهواء بين أهداب من كانوا شهودا علي معجزته. بالقوة نفسها لن يكون عري الجسد في حفلات كلاين صفة، كان هذيان ذلك الجسد هو ما يؤكد واقعيته الملتبسة. كان كلاين كأي فنان يحتفي بانعتاق حدسه يحيط افعاله بابهة الشك والضجر والندم. بعكس الحال الذي كان عليها الامريكي (أندي وارهول)، حيث كان طموحه الايقوني يسد في طريقه سبل الغزل الايروتيكي بالجسد. كان وارهول بطريقة أو بأخري ينصب الصلبان لكل ما تقع عليه يداه: مارلين مونرو أو علبة حساء أو الزعيم الصيني (ماو). وارهول هو نوع من صناع الماضي المحتفي به، ولم يكن ذلك الفنان المولع بالسلطة مستعدا لتعريض ذلك الماضي أو اي جزء منه للنسيان. لذلك لم يهتم بجسد مونرو وهي التي اتخذ منها غير مصور موديلا عاريا. ومن يري الان صور مونرو تلك وهي عارية لا بد أن تذهله براءة تحيط بجسدها كما لو أنها تحاول أن تمزج ذلك الجسد ببياض النسيان. مونرو في الصور هي غير نجمة الاغراء التي انتهت الي اليأس. الجسد العاري إذن هو غير صفته التي تسعي الي ان تكون مصيدة لفكرة، غالبا ما تكون خليعة، وهي فكرة تخون الجمال، لأنها تهتم بمادته ولا تهتم بأثره المدوي.2فن الجسد صار احتفالا مكرسا في الغرب، موضوعا يشكل الناس العاديون مادته. في الـ(ساونا) الفنلندية علي سبيل المثال، لا يسمح هنا للأفراد في الدخول، فالحضور ينبغي أن يكون جماعيا، ذلك لان طقس العري ليس حفلا للفرجة. الموقف المناوئ للغرباء لا يمليه هنا موقف اخلاقي متزمت ومبيت، بل هو تعبير عن الالتزام باطمئنان الجسد الي أنه سيكون منسيا، وهو اطمئنان يتيح له حرية أن يكون عاريا، من غير أن يكون موضع رقابة غريبة عنه. الـ(ساونا) الفنلدنية صورة أخري عن الحمام التركي لكن بشروط مختلفة. ولع الرسوم الاستشراقية بحضور الجسد الشرقي كان مدعاة لغزل ووله الكثيرين. في تلك الرسوم هناك استعراض مشكوك في امره، فضاؤه الجسد ومسافتة الغيرة، هو ما دفع الكثيرين الي الشعور بالريبة ازاء واقعية تلك الصور. في الـ(ساونا) الفنلــندية الان في بلد متحرر كالسويد، لا يسمح لعيون الغرباء بتخيل استعراض لاجساد عارية، تري كيف كان ذلك مسموحا به في مصر (علي سبيل المثال) قبل قرن؟ يعكف الاطمئنان بالجسد العاري علي الهامه ولا يشظي ذلك الإلهام مثلما تفعل العين الرقيبة، التي تجد في عري الجسد مساحة لالهامها الايروتيكي، في الوقت الذي يفقد الجسد فيه قدرته علي أن يرتقي بوجوده الي المستوي الذي يحقق شروط الهامه. الموديل العاري هو مثال بارز علي ذلك الغياب القسري للالهام. صورة الجسد ليست الجسد، هي صفته وهو في حالة ذهول عن أعماقه، ما نراه من الجسد ونحن في موقع الرقابة ليس الجسد في بداهة تكوينه بل خوفه من أن يكون متاحا وعموميا.3 ما الذي نراه في الجسد، لا منه؟ التمثال أم فكرته؟ المرآة أم شعاعها؟ نقاء الخط لدي ادغار ديغا يهب أجساد راقصاته حيزا مفتوحا علي المطلق، كما لو أن ديغا، رساما ونحاتا علي حد سواء، قد قرر أن يصف الملائكة، بجمل لا تخطئ ولا يهز الارتباك كلماتها، ليكون لتلك الجمل الصافية وقع التماهي مع الغيب. رسوم ديغا تترك المتلقي في حالة من الخدر البصري الذي لا يقبل الاستفهام أو المراجعة، الامر نراه مقلوبا لدي رسام معذب بالهامه الشبقي مثل تولوز لوتريك، حيث تفصح تقنيته عن امتزاج الجسد بالنظر اليه من جهة حسية، فتياته لا يسعين برقتهن المبالغ في ابتذالها إلي الكمال، بل يتماهين من خلال استعراضية فاحشة وأنيقة في الوقت نفسه مع ولع العين المتكلفة. في الحالين لا نري الجسد إلا ملغوما بالوهم (هل أقول الكذبة؟) التي هدر الرسام من أجلها حياته. رسوم كانت بمثابة تعليق علي الجسد، تعليق يصفه وفي الوقت نفسه يرجئه. 4غزل الفوتوغراف المعاصر بالجسد فيه الكثير من العذرية والبراءة، كما لو أن مياه الـ(ساونا) تسيل بعذوبة من بين ثنياته. هناك لعبة تجري بعيدا عن ادعاء العفوية أو التلقائية، لعبة تديرها العين الثالثة وهي تستضيف الجسد في حضرة فكرتها عنه. عين العدسة التي هي عين خيال لا تعتريه الشهوة يفتنها الجسد البشري مثلما يفعل أي كيان جمالي عاكف علي انسجام عناصر تشنجه غير المرئية: الشجرة، الحصاة، الغيمة، الصحراء. حياة كامنة لا يمكن فصلها عن خيالها الممزوج بذراتها، هي في الحقيقة حياة متخيلة استهوتها لحظة ظهور. الجسد من خلال عين العدسة هو مزاج الخطيئة الصافية وقد تجلي عابرا. بكثرته وقلته، بسعته وضيقه، بفقره وثرائه، بكآبته ومسرته، بحضوره وغيابه، بليونته وصلابته، بتفجره وصمته، بعفته وفجوره، بغموضه ووضوحه، بتشعبه ويسره، بخفته وثقله، وسواها من الصفات المتناقضة التي لا تستبدل وجودها البديهي بالمعاني الرمزية، التي اتخذ منها الرسامون أقنعة لوجود صارت الرسوم تقترحه. ها هو الفوتوغراف يعيدنا مرة أخري الي الحقيقة، لا الي أشباحها. وهي الاشباح التي استطاع الرسم من خلالها أن يصنع اسطورة الجسد التي هي مرآة لامراضنا. لقد اعترض الفوتو في بداياته طريق الرسم فظهرت الانطباعية وها هو اليوم يضع الرسم في منطقة مضطربة جديدة، حين يذكره بالجسد، بصفته موقع غرامه المنسي. علينا أن نتذكر أول دروس الرسم، حيث كان جسد تلك الالهة الاغريقية واقفا أمامنا صامتا.شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية