المتشبثون بالعملية السياسية في العراق.. ماذا سيحصدون؟

حجم الخط
0

د. عمر الكبيسي

ماذا تغير مما جرى ويجري في العراق مما سببته العملية السياسية الفاشلة، كي نسمع ونرى عن مجاميع وشخوص تصرح وتعقد ندوات ومقابلات وتعلن تشكيلات تتأهب للمشاركة فيها وتتهيأ للإنتخابات القادمة مستبشرة ومتسابقة بعد مضي اكثر من ثمان سنوات على مرارة ما جناه العراقيون من ويلاتها؟

ما الذي تغير لغاية اليوم من أمراضها السقيمة ونتائجها الوخيمة، مما يغري نفوس الراكضين اليها للمشاركة فيها؟

بأي مبرر وحجة سيتوجه هؤلاء الراكضون للمشاركة وهم يسمعون ويشاهدون لعنة الشعب وغضبه على اداء اقطاب هذه العملية وعلى الذين انتخبوهم؟ لماذا يعتقد هؤلاء الراكضون ان الشعب جاهز لإنتخابهم بعد خيبة الأمل بمن سبقهم؟ ما الذي يميز هؤلاء عن أولئك؟ الجهات الموعودة اليوم بالقبول والترحيب والمهووسة بالركض الى انتخابات قادمة سمعنا منها طيلة السنوات الماضية عن طائفية ومحاصصة العملية السياسية وعدم نزاهة مفوضية الانتخابات وفشل الدستور وعيوبه وضرورة تغييره وفشل اسس المشاركة الوطنية وانحسار المشروع الوطني وعشعشة المشاريع الطائفية والتقسيمية وعن ندم الشعب وتعبيره عن أسفه لإنتخاب من انتخبهم بعد ان فشلوا وحنثوا بما وعدوا في تحقيقه، فما الذي يحفز هذه الأطراف اليوم للمشاركة بعملية الانتخابات القادمة مبكرين؟

من المؤكد ان العراقيين يحلمون بانتخابات نزيهة ويحلمون بديمقراطية حقيقية وبالتسليم لنتائج الانتخابات وصناديق الاقتراع في ظل سلطة وطنية وظروف أمنية مهيأة لمسيرة انتخابية واعدة، ولكن ما الذي يؤشر لتحقيق هذا الطموح في ظل بقاء ركائز هذه العملية السياسية فاسدة ونتائجها قاتلة؟

أنا لا أخاطب الذين استهوتهم العملية السياسية وشاركوا فيها منذ حلول الغزاة ومازالوا بها متشبثين، فهؤلاء بعد أن فشلوا بتحقيق ما وعدوا به وبعد أن عرف الشعب مكرهم وتنكرهم، لن يحظوا بنصيب الفوز فيها ثانية، وقد كان الدكتور أياد علاوي موضوعيا عندما حذر الشعب ودعاه الى عدم انتخاب من انتخبهم ثانية بسبب الفشل الذريع للجميع في تحقيق أي انجاز للشعب ولم يستثن نفسه من هذا التحذير، ولكني أخاطب الراكضين الجدد الى العملية السياسية والنازعين لسلاح المقاومة أو خطاب المناهضة والممانعة بدعوى المصالحة الوطنية المزعومة، ما الذي استجد وأنجز وتغير إن صح كل ما هو معلن لهذا التحول والتبديل؟

إذا كان تبريرهم هو انسحاب الأمريكان من العراق وانتهاء حالة الاحتلال، فهم واهمون لأن الأمريكان مرارا وتكرارا يعلنون أنهم لا زالوا موجودين ومؤثرين في العراق رغم انسحابهم المعلن، وان طائراتهم محلقة في أجواء العراق وسفارتهم في قلب بغداد غير طبيعية في حجمها وأعداد طواقمها تتجاوز 16 الف منتسب، وعناصر شركاتهم الأمنية متواجدة بجيش جرار مسلح ويحظى بحصانة، وقواعد تواجدهم بالمنطقة قريبة وسريعة الوصول عند الحاجة.

القول بأن الشعب لم يعد يؤمن بجدوى المعارضة والمقاومة ووصل بمرور الزمن الى هذه القناعة وأن عملية الإصلاح متاحة من خلال المشاركة السياسية، كلام جزاف غير مسؤول والذين سبقوهم بهذا الرأي لم ينجزوا شيئا يذكر مما كانوا بهم يدعون والشراكة السياسية انهارت، وكذبة الأغلبية الانتخابية والسياسية ومشاريع التوافقات سقطت، وان التشكيلات الجديدة والأحلام المكتوبة والوعود الفارغة وشراء الذمم وتأمين البدائل السياسية والإغراء بالامتيازات الشخصية لشرعنة مشاركة واسعة غير مجدية كما أن تبني مشاريع الأقلمة والتقسيم للخلاص من سياسات القمع والتهميش جريمة وطنية، وطالما ان المعاناة مستمرة والتهميش يتزايد ودكتاتورية السلطة تتفاقم والصراع على السلطة يتجدد والفساد معلن والعنف مستمر والسجون مليئة والإعدامات متتالية والاعتقالات متواترة والمليشيات علنية والدمار والجوع والمرض والجهل والتهجير تستفحل والقضاء مسيَّس ومخترق والأمن مفقود ومخابرات الكون كلها فاعلة وقوى ونفوذ الجيران في داخل العراق حاكمة ومتنفذة، وأميركا وإرادتها موجودة. يبقى خطاب التغيير الجذري لمخلفات الاحتلال وعمليته السياسية بكل الوسائل المتاحة ووحدة وتماسك وثبات القوى الوطنية المناهضة والممانعة وسلاح المقاومين للتصدي لبقايا المحتلين الغزاة التقليديين والمقنعين بواجهات جديدة امام احتلالات عديدة وجيوش شركات أجنبية محصنة وميليشيات سياسية مسلحة مسخرة إقليميا مدانة بسفك دماء العراقيين وناشطة بالسر والعلن متواجدة، هو الحل. كما يبقى الحل عراقيا وبإرادة العراقيين ولا يمكن ان يكون الحل بغيرهم. إزالة الاحتلال ومخلفاته وجذوره وأركانه هو الحل الأمثل للتغيير والإصلاح والنهضة، وليست مشاريع التوافقات الكاذبة والمصالحات الزائفة وسياسات تغيير الوجوه وتبادل الأدوار بين اعوان المحتلين ووكلائهم ومشاريع جيوش الاحتلال والناتو والتوافقات الاقليمية وما تقرره بحق الشعب المنكوب. حراك الشعب العراقي ووحدة قواه ومقاومته وممانعته الوطنية (لا الطائفية ولا الأجنبية ولا الإقليمية) النابعة من صميم إرادته ومعاناته وحدها فقط تشكل أداة التغيير بعد ان بان زيف الديمقراطية الأمريكية المعلن وهدفها التقسيمي المنشود وحقيقة مشروعها في العراق والمنطقة العربية والشرق الأوسط الجديد. الكلام والحديث عن شعب مغلوب على أمره، وشعب عاجز عن الحراك، وشعب لا حول له ولا قوة، حديث لا مصداقية فيه ولا يصح التبرير به، مجابهة الشعوب المنكوبة بمزيد من العنف والقوة والتفرد والفساد لا يؤدي إلا الى التحرر والانعتاق والخلاص من الطغاة والعملاء باسرع الزمن وأبهظ الثمن، لأن الشعوب لا تقهر والظلم لن يدوم.

الراكضون الجدد بسباق محموم للمشاركة بالعملية السياسية الخائبة التي اسسها المحتل في العراق، لن يحصدوا إلا خيبة الأمل والمزيد من الفشل، وهم واهمون إذا كانوا يعتقدون ان تشبثهم بالمذهبية والطائفية وحماية المذهب او التبشير بالتقسيم والأقلمة للخلاص من التهميش والمعاناة سيكون حلا وخيارا للعراقيين او دافعا لمشاركة بإنتخابات قادمة واسعة، لأن العراقيين ادركوا جيدا ان الطائفية مزقتهم وان التقسيم نهايتهم وأن دعاة الطائفية والتقسيم هم من أسسوا للفساد ونهبوا وسرقوا واستغلوا ثروة الشعب لمصالحهم تحت مظلة الاحتلال وبتشجيع منه وتوجيه، وهكذا ابتلي العراق بتنصيب أفسد الخلق فيه وأشدهم مكرا وكذبا وجهلا حكاما عليه ومتنفذين به جاءت بهم بهويات طائفية وعرقية وليست بالهوية الوطنية العراقي.’ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية