لندن ـ ‘القدس العربي’: تسود العاصمة الليبية طرابلس، حالة من التوتر عشية الاحتفال بعام على اندلاع ‘ثورة 17 فبراير’، وتشهد العاصمة عودة للمظاهرة للمسلحة وسط مخاوف من تحول الاحتفالات اليوم في مدينة بنغازي التي بدأت فيها الثورة الى تظاهرات ضد المجلس الانتقالي المتهم بعدم الشفافية وعقد اجتماعاته بالسر.
وينشغل الليبيون اضافة لذلك بالصراع المستمر بين المجلس والميليشيات ويتحدثون عن الخلاف دا خل المجلس، فحسب شخصية مطلعة على مداولاته نقلت عنه صحيفة ‘الغارديان’ قوله ان المجلس يعاني من حالة انقسام وتناحر داخلي ومنقسم الى فصائل وجماعات قائلا ان ‘كل فريق يعمل ضد الفريق الاخر’. ومما يزيد من المخاوف ان سمعة ليبيا ‘الجديدة’ اصبحت ملوثة بعد سلسلة من التقارير التي شجبت التعذيب والقتل في سجون الميليشيات، واخر هذه التقارير تقرير لامنستي انترناشونال نشرته امس وقالت فيه ان الميليشيات اصبحت خارج السيطرة وتهدد مستقبل ليبيا ‘الجديدة’، واتهمتها بتعذيب وقتل الموالين السابقين للنظام.
ولم تعط الثورة لليبيين حتى الان الامل الذي كانوا ينتنظرونه مما ادى بنسبة كبيرة منهم الحنين لنظام الرجل القوي، فحسب دراسة فان نسبة واحد من ثلاث ليبيين يحنون للعهد السابق، ففي دراسة اعدها معهد علوم الانسان في المعهد الدولي في اوكسفورد، اظهرت ان نسبة الثلث من سكان ليبيا يفضلون عودة حكم رجل قوي، ونسبة اقل من الثلث ترحب بالعهد الديمقراطي على الرغم من الالاف القتلى في الثورة وفي اثناء حكم الزعيم الليبي معمر القذافي.
وتأتي نتائج هذه الدراسة من مخاطر الفجوة التي احدثها الاطاحة بالنظام القديم وطبيعة المجتمع الليبي القبلية والذي يحمل في طياته امكانيات للصراع بين الفصائل المسلحة.
وتؤكد التقارير القادمة من ليبيا واعدتها منظمات حقوق انسان ومنظمات طبية ان الوضع في ليبيا بات خارج السيطرة في ظل ضعف الحكومة الانتقالية والغضب المتزايد منه لدرجة اضطر فيها مصطفى عبدالجليل، رئيس المجلس للهروب من الباب الخلفي لمقر المجلس في بنغازي الشهر الماضي بعد ان تحولت شكاوى المواطنين الى شغب.
تنقصهم المعرفة بالديمقراطيةوتشير الدراسة ان نسبة 35 بالمئة لا زالت تفضل حكم الرجل القوي فيما عبرت نسبة الثلثين عن رغبتها في ان يكون لها دور في مصير البلد في المستقبل. ويقول كريستوف ساهم انه على الرغم من التحضيرات للانتخابات المبكرة فالسكان لا بد ان يظهروا ارتياحهم للمجلس الانتقالي مضيفا ان السكان لم يطوروا بعد ثقة بالاطراف السياسية ولهذا يحبذون العودة لنظام الحاكم القوي، مشيرا ان الليبيين الذين تعودوا على الحكم الاتوقراطي مدة اربعين عاما تنقصهم المعرفة بماهية الديمقراطية ومؤسساتها وهم بحاجة لعملية تثقيف كي يعرفوا منافعها. وفي الوقت الذي قالت نسبة 80 في المئة انهم يؤمنون بالادارة الجديدة التي قامت بالاطاحة بالنظام السابق عبرت نسبة 16 بالمئة عن استعدادها للخيار العسكري من اجل تحقيق اهداف سياسية.
قتل وتعذيبوتعزو الصحيفة هذه النسبة الى تقارير المنظمات الدولية خاصة امنستي تحت عنوان ‘الميليشيات تهدد امال ليبيا الجديدة’ والذي قدم ادلة عن جرائم حرب ارتكبت ضد الموالين للقذافي، حيث زار باحثو المؤسسة 11 مركز اعتقال وعثروا على ادلة تظهر استخدام التعذيب والمعاملة السيئة فيها كلها الا واحدا. وقال العديد من السجناء ان المحققين اجبروهم على اعترافات غير صحيحة مقابل وقف معاناتهم وجلسات التعذيب. ووثقت منظمة العفو الدولية حالات 12 سجينا ماتوا جراء التعذيب حيث وجد باحثوها رضوضا وجراحا اضافة الى قلع اظافر اليدين والرجلين. وتقول مسؤولة في المنظمة الدولية ان ‘الميليشيات في ليبيا اصبحت خارج السيطرة ونظرا للحصانة الواسعة التي تتمتع فانها تتشجع على الانتهاكات وتطويل امد حالة اللاستقرار واللامن’. واضافت دونتيلا روفيرا قائلة انه ‘يجب منع الميليشيات ذات السجل في انتهاك المعتقلين وعليها نقل المعتقلين لديها الى المعتقلات التي يديرها المجلس الانتقالي’. وهذا مستبعد لفشل المجلس هذا بتأكيد سلطته على البلاد. وتعطي التقارير هذه صورة عن حالة التوتر التي تعيشها العاصمة التي تشهد منذ قتل القذافي وانتهاكه جنسيا في سرت في تشرين الاول (اكتوبر) العام الماضي وضعا متوترا سببه استمرار سيطرة الميليشيات على المرافق العامة فيها خاصة المطار الذي تسيطر عليه ميليشيات الزنتان. وما زاد من التوتر تصريحات الساعدي القذافي الذي منحته النيجر اللجوء السياسي وقوله ان الانتفاضة قادمة لليبيا.
ومع ان احدا لا يأخذ تصريحاته جديا الا ان الميليشيات شددت من اجراءاتها الامنية. ونقلت ‘ الغارديان’ عن عنصر من كان يحرس نقطة تفتيش قوله ان القذافي انتهى لكن لا يعني ان خطره قد انتهى، ولهذا يقومون بتفتيش كل سيارة في العاصمة بحثا عن المتفجرات. مصراتة المستقلةوقالت ‘الغارديان’ ان حالة التوتر تظهر من سيارات البكب المعززة بالمدافع والمسلحين والتي تدور في شوارع طرابلس. وفي الوقت الذي تراجعت فيه معارك الفصائل المسلحة في طرابلس وانخفضت لمواجهة واحدة في الاسبوع الا انه خلافاتها المسلحة في المدن الاخرى لا زالت تمثل مشكلة دائمة للسكان، فقد تركت مواجهات بين الفصائل المسلحة في بلدة الجفرة، جنوب البلاد 17 قتيلا. ومن الاسباب الاخرى لسطوة الميليشيات انها لا تثق بالجيش التابع للمجلس الانتقالي لانه قياداته تعود للعهد الماضي. وهناك ادلة كثيرة تشير الى مظاهر تفكك الدولة، حيث تحولت مدينة مصراتة الى دولة مستقلة تقريبا وستقوم بعقد انتخاباتها بشكل منفرد في العشرين من الشهر الحالي شباط (فبراير). ويستبعد الكثيرون ان تخضع الميليشيات لاوامر حكومة الانتقالي رغم استمرار وزرائه بالاعلان عن خطط لضم افرادها للجيش الجديد. ويقول المراقبون ان الوضع في ليبيا يعتمد على الانتخابات التي ستعقد في حزيران (يونيو) القادم. وعلى الرغم من ترحيب القانونيين بقانون الانتخابات الذي حدد شروط العملية الانتخابية الا ان ناشطين في منظمات متعددة يرون انه بدون نظام قضائي فاعل في البلاد فمن الصعب تطبيق بنوده.
وتشير ناشطة في منظمة نسوية الى ان مشكلة ليبيا الجديدة تكمن في غياب الثقة بين المواطنين والمجلس الانتقالي حيث قالت ‘لا احد يثق بالمجلس الانتقالي’. مأساة الطوارقةوكانت صحيفة ‘ميل اون صاندي’ قد نشرت تقريرا لمراسلتها في طرابلس بربارا جونز قالت انه حصلت على لقطات فيديو تصور ثوارا قالت انهم سابقين وهم يحملون العصي الكهربائية والسكاكين وتظهر واحدا منهم بزي عسكري وهم يهددون ويضربون رجلا خائفا يناشدهم، ومن المشردين الذي شردهم ثوار مصراتة من قرية الطوارقةـ، حيث يتهمونه بانه كان من مؤيدي القذافي ويطالبونه بالاعتراف، ويرى المشاهد للفيديو تهديداتهم له ان لم يعترف فسيضربونه حتى ينزف الدم من عينيه وانفه. وقال مسؤول المعسكر الذي قدم الاشرطة للصحافية وقال انه عثر عليها، ان الرجل واسمه صالح الغرش تخفى بزي امٍرأة من الخوف عندما سمع انهم جاءوا. ويصرخ المسلحون قائلين ‘انت من الطوارقةـ، كلب، اذا لم تفعل شيئا فلماذا تتخفى بزي امرأة’ وقالوا له وجدنا اسلحة في كل بيت من بيوت الطوارقة ‘يدك تنزف ونأمل ان تشل’. وقال مسؤول المعسكر ان المقاتلين هؤلاء من مصراتة واقسموا ان يلاحقوا كل من والى القذافي اثناء الحرب. ويقول المسؤول انهم يحضرون بشكل دائم للمعسكرات الثلاثة التي يعيش فيها المشردون داخليا ويعتقلون ويعذبون من يريدون لاجبارهم على الاعتراف بالقتل والاغتصاب اثناء الحرب. ويعتقد ان 8500 من سكان الطوارقة التي كان يعيش فيها اكثر من 30 الف معتقلون في عدد من المراكز. ويقول المسؤول ان لا احد يستطيع مواجهة مقاتلي مصراتة فالكل يخافهم من الحكومة الى الشرطة والجيش.
وهم يقومون بتصوير عمليات التعذيب ووضعها على ‘يوتيوب’. وتعتبر ميليشيات مصراتة الاكثر عددا وتتكون من مقاتلين غير مدربين حولوا المدارس والقاعات والنوادي الرياضية الى مراكز اعتقال وتعذيب. وفي لقطات اخرى تظهر شاحنات صغيرة وهي تداهم المعسكر والنساء في فراشهن اللاتي بدأن بالصراخ، وفي وسطه اصوات تقول ‘هل هذه الثورة التي قاتلنا من اجلها، هل هذا هو العدل؟’.