لوحات الاماراتي عبد الله السعدي: خبز وحجر وتأملات في الانسان والذات

حجم الخط
0

يكمن العمق في البساطة، والوقع والأثر البالغ لخفة الأشياء يعدان توليفة تثري الروح والبصر في أعمال عبد الله السعدي، الفنان الإماراتي الذي استعاض عن فائض الكلام بزخم فني قدم بعضه في معرضه الأخير «الطوبي» الذي نظمته مؤسسة الشارقة للفنون، في الإمارات العربية المتحدة.
عبد الله السعدي فنان وباحث، قضى طفولته وشبابه متأملاً في عالمه، ليرى في نفسه ابناً للطبيعة. تربى في الجبل وعاش في المدينة، وبقي متنقلاً بين المدن والقرى الداخلية ليحس بذاته الغجرية، وحالما سنحت له الفرصة بدأ يقوم برحلات للمقارنة والمقاربة الإثنية والجغرافية والأنثربولوجية، يبحث فيها ويقارن بين ما رآه وما سمع أو قرأ عنه، يدَون الملاحظات والمذكرات والأحداث التي مر بها، يرسمها في دفاتره الصغيرة البيضاء، يصَور ما مرَ به، ويرسم المطويات التي تمثل المنطقة التي كان فيها وما تضمه من تفاصيل كالمنازل المجاورة والشوارع والجبال والأماكن التي يتردد عليها بالإضافة إلى رسومات تمثل الحيوانات والطيور والحشرات التي كان يشاهدها أثناء تجوَله في المنطقة، لتنتج عن تلك الرحلات المتعددة تأملات فنية يشارك من خلالها السعدي تجربته وداخله وهواجسه، ومن رحلة الطوبي أُنتجت معظم أعماله التي قدمت في معرض «عبد الله السعدي: الطوبي»، و»الطوبي» كلمة إماراتية شعبية، وهي آلة الخبز الشعبي، اختاره السعدي عنواناً لمعرضه لأنه كان مرافقاً له في رحلته، والطوبي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمه وبأمهات الشعوب أجمعها، والخبز هو القوت الأول على الأرض يرتبط به مختلف البشر، كما يرتبط بالجبل والمكان.
رحلته الداخلية الأخيرة التي أقامها الفنان في عام 2013 بين المناطق الحدودية بين الإمارات العربية المتحدة وعمان في المنطقة الشرقية والشمالية، كانت امتداداً لرحلة قمرقند التي أجراها في عام 2010، وعلى خطاها اصطحب عبد الله السعدي عشرة أحجار حفر عليها أشكالاً لعشرة حيوانات، نظراً لرغبته بالصحبة ولكن اختزالاً واختصاراً لصعوبة اصطحاب عشرة حيوانات حية في سيارة، حيث اصطحب في رحلة 2012 حماره قمر قند وكلبه، لتأتي هذه الرحلة مكملة لما قبلها.
أقام عبد الله السعدي طقوساً يومية تشعره بحيوية صحبته أكثر كل يوم، لتتحول من حجارة إلى منحوتات فنية تذهب في رحلات وتشارك في معارض فنية ويأتي الناس والنقاد والمهتمون ليروا الشاهد على مكنونات وبساطة عبد الله كإنسان قبل أن يكون فناناً.
واستمراراً في سياق المقاربات والمقارنات نتجت مجموعة «البطيخ»، والتي هي عبارة عن سلسلة رسومات بالألوان المائية لجبال بلون البطيخ الأحمر. فكرةٌ استلهمها من ولده الصغير الذي تراءى له الجبل في قطعة البطيخ.
حميمية البيوت القديمة تشكل مجالاً مثالياً لعرض ما يقدمه عبد الله السعدي، وبالأخص مجموعة «رسائل أمي»، ليتكاملا معاً وتحس أنت بالرهبة، رهبة المكان ورهبة الرسائل، واختزال الموت والحياة في بيت حسين مكراني وبيت حسن مختار بقلب الشارقة.
يبتعد عبد الله قدر المستطاع عن كل ما هو مادي، وينهل من أعماق الروح والوجدان، يمسك عبد الله بالرسائل التي تركتها أمه على بابه، يحسها بين يديه، ما ملمسها؟.. ما حجمها؟.. ما شكلها؟.. ما هي؟..، ينظر إليها يعاينها من جميع الجهات والأطراف والزوايا، هل تحمل رائحة مميزة تعلق بذاكرته العنيدة إلى الأبد؟، ما التاريخ الذي وضعت فيه؟، وأين كان هو حين غاب غفلةً عن زيارة أمه، ليضع لاحقاً تحليلاته وتصنيفاته ومذكراته في كتاب أسماه «رسائل أمي»؟
غصن شجرة، ورقة، قطعة خشب، وما قد يحمله الطريق إلى باب عبد الله، هو ما كانت تتركه أمه، لتكون هذه الأشياء رسائل لا يفهمها سواهما، رسائل لا يمكن لعبد الله إلا أن يؤرشفها ويؤرخها ويحتفظ بها في مخبئه، لأنها رمز وامتداد لحياة انقلبت موازينها عند وفاة أمه الطيبة في 26/ 7/ 2013، الواقعة التي أنهت معها كتاب وعمل «رسائل أمي» بعبارة من عبد الله السعدي تقول: «ما تركته أمي للبشرية هو أكثر أهمية لهذا الإنسان من الإرث والممتلكات، إنه وسيلة الاتصال القديمة مبنية على عمق ثقافي وحضاري ضارب بجذوره في التاريخ في كل القارات».
ويبدو أن ثقل الحياة كان واضحاً في مجموعة «النعال الحجرية» التي ضمت حوالى خمسين قطعة من نعال حجرية مختلفة الأحجام، لتقوم بقلب دلالة النعال على المشي والانزلاق والانسيابية، فهو هنا كتلة حجرية صلبة لا يمكن لها إلا أن تثقل الخُطى وتباعدها، هذا إن استطاعت قدمك الاقتراب منها.
يبدو أن الهموم والاختلاجات التي تعبر ذات الفنان عبد الله السعدي تمتد بشكل جلَي عبر تصوراته وأعماله المقدمة بشكل مختلف في كل مرة لتتماشى مع مشاغل الإنسان القابع على هذه الأرض وتكون امتداداً لها، في كل حالاته وتساؤلاته، هناك شفافية وإنسانية واضحة في أعمال الفنان، هناك دفء واغتراب، ليكون عبد الله السعدي وأعماله رحلة في الحياة.

نور الرفاعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية