أين أنا منّي؟

حجم الخط
1

هيفاء أبو النادي*أين أنا مني؟ أين أنا من بلادي؟ أين أنا منك؟! تلمح إشارات الذبول في عينيّ، وتراني واسعة كالبلاد، ثم تغمض عينيكَ عليّ وتمضي..! وتؤلمُني حين تمضي، ثمّ تمعنُ في الغياب. وتقول لي ‘وشوشي الرّيحَ’ كي تفكّ طلاسمي، فهل كنتَ حقّاً تعني ما تقول؟ فأنت حين تقول ذلك تزيل من فوق قلبي غلالة من أسىً لا يكفّ عن الصّعود. وتسألني: ‘إلى أين تصعدين؟’ وأجيبك: إليكَ وحدك أصعد! ولا تكفّ عن ترديد السّؤال نفسه: ‘إلى أين تصعدين؟’ ثم تعيدُ كرّة الرّجفة الأولى على مسامع ذاكرتي العزباء. أتريد مني أن أتشكل؟ أتريد مني أن أكونني ولا شيء غيري؟ أتريد أن أتوقف عن التشظي كي تواظب أنت على صعود الجبل؟ تقول لي: ‘تمسّكي بكِ، كي لا تفقدي بوصلتكِ’، وأقول لك: أنتَ بوصلتي، ومسافة الأمان، وشاطئ الرّجوع الوحيد، وطوقُ النجاة الأخير، ومسك العنبر عندما يندلق رمشٌ من إحدى عينيك، فيجعل الشوق يتدلّى فوق وجنتيّ، ولا أعود أسمع شيئاً سوى اللاصوت. أراك معي، تخيط بعمق وترقب أثري وأثرك، وتكتمني وسط الطريق من شدة غيظك، كي لا تبوح بي للعتمة التي سَمِعَتْ بأنّنا على موعدٍ اليوم مع القمر. سأغافل القمر وآتيك أطلب الوصال ولا شيء غيره، سأغافل الشمسَ أيضاً وآتيك على غير موعد، كي يكون من حقّ المفاجأة أن تفرح بك عندما تلتقيني صدفة مدروسة وواعية..! يا الله! كيف يكون الحضنُ حضناً إن لم تكن أنتَ حقيقة؟! وكيف يكون للفراق طعمٌ إن لم تستثنِ منه وجودك؟ وكيف أردّ على الرّيح التي وشوشتها بأن تلزم الصمت، ولا تهمس للغيمة التي أنت منها أنك معي الآن بمحض الصدفة فقط؟! أعليّ أن أراهن على شدّة العتمة؟ ففي الشدّة لا يرى الحبيبُ إلا حبيبته الأثيرة، ويزول طعم الحزن.

ألبوم صورك لا يعني شيئاً أكثر من أنّ وقع ابتسامتك وهي تشق طريقها إلى عينيّ يُعينني على تقبّل الحياة بكل ما فيها من صخب! وعندما تأتي ابتسامتك على شكلِ بحيرة، لا أشتهي أكثر من أن أضمّها، ثم تسري في جسدي كله قشعريرة تُشعِرُكَ وأنتَ هناك في البُعد بأني أشتاق ليديك! يداك خشنتان، وأناملك فيهما أصابعُ بحتة! لكنكَ حين تمسكُ يديّ، وتتأمّلهما، تنبعث منّا إشراقة.

هكذا، هكذا بالضّبط أحبّ أن أذكّركَ بي كُلّما غبتَ عنّي، أوشوشُكَ من حيث لا تعلم، وألمّ يديّ في يديك لأراقصهما، ثمّ أسألك وأنتَ تنظر في الـ ما بعد:- أتحبّ المطر المُعبّأ بالثلج؟

فلا تُجيب، وتغيب أكثر، وأتابع أنا حقيقتي الأكيدة:- أمّا أنا فأحبّه.. لأنه يشبه عينيك.. وعيناكَ تشبهان السّكاكر!

استدراكأريد أن أصبح بائعة ‘دونات’ في أحد المحالّ، كي أتوقف عن الشعور بالمرارة، وأبيع للناس حلو الحياة بمذاقات ونكهات متنوعة، هم يعرفون أن ‘الدونات’ ليست طعاماً صحياً، إلا أنهم يشترونها ويحبونها مثلي تماماً لكنهم لا يعرفون أبداً أنني عندما أختار منها ما هو دائريّ، وغير محشوّ، ومفتوح من منتصفه، فإنني بذلك أعاين الثقبَ في قلبي.

أنيتا الفيسبوكية**الدونات إحدى وسائل التخلص من الاكتئاب في الشتاء.. فالاكتئاب في الشتاء قاتل كما تعرف، أو ربّما لا تعرف! خاصة عندما أتلهف لرؤية البحر معك، لكني بدلاً من ذلك أراه في الحلم مع أنيتا الفيسبوكية. لا أشك في أن أنيتا تعرف جيداً مساحة الثقب في قلبي، فهي من تقيسه كلّ مرة، وهي من قارنت بينه حاليّاً وبين القياسات الماضية، فوجدته زائداً عدّة سنتيمترات! أنيتا هذه تحبّني كما لو كنتُ ابنتها منذ الأزل. تعاين جرحي وتحلّل موضع الألم بدقة، ثم تحضر معها لاصق جروح ملوّن كي تضعه على الجرح فيبرأ، لا تلزم الصمت مطلقاً، خاصة عندما تحسّ بأني سأبدأ بالنواح، تسرع من فورها لتغلق الفتحة في قلبي بيدها الحانية، وتظلّ تدقّ على باب إحدى حجيراته، تعانقني وتمسح على جبيني، ثم تسترسل في طمأنتي بأن كلّ سيّء سيزول، وبأن الحياة أوسع من ثقب الإبرة الذي أجد نفسي فيه، وبأن ألبوم الصور ذاك لن يكون ذا أثرٍ ما لم أعزز مبدأ رؤيته كلّ دقيقة أو اثنتين.

تقول لي أنيتا الحانية: أنتِ أوسع من البلاد، وإن لم ير هو ذلك، تقول لي أيضاً: سترتدين الأبيض في كل قصة نحيكها معاً، وسنردم الثقب في قلبك، وسترين! تخاطبني أنيتا بلهجة العارف الذي يدرك كل شيء، ويعرف أن القادم حتماً أجمل مما أنا فيه الآن، رغم كلّ ما تصفني به من أوصاف مقترنة بالعناد!

أسبابما هي يا ترى أسباب القيام من السرير؟ أهي حبّة على الجبين يجب أن يشفيها الدواء كي تجفّ وتمّحي؟ أهو حلمٌ فادح في الغرابة يجب أن أقوم منه لأتقي شرّه؟ أهي أمّي تريدني أن أصحو باكراً، لا لشيء ولكن لأتقن فعل الاستيقاظ باكراً ليس إلا؟! أهو ربّ العمل الّذي لا يكفّ عن تجميع أية أسباب كافية لتجعله يكرهني أكثر؟! أهي المرايا وأصل المرايا؟ أوتكونُ المرايا بلا أوطان وأمّهات مثلي يا ترى؟!

وأمي التي تريدني أن أصحو باكراً.. لا تفعل شيئاً أكثر من أن تنام منذ أكثر من ستة عشرة عاماً! تنام في ظلّها طويلاً جدّاً، ولا ترسم نهاياتٍ لنومها المُشتعل على شاهدة قبرها كما كنتُ أتصوّر. رغبتُ، عندما نامت أمّي طويلاً، أن أنام إلى جانبها، وهذا ما لم ترد أن تسمعه مني عندما كنتَ حاضراً. رفض الأحياء بشدّة قيامي بما وصفوه ‘فعلاً شائناً’! ‘فكيف يكون بوسع الأحياء منا أن يناموا إلى جانب الأموات وهم في قبورهم؟!’ كانت تلك وجهة نظرهم وقتئذ، وكان لابدّ من أن أنصاع إلى الرغبة التي يعبّر عنها كلّ الأحياء بشكل يوميّ. وكم وددتُ أن أتحقق من ردّة فعلك، وأعرف إن كنتَ تراني حين أقول لك ذلك أم لا. كان شُعوري ذاك يشبه فعل اشتهائك حين كنتَ تغوص في عتمة عينيك اللوزيتين، وتناديني من خلفهما أنْ: ‘استبِقي كلّ الحواجز وسيري كما تشتهين’! وماذا لو اشتهيتُ إغفاءة على صدرك الآن مثلاً؟ هل ستستغرب مثل كل الأحياء وتفتح بوابة السّؤال الذي لا ينتهي: ‘كيف يكون بوسع العُشاق أمثالك أن يمارسوا فعل اشتهاء الإغفاءة على صدر من لا يرغبون بذلك أبداً؟’، وقتها أيضاً سأنصاع إلى رغبتك المجنونة في أن أبتعد شيئاً فشيئاً، إلى أن يبتلعني ثقبٌ أسود كبيرٌ جدّاً، وحائرٌ جدّاً، أرميه بقلبي المثقوب، لأتوارى عنكَ في العتمة!

يا واحِد!

أريدُ أن أجمعَ شتاتي وشتائي بك..! فأنا من قصب السّكّر، خارجة على قانون الأبجدية الأول، وثائرة للحقّ والنّور الّذي هو ‘أنت’، أسوق رغبتي في أن تراني وأنا أجرّ خلفي عُصبة مُلوّنة من شجر البنسيان الصّاخب في برده..! أناديك كي تلمّ ضعفي، وتجبر كسري، وتخيط جرحي، وتنفخ في روحي من جديد؛ كي أتصوّر بك وأشبهك على هيئة طيرٍ مُحلّقٍ لا يشتهي أكثر من إغفاءة على صدر غيمة بمعطفٍ أزرق.________________________________________ كاتبة وأكاديمية من الأردن** شخصيّة مُبتكرة على موقع فيس بوك، تقرأ الكفّ وتتنبّأ بمستقبلك إلكترونيّاً بمجرّد أن تطرق بابها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية