«أنا مبسوط أني ميّت»… كوميديا مسرحية غنائية تقف على حافة الهاوية

حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي» ـ من يارا بدر: مُجدّداً تنجح الكوميديا في اجتذاب الجمهور إلى الصالات المسرحية، إذ حتى اليوم الأخير من عرض مسرحية «أنا مبسوط أني ميّت» للمخرج سليمان زيدان كانت صالة «مسرح المدينة» في بيروت تتمتع بحضور جيد، تصفيقاً وضحكاً مع النكات الهزليّة التي أطلقها ممثلو العرض والذي استمرّ عشرة أيام (7-17 أيار- 2014).
يختار المخرج سليمان زيدان اللعب على حافة الهاوية، وهو يقتبس نص مسرحية «كرنفال الأشباح» للكاتب الفرنسي موريس دو كوبرا، مُتناولاً بجرأة فنيّة موضوع الموت في إطار كوميدي، ويذهب سليمان أكثر إلى اختيار الكوميديا الغنائية إطار فنياً لعرضه . كوميديا نثرها المخرج في فضاء العرض، كوميديا لفظية تنتج عن خطاب الشخصيات اللغوي، بالإضافة إلى كوميديا موقف، لكنّها هذه الكوميديا المتنوعة لم تكن موفقة دائماً، حيث أصابت حيناً وجاءت فجة حيناً آخر، غير متناسقة مع لحظتها الدرامية. لكن يمكن فهمها فنياً، إذ وكما تشي طريقة أداء الممثلين لمونولوجاتهم، فإنّ في الكثير من الكوميديا التي حملها العرض- في دقائقه الخمسين تقريباً- سخريّة مُعتمدة من بعض الكلاسيكيات اللغويّة (الكليشيه)، ومن بعض الأمراض المُجتمعيّة والنفسيّة التي يتمسّك بها أفراد يخشون أن يعيشوا الحياة على حقيقتها وكما هي.
يُفتتح العرض بمشهد يُقارب أجواء الرعب لخمس جثث تتمدد أسفل شواهد قبورها، ومع انطلاق العزف الموسيقي الحي تبدأ الجثث بالانتفاض، لترقص تغني وهي تخبرنا أنها (أشباح. ماتت لكنها لم ترتح). ليكون هذا المشهد بمثابة «البرولوغ» الذي عرفه المسرح اليوناني قديماً.
ندخل بعدها عالماً غير سرّي، يختار المخرج أن يكشفه لجمهوره، فيما ممثلوه- وهنا يؤدون دور طاقمه الفني- يرتبون الديكور الجديد، العالم الجديد هو عالم البروسفور «ماراكس» الذي يقوم بتجارب طبيّة غايتها إعادة إحياء خمس أشخاص توفوا، نكتشف أنّ ثلاث منهم كانوا نزلاء في مشفى الأمراض العقليّة الذي يعمل به البروفسور ومساعده «لودفيغ».
كذلك يختار زيدان الاعتماد على تقنية «المسرح داخل مسرح»، فبداية يضعنا كجمهور في مواجهة الكاتب المسرحي الذي يتحدّث لجمهوره عن صعوبة التأليف، ويسألهم عن الاسم الذي يجب أن يختاره لشخصيّة مساعد البروفسور، ويخبرهم عن طبيعة المغامرة التي هو بصدّد كتابتها وهم بصدّد مشاهدتها عن البروفسور «ماراكس». ولا نعود إلى ركن المؤلف المسرحي إلاّ مع نهاية العرض تقريباً، حين يعود ليُذكّر الجمهور بضرورة الحديث عمّا حدث لـ «لودفيغ» بعد أن عُرِفَ مصير جميع الشخصيات الأُخر، بما فيها البروفسور «ماراكس» نفسه.
قُتِلَ البروفسور وهو يحاول مساعدة إحدى مريضاته «السيدة تيسلون» التي أعادها للحياة، لكنها اختارت الهرب من مشفاه لتقوم بمغامراتها العاطفية. ثمّ وبعد أن تتوفى مُجدّداً الشخصيّات الخمس التي أعاد البروفسور إحياءها تقيم محكمة الموتى محاكمة للبروفسور الذي تجرّأ وكسر أهم قوانين الطبيعة بإعادة إحياء الموتى، وتجرّأ على الموت ذاته. في المحاكمة وبعد أن عاشت جميع الشخوص أحلامها التي لم تستطع تحقيقها في حياتها الأولى، تواجه مُحيّيها باللوم وبأنّه سرق بما فعل حتى أحلامها، وقد غدوا أمواتاً بلا أحلامٍ. ويكون رد البروفسور (وهو بيان العرض الختامي إن صحّ القول) بأنّه لا يمكن وهب الحياة لمن لا يُريد عيش الحياة بشكلٍ حقيقي.
من حيث البُنيّة الفنية لا يتهاون المخرج، مُستغلّاً كل ما يُمكن استغلاله لإغناء عرضه، فيختار الشكل الكلاسيكي للمسرح بمقدمة وأغنيّة تقدمها الجوقة- أشباح الموتى في العرض، ثمّ عرضاً لفصول الحكاية، ولا يفوته حتى البيان كما عرفه المسرح القديم، ويعود ليُنهي بأغنية الجوقة، وقد عاد الأموات أمواتاً.
في الوقت ذاته يكشف سليمان وبشكلٍ مُتكرّر لعبته المسرحية، هادماً الجدار الرابع الافتراضي، ومُعلناً أنّ هنا مساحة للّعب والخيال، هذا عبر أسئلته إلى الجمهور، عبر تبديل الديكور، حتى عبر قوله المُفاجئ في مباشرته أنّ (الضوء الذي سطع هو من إنارة خشبة «مسرح المدينة»). وهو ما ينسجم مع السخريّة الزائدة التي حملها خطاب الشخصيّات وطريقة أدائهم، وبخاصة شخصية «السيدة تيسيلون». وهي شخصيّات قدّمها المخرج سليمان ككركترات مُذكراً الجمهور بالكوميديا ديلارته وشخصياتها ذات الصفة الإنسانية أو الهويّة الواحدة.
تميّز العرض عموماً، بشحنته العالية من المبالغة في السخرية، تجاوزت الخطاب اللغوي وطريقة أداء الشخصيّات، لتشمل على سبيل المثال رقصة فالس تؤديها «السيدة تيسيلون» أثناء حوارها مع حبيبها الجديد «ستاريتز». دون أن يحول ذلك من ظهور بعض الهفوات التي يسهل الانزلاق إليها، كما في مشهد الفحص الطبي الذي يجريه المجنون «مارك ليون» للمساعد «لودفيغ» عبر كوميديا حركية غير مُؤثرة درامياً، ومبالغ بها.
علماً أنّ خيارات المُخرج في تأسيس بُنيّة مسرحية مُعقدة، تبدو موفقة على الرغم من خطورتها، إذ وقفت بالعرض على حافة الهاوية، خاصة وأنّ العرض عانى من وهن ملحوظ في صياغة خطاب الشخصيات اللغوي، وبعض الترهل الكوميدي أو الاستسهال إن صحّ القول. إلاّ أنّ مُخرجاً ومؤلفاً لا يخشى المغامرة كما يقدّم سليمان نفسه، لا يغامر بإفساح مجال أكبر لشخصيّة المجنون المهووس بالوقت، ومعرفة الوقت كما تعلنه الساعة، وإن كان هذا المجنون هو الوحيد بين الأشباح الذي يتغنى بحالته كميت منذ البداية، ثمّ يعود ليكون الوحيد الذي يدافع عن البروفسور «ماراكس» المُذنب بجرم إعادته إلى الحياة، وهو ما يُطابق عنوان العرض «أنا مبسوط أنّي ميّت» ربما أكثر من أي من الشخصيّات الأخرى.

بطاقة العرض:
بطولة وإخراج سليمان زيدان.
تمثيل: عبد جمعة (لودفيغ- رئيس محكمة الموتى)، ايلي شنكجي (المجنون)، مروى دندن (الزوجة)، روي واكد (المليونير)، نادين كحالة (سيدة تيسيلون)، فادي حناوي (الزوج- ستاريتز)، وشيرين بعيني (مساعدة لودفيغ).
يرافق العرض موسيقياً:
بيانو: جمال عبد الكريم
أكورديون: سماح أبي المنى
إيقاع: غياث قناعة
أغاني المسرحية والموسيقى كتابة وألحان وتوزيع سليمان زيدان.

المشاهد العربي بين القراءة والدراما

سعاد الصيد الورفلي
ماذا يقرأ المواطن العربي ، وماذا يشاهد؟ استفهامان مهمان يحتاجان لكثير من التحليل والتأويل . ولايُكتفى بمجرد الفكرة النظرية ، لنتطلع إلى قراءات العرب ومشاهداتهم نحتاجُ الى استطلاعات واسعة تشمل أكبر قدر من العرب كي نتعرف على حقيقة شهية المواطن العربي وما يجذبها ويفتحها ويجعلها نهمة .
الدراما مزدحمة بكثير من المسلسلات التي تعالج القضايا والحياة الاجتماعية بكل بصماتها ، تلك الدراما تمثلت في المسلسلات على الشاشات الصغيرة ، والأفلام المتنوعة بين دور السينما والمعروض منها تلفزيونيا ..أيضا …
لكن من خلال قراءتنا للواقع العربي سنجد أن هناك ميلا كبيرا لكل مسلسل درامي يتحدث عن حياته الواقعية ، فقد ملّ المواطن من حياة الافتراضيات والأحلام والطموح الذي يفتر – بمجرد – أن يبدأ المواطن في تحقيقه على أرض الواقع . فباتت الدراما متنفسا لكل مشاهد عربي يلاحقها بأنفاسه ونظراته ، كأنه يشاهد مسلسل حياته المترامي بين أقبية الدنيا .
كان المواطن العربي يفضل بشغف تلك الدراما التي تتجسد فيها الفصحى أو ما تسمى بالمسلسلات التاريخية ..وقد وُجِد قسطٌ كبيرٌ من المتتبعين قد تحسنت لديهم نبرات الإلقاء والتعبير نتيجة متابعته سلسلة من ثلاث عشرة حلقة إلى ثلاثين حلقة ، فنراه يقلد الشاعر ويحاكيه في طريقة إلقائه وأسلوبه ..وقد يحفظ أبياتا من تلك الدراما التاريخية أو الأدبية .
لكننا في عصرنا الحالي نفتقد تلك الدراما التي تجسد تاريخ الأدب في العصور الأولى بدءا من عصر الرسالة وحتى العصور الأندلسية ؛ فكلما كانت دراما الألفيات مزدحمة بالتاريخ والأدب ومجالسات العلماء أصبح لدينا مواطن يرقى مستواه الفكري بنسبة تقدم تلك المسلسلات التي تعرض حقبة فكرية تاريخية معينة .
فالمواطن العربي لايقرأ كثيرا ولا وقت لديه أمام التلفاز والإنترنت لقراءة كتاب يتحدث عن شعر المتنبي أو ديوانه مثلا ..أو يتحدث عن محاورات أبي حيان التوحيدي ..أو عن الرازي وطبه واكتشافاته …هو بحاجة إلى تجسيد ينمي فكره ، يزيد معلوماته أو يضيف شيئا جديدا لها …تلك المعلومات ملقاة في صورة ملفات درامية مجسدة يعيشها بينهم ..بكلمات صوتية …أدوار تبدو منعشة لكثير من الشخصيات التي يقرأ عنها مصْمتة في بطون الكتب والمجلدات و- قلما – أن يستوعبها وبما أن المواطن العربي صار هاجرا لكتب التاريخ وبداياته وأحداثه ، وصار يمل قراءة سلسلة كاملة من جزء واحد إلى خمسة عشر جزءا ، فإن مسلسلا من ثلاثين حلقة كفيل بأن يظهر بعض أو المهم من تلك المجلدات كي يراها المشاهد العربي ويستمتع بالأحاديث الفصيحة . وحياة ما بين الأسطر في تلك المجلدات .
ونحن إذ نكتب هذه الأسطر فإننا لا نكتبها من تخمين أو فراغ ؛ بل مما لمسناه من بصمات لبعض مسلسلات عرضت في شهر رمضان الكريم أو في المواسم الدينية ، مثل شريط الرسالة وما له من فاعلية كبيرة في نفوس أغلب الناس ، فعلى سبيل المثال لا الحصر- طلاب الثانويات العامة يقرؤون مادة السيرة النبوية ، وعند الامتحان لا نجد الإجابة الصحيحة ولا التحصيل الجيد ..وعند مساءلتهم عن قصة من قصص السيرة ، فإن الطالب لا يستطيع الانطلاق أو حتى تذكر الأسماء والشخصيات التاريخية المشهورة، وهذا للأسف موجود و بوضوح في أغلب مؤسساتنا التعليمية ! ولكن لو طلب المعلم من التلاميذ مشاهدة مسلسل تاريخي إسلامي ؛ يتحدث عن معركة بدر ، وسيجري بعد المشاهدة امتحانا شفويا أو تحريريا عما شاهده الطلاب …مع التعبير عن غزوة بدر كما شاهدها التلميذ …سنذهل حقيقة من تفتق شهية الطالب ، وتعبيره وتجسيده للأدوار والأحداث … وسيتخلص الطالب من عقدة الخوض في شرح الموضوع والتردد والشك في معلوماته .
لقد تم الوقوف على مجموعة من الطلاب يجسدون شخصيات رأوها بلغة تفوق لغة المعلم من الفصاحة والطلاقة والفنية .
إن المواطن العربي لكي يقرأ الفكر والتاريخ والأدب ؛ يحتاج موازنة كبيرة تقوم بها الدراما الفنية ، فبدل أن تقتصر الدراما على مشاهد اجتماعية أو واقعية ..أو كوميدية ..أو حياة أو ما شابه من أشياء معاصرة ؛ فلابد أن يكون هناك أكبر قدر من تجسيد شخصيات تاريخية وأدبية ودينية بصور فنية دون تحريف للتاريخ أو إسقاطات تضر بالنص التاريخي أو الأدبي أو الشخصية الشعرية تشتت – جرّاء ذلك – ذهن المشاهد .
وبما أن المواطن العربي صارت عينه قارئة عن طريق المشاهدة الدرامية، كان الأولى توظيف الفكر دراميا حتى يحدث توازن ثقافي بين ما يتلقاه المشاهد من دراما اجتماعية حياتية ، قد تضر قريحته وتعكر مزاجه بالمبالغات …إلى دراما تفتح فكره وتدعوه لتقليب كتب التاريخ والأدب والفكر ، وبالتالي يزيد إقباله لما فتح دراماتيكيا على كل ما يتعلق من مشاهد قراءةً …..
وفي نهاية المقال أضرب مثلا ببعض المسلسلات التعليمية التي كانت تخصص لتعليم اللغة والنحو ..بشكل تمثيلي ..فإنها أفادت أجيالا كثيرة لاستيعاب الكثير من قواعد النحو الجامدة المجمدة إلى بروفات حية حيوية تمتلئ نشاطا وحركية تعيش على ألسنة المشاهدين ويتلقفونها بسهولة بالغة ….بل ويستوعبونها أكثر من قراءتها دراسة وتعليما .
كاتبة وقاصة من ليبيا
«mbody solisa»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية