رأي القدس الاتهامات التي وجهتها الدكتورة فايزة ابو النجا وزيرة التعاون الدولي المصرية خلال شهادتها في قضية التحقيق في التمويل الاجنبي لجمعيات اهلية يجب ان تؤخذ باكبر قدر من الجدية، ليس لان الدكتورة ابو النجا وزيرة في الحكومة، وانما ايضا لانها ليبرالية تتمتع بمصداقية عالية داخل مصر بل وفي الولايات المتحدة نفسها.
الدكتورة ابو النجا فجرت قنبلة من العيار الثقيل عندما اتهمت الولايات المتحدة الامريكية بانها عملت على احتواء الثورة المصرية، وتوجيهها لخدمة مصالحها ومصالح اسرائيل، لان هذه الثورة جاءت مفاجأة لامريكا، وخرجت عن سيطرتها، وتحولت الى ثورة للشعب المصري باسره.
الوقائع على الارض التي شاهدنا ارهاصاتها طوال الاشهر التي تلت انتصار الثورة في اطاحة نظام ديكتاتوري فاسد تؤكد جميع ما ورد على لسان الدكتورة ابو النجا، حيث حاولت قوى الثورة المضادة، وفلول النظام السابق، اجهاض الثورة من خلال خلق حالة من الفوضى الامنية في مختلف انحاء البلاد.
توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الاسبق ومنظّر الاستعمار الغربي الجديد، فوجئ بثورات الربيع العربي في كل من مصر وتونس واليمن، ولذلك طالب بالتدخل للسيطرة على هذه الثورات، وتوجيهها الوجهة التي تخدم مصالح الغرب.
المصالح الغربية واضحة لا تحتاج الى تحليل او بحث، وتتلخص في الحفاظ على اسرائيل قوة اقليمية نووية عظمى، والهيمنة الغربية على النفط. وقد لعب نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك دورا كبيرا في خدمة هذه المصالح، عندما جعل من مصر حارسا للحدود الاسرائيلية، وخاض جميع حروب امريكا في الجزيرة العربية والخليج ضد العراق لتكريس الهيمنة الغربية من خلال اطاحة نظام الرئيس العراقي صدام حسين الذي كان يشكل تهديدا لهذه الهيمنة، مثلما كان يشكل تهديدا لاسرائيل.
الادارات الامريكية المتعاقبة كانت تعمل جاهدة لمنع نهوض مصر، واستعادة دورها الريادي القيادي في المنطقة وقرارها المستقل بالتالي، واستطاعت توظيف بعض الجماعات الاهلية من اجل تحقيق هذا الهدف.
اتخاذ اجراءات قضائية ضد بعض هذه المنظمات والجمعيات المتهمة بتنفيذ المخطط الامريكي هذا ازعج الادارة الامريكية، وجعل بعض المسؤولين الامريكيين يهدد بوقف المعونات السنوية العسكرية لمصر التي تقدر بحوالى 1.2 مليار دولار، وهو ازعاج يعكس بجلاء ازدواجية المعايير الامريكية. فمن المفترض ان تتريث الحكومة الامريكية التي تدعي ايمانها بالقضاء الحر والشفافية لترى نتائج التحقيقات والاجراءات القضائية قبل ان تصدر احكامها المتسرعة ضد السلطات المصرية.
القضاء المصري تحرر من عبودية النظام الديكتاتوري القمعي السابق، واستعاد استقلاليته، ولذلك فان احكامه ستكون حتما عادلة تعكس قيم ومبادئ الثورة المصرية العظيمة.
ما يجب ان تعلمه امريكا وكل الدول الاخرى السائرة في فلك نفوذها ان التاريخ لن يعود الى الوراء، وان الزمن الذي كانت تدير فيه مصر من خلال ديكتاتورها الفاسد، وبجهاز التحكم عن بعد (ريموت كونترول) قد ولى الى غير رجعة. فمصر تحررت واستعادت كرامتها وحريتها، ولن تعود مطلقا للقفص الامريكي ـ الاسرائيلي.