منتصر حمادة
يتذكر المتتبعون لأهم ما صدر في المجالين التداوليين الغربي (الأمريكي ـ الأوروبي) والإسلامي (العربي)، بعد صدمة اعتداءات نيويورك وواشنطن (اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر 2001)، أن إحدى أهم هذه الدراسات، لم تصدر في اليوم الموالي للحدث، وإنما كانت مؤرخة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، وصدرت للفيلسوف الفرنسي الراحل جون بودريار تحت عنوان: ‘روح الإرهاب’. (L’esprit du terrorisme) (صدرت الدراسة الرصينة والنوعية أولا في يومية ‘لوموندّ’، ولأهميتها، صدرت مترجمة في العديد من المنابر الإعلامية العربية، نذكر منها هذا المنبر، ‘القدس العربي’ اللندنية، وأيضا في يومية ‘الوطن’ السعودية، أسبوعية ‘أخبار الأدب’ القاهرية، وأيضا في مجلة ‘الفكر العربي المعاصر’ التي يديرها المفكر السوري مطاع صفدي). نقول هذا ونحن نطالع آخر أعمال المفكر اللبناني علي حرب، وجاء تحت عنوان: ‘ثورات القوة الناعمة في العالم العربي.. نحو تفكيك الديكتاتوريات والأصوليات’. (صدر الكتاب عن الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ط 1، 2011)، بما يفرض طرح الاستفسار التالي: ما هو التعامل التأملي الأمثل أمام أحداث جسام من قبيل ما اصطلح عليه إعلاميا بأحداث ‘الربيع العربي’: الانخراط الآني في تحرير مقالات رأي وتقييم لما جرى ويجري؟ أم أخذ مسافة زمنية لا بأس بها، من باب عدم التورط في تمرير خلاصات نقدية قد تُجانب الصواب؟ وفي حالة تبني الخيار الثاني، ألا يمكن اعتبار ذلك تقاعسا من المثقف العربي، بالنظر إلى هول الأحداث، أم أن الرغبة الملحة في تمرير رؤى نقدية رصينة تتطلب قطعا التريث قبل إصدار الأحكام والرؤى والخلاصات.. نحسبُ أنه كان حريا بعلي حرب، وهو الذي ينهل بنهم من المؤلفات والمجلات الثقافية الفرنسية، أخذ العبرة من موقف جان بودريار في معرض التفاعل مع ‘أم الأحداث’ العربية اليوم ــ على غرار وصف بودريار لاعتداءات نيويورك وواشنطن بأنها ‘أم الأحداث’ ــ بشكل جعل من دراسة الراحل، إحدى أهم الدراسات النقدية والتأملية التي صدرت في معرض تفكيك ما جرى، خاصة أنها تأسست على شعار ‘النقد المزدوج’، وليس الاكتفاء بجلد الذات العربية والإسلامية كما نقرأ في أغلب أعمال علي حرب، والذي ظَلَّ وفيا لإحدى مُميزاته في التعامل مع المشاريع الفكرية العربية والإسلامية، حيث لا صوت يعلو على صوت النقد والنقض والهدم، وعدم التنويه أو الإشادة بأي مشروع من المشاريع القديمة والحديثة.
نقد العقل الثقافي العربي، هو عين ما نطلع عليه مُجددا في كتاب ‘ثورات القوة الناعمة في العالم العربي’، بدءا من اعتبار الثورات العربية قوة حية، حية وناشطة، وفعالة أكثر مما يحسب دعاة التقدم التغيير، وتحديدا المثقفين الذين يدعون احتكار الوعي والعلم والمعرفة بأحوال العالم، ونهاية بالتنبيه إلى أن مأزق العديد من فلاسفة العرب ومفكريهم الذين ما زالوا يثيرون أسئلة النهضة ومشكلات الحداثة، فيما الفاعلون العرب الجدد قد تجاوزوا الحداثة إلى ما بعدها، بانخراطهم في الحداثة الفائقة والسيالة للعصر الرقمي والواقع الافتراضي. وهاهم يتصدرون الواجهة ويصنعون الحدث الذي سارع المثقفون إلى تلقفه والتعيش عليه، للحصول على شهادة حسن سلوك ثوري أو تحريري أو تنويري.
يُلح علي حرب كثيرا في معرض اختياره مفردة التعيش، بحكم أن مجتمع المثقفين برأيه، ليس ملكوتا للفضيلة ولا هو مملكة للحرية والعدالة، بل هو الأسوأ داخل المجتمع الكبير، كما تشهد علاقات المثقفين بعضهم ببعض، وهذه حالات مرضية يصعب أن نختلف فيها معه، مقابل الاختلاف الجذري في خلاصاته المؤرقة التي يحفل بها العمل، ومنها مثلا أن المثقفين لم يعودوا عقول المجتمعات النيرة، ولم يكونوا أصلا ضمائرها الحية: لنعترف بفشلنا وإفلاسنا، وبأن جيلنا قد أورث الأجيال الجديدة كل هذا التردي والتراجع. ومؤدى الاعتراف أننا الوجه الآخر للأنظمة التي ندينها وننتشي لانهيارها، بنخبويتنا وتوهيماتنا النرجسية. فالحاكم والمثقف كلاهما متأله وعاشق لذاته، نابذ لغيره. الأول ينفرد بالسلطة ويستبد بها بقدر ما يظلم من اختاروه لرعاية مصالحهم. والثاني يحتكر الحقيقة ويعتقد بأنه فريد عصره ومجاله بقدر ما يحتقر من يدعي أنه يدافع عن حقوقهم.
وفي إطار نقد المؤلف لبعض رموز الفكر الغربي، يؤاخذ صاحب ‘أوهام النخبة’ على المفكر الأمريكي الألمعي نعوم تشومسكي أو الناشط والأديب الباكستاني طارق علي ونظراؤهم العرب، توجسهم من العولمة والليبريالية الجديدة، فيما هي ساهمت، برأيه، في ولادة نظام عربي جديد، ديمقراطي، بكسرها للحواجز والحدود، على النحو الذي يتيح بث الصور والحصول على المعلومات بسرعة البرق والفكر، مُصنفا الثورات العربية، في إطار نفس منطق تصفية الحسابات الفكرانية/الإيديولوجية ضد المثقفين العرب والغربيين على حد سواء، انها لا تجري بحسب النموذج اليساري الفاشل، أو النموذج الوطني التحريري الآفل، وهي بالتأكيد لا تجري حسب المثال الجهادي القاتل. بهذا المعنى فهي امتداد للثورة الفرنسية، كما هي امتداد لعصر النهضة والاستنارة في العالم العربي.
بالعودة إلى أهم خلاصات أحداث ‘الربيع العربي’، يُلخصها المؤلف في النقاط التالية: هناك أولا خلع عباءة الفكرانية/الإيديولوجية المقدسة بثوراتها ومقاماتها وانقلاباتها وأحزابها، للاشتغال ببناء مجتمعات غنية بإنتاجها، مزدهرة بإنجازاتها الحضارية؛ وهناك أيضا، كسر عقلية النخبة والانتقال إلى المجتمع التداولي، حيث كل الناس هم فاعلون ومشاركون في أعمال البناء والإنماء، كل من موقعه وبأدوات اختصاصه؛ وهناك ثالثا، كسر العقليات البيروقراطية المركزية الفوقية للانتقال إلى عصر الشبكات الآنية والكتب الرقمية، حيث تدار الشؤون بعقل أفقي، تواصلي، تبادلي؛ وأخيرا، التخلي عن منطق العنف والإرهاب للعمل على تغيير الأوضاع وتحسين الأحوال، بأساليب ووسائل سليمة، مدنية، تواصلية.
نحسبُ أن الخلاصة الرابعة التي توصل إليها المؤلف، تَهُمُّ أتباع الحركات الإسلامية ‘الجهادية’، التي فوجئت بسلمية ثورات عربية أطاحت ببعض الأنظمة العربية، وخاصة بعض جمهوريات الموز العربية، دونما المرور على تفعيل أحلام مُجمل حركات إسلامية ترفع راية ‘الجهاد’ ضد بعض الأنظمة العربية والإسلامية.
وفي إطار سحب البساط عن التوظيف الإسلامي الحركي لنتائج ‘الربيع العربي’ (والذي يوصف عند البعض وعلى استحياء، بـ’ربيع إخواني/إسلامي حركي’)، وبفعل إصرار صانعي القرار في طهران على توظيف الحدث في حسابات سياسية واستراتيجية، يُحسب للمؤلف سحبه البساط عن هذا التوظيف، معتبرا أن الثورة الإيرانية ـ التي وصفت بأنها ‘ثورة إسلامية’ قبل أن تنقلب فيما بعد إلى ثورة مشانق ـ هي آخر الثورات التي تنتمي لعصر الجماهير، حيث تسود ثنائية المرشد والقطيع ويطغى الفكر الأحادي، أي حيث المماهاة التامة مع الذات واستنساخ الهويات وإدانة كل مغايرة أو قتل كل فرادة، وهذا، يضيف علي حرب، بخلاف ثورة النيل في ميادين القاهرة وساحات المدن الأخرى، والتي يصنعها نهر بشري، بكل ما ينطوي عليه من الدفق الحيوي والتعدد المثري والتنوع الخلاق، كما يصنعها العاطلون والعاملون، ولا يقصد عمال الطبقة العاملة وحزبها، بل العاملون الجدد من عمال المعرفة والمشتغلين في قراءة المعلومات على الشبكات، والذين يتقنون التواصل والتبادل عبر ‘الأوتوسترادات’ الإعلامية والميادين الافتراضية.
كان ضروريا إذا أن يتوقف المؤلف عند الظاهرة الإسلامية الحركية، بالصيغة الواردة في العنوان الفرعي للكتاب: ‘نحو تفكيك الديكتاتوريات والأصوليات’، معتبرا في هذا الصدد أن صعود الأصوليات الدينية، التي استفادت من إخفاق المشروع القومي والبرنامج الاشتراكي، أدى إلى مزيد من التردي والتراجع. ولا غرابة؛ لأن الأصوليات هي موجات ارتدادية تحكمها الذاكرة الموتورة والعقائد الاصطفائية التي يفكر أصحابها بعقلية الثأر والانتقام مما هو حديث ووافد ولذا فما بوسعنا أن تفعله هو تقويض نظام أو تخريب عمران، لولا أنها لا تقدر على الإصلاح أو تحسن البناء، بقدر ما تعتبر أن المستقبل هو وراءنا لدى الماضين، لا ما نقدر على إنجازه. ولأن أصحابها يفكرون بمنطق الإقصاء والاستئصال للمختلف والآخر، فإنها تشتغل بنصب المتاريس وخلق الأعداء، ولا تولد إلا الحروب الأهلية التي تفتك بغير مجتمع عربي، وبالنتيجة الحتمية التي تُلخص مقاصد هذا العنوان الفرعي: تطورت الأمور في المجال التداولي الإسلامي العربي نحو الأسوأ، حسب المؤلف، مما وضع المجتمعات العربية بين فكي الكماشة الخانقة: استبداد مُضاعف وفساد مُنظم، ثراء فاحش وفقر مُدقع، جزر أمنية ومافيات مالية، جحيم المخابرات وجهنم الإرهاب؛ وصلنا جميعا، بسبب هذا الإخفاق المتواصل، تجربة بعد تجربة، ومرحلة بعد أخرى، إلى انسداد الأفق واستهلاك الأفكار واستنفاد الوسائل وفشل البرامج وسقوط الدعوات، سواء على جبهة الديكتاتوريات أو على جبهة الأصوليات، حيث المعسكران المتناحران متواطئان على ما يشهده العالم العربي من العجز والتخلف والتقهقر وسوء السمعة في الخارج. يستوي في ذلك ديناصورات التراث وعجزة الحداثة، متهما الطرفان (التيار الإسلامي الحركي والتيار العلماني الحداثي) بأنهما لم يُحسنا الانخراط في المناقشات العالمية من أجل تطوير المفاهيم وتجديد العناوين، في عالم يتغير بأدواته ومفاهيمه وقيمه وقواه، ومآل ذلك الهزال الوجودي والقصور العقلي والمأزق الحضاري.
من المميزات المثيرة التي طبعت أحداث ‘الربيع العربي’، كون الثورات الجديدة لا تدار بثنائية الجريمة والعقاب، كما كان من أمر الثورات السابقة، بمحاكمها ومحاكمتها الصورية والكاريكاتورية التي تنتهي قبل أن تبدأ، من منطلق أن الانتقام قد يدخل الثورات في انفاق لا تستطيع الخروج منها، فضلا عن أن العقاب قد يطال أناسا ويترك آخرين، أو يظلم أبرياء ويبرئ مذنبين، (وهذا ما نطلع عليه عمليا في الحالة المصرية مثلا، حيث إصرار عائلات الشهداء على رد الاعتبار القانوني والقضائي لضحايا أحداث العام الماضي). ومن المُميزات أيضا، كون الذين يصنعون الثورات الجديدة هم أكثر تواضعا، أو هكذا يؤمل، (ونستحضر هنا الفاعل الجمعوي وائل غنيم في مصر، الذي طالما أكد لوسائل الإعلام أنه ليس بطلا للثورة المصرية، وأنه ناشط ضمن نشطاء آخرين، ساهموا في الإطاحة ببعض رموز نظام حسني مبارك، دون أن يسقط النظام طبعا)، بحيث لا يفكرون بعقلية البطولة، ومن هذا شأنهم لا يخوضون حروبا لكي يدمروا بلدا أو يصنعوا بطلا، ولا يطرحون مطالب مستحيلة؛ ولا يسعون إلى تسطير الأمجاد ولو أدى ذلك إلى حرق البلاد والعباد؛ كما أنهم لا يطمحون إلى إقامة فراديس أرضية تترجم شقاء وجحيما؛ وإنما يهتمون بحل المشكلات وتحسين شروط العيش وبناء المصير المشترك، في مواجهات التحديات التي تواجهها المجتمعات البشرية اليوم، كما تشهد المشكلات الأمنية والصحية والبيئية والمالية والخلقية، وكما تتجسم في داء مثلث فتاك: الكارثة من حيث العلاقة مع الطبيعة، والبربرية من حيث العلاقة بين النظراء، والعدمية من حيث انهيار القيم والمبادئ.
أما الميزة الأهم والتي توقف عندها أغلب المراقبين، إلى درجة الحديث الاختزالي للبعض عن ‘ثورة الفايسبوك’، فتُحيلنا في الواقع على عنوان الكتاب ‘ثورات القوة الناعمة في العالم العربي’، وتكمن في أسلوب الثورات العربية الراهنة، فنحن إزاء ثورات سلمية، تشتغل بالقوة الناعمة لا بالقوة العارية، كما كان من أمر الثورة في تونس ومصر بشكل خاص، وهذا هو ما يؤمل أن يتعزز، إذا لم يرد للثورات الجديدة أن تقع في أفخاخ الثورات السابقة التي كان شعارها: ‘العنف قابلة التاريخ’. فالعنف خرب الثورات وبدد الأحلام وقوض الشعارات، وهو لا ينتج سوى الدمار المتبادل في عصر الاعتماد المتبادل. وإذا كان للثورات الرقمية دروسها، فهي تعني بأن القوة الناعمة والفائقة هي أقوى من الأنظمة الأمنية وأجهزتها المخابراتية. وهكذا نحن إزاء ثورات لم تصنعها السيوف والرشاشات، بل الكتب الرقمية والشاشات الخارقة للجدران الحديدية والعقائد المغلقة.
ويضيف حرب أنه بينما كان الحاكم والداعية والمثقف أو المتلاعب والمضارب، يتربع في سلطته المغتصبة، أو يتنعم في ثروته غير مشروعة، أو يتشبث بعقائده البائدة وأفكاره المستهلكة، أو يدافع عن هويته العاجزة وثوابته المعيقة، كانت تعتمل وتتشكل في رحم المجتمعات العربية قوى جديدة، بصورة صامتة وغير مرئية ومن غير ادعاء، أفاد أصحابها من التحولات التي صاحبت الموجة الحداثية الجديدة، بأدواتها الفائقة ووقائعها الافتراضية.
تبقى ملاحظة نقدية أخيرة لا بد لنا من التوقف عندها، حيث نؤاخذ على الكاتب، الذي اشتهر كما سلف بنقد ‘أوهام النخبة’، وضمن أهم الأوهام والأعطاب، عطب النموذج التفسيري الاختزالي ــ إذ استعرنا تعبيرا رصينا ودقيقا صدر في أكثر من مناسبة عن الفقيد، المفكر الموسوعي عبد الوهاب المسيري ــ حيث اعتبر علي حرب أن حديث ‘الربيع العربي’، لا يُساهم فقط في تغيير العلاقة بالممكن، ولكنه يُغير أيضا أنماط التحليل وشبكات القراءة، بقدر ما يحمل على إعادة ترتيب الأولويات أو خلخلة نظام الأسباب والمسببات، بحيث أن ما كنا نظنه سببا يغدو نتيجة وبالعكس، من قبيل أنه ساد الاعتقاد في العقود الفائتة أن العامل السياسي يتقدم على العامل الاقتصادي، بحسب الشعار القائل: ‘لا تنمية بلا ديمقراطية’ مستشهدا بما صدر عن جاك أتالي، أحد أبرز المختصين في شؤون التنمية، والذي يزعم بأن ‘الانخراط في نظام السوق، كما فعلت تونس، يخلق الإمكان لولادة الديمقراطية’، والحال، أخذا بعين الاعتبار مقتضيات حديث المسيري عن أعطاب النموذج التفسيري الاختزالي، ومطالبته بالتالي بضرورة اللجوء إلى النموذج التفسيري المركب في معرض التفاعل النظري والتأملي مع الظواهر المجتمعية، لا يستقيم اختزال ثورات عربية لا زالت تثير العديد من علامات الاستفهام، ولا زالت تفاجئ صانعيها وضحاياها والمستفيدين منها، فقط في خانة ‘الانخراط في نظام السوق، كما فعلت تونس، يخلق الإمكان لولادة الديمقراطية’! لا يستقيم ذلك البتة، لأن الحدث أكبر منا وأكبر من أوهام النخبة ومن قراءات ناقد ‘أوهام النخبة’.