د. كمال الهلباوي سألنى أحد الاصدقاء الجدد، لماذا تكتب تحت عنوان ‘
‘، فقلت إنى أحب هذا العنوان كثيرا فنحن جميعا نحاول أن نفهم قبل أن نكتب وأن نحلل وان نحكم، وأن نخرج من الأزمات والديون والفساد التى تركها لنا المخلوع. كنت قد استخدمت هذا العنوان فى كتاباتي فى تقرير أفغانستان الحاضر والمستقبل، وكذلك فى مجلة: قضايا دولية، تلك التى صدرت ونحن فى باكستان، وتخصصت بادئ ذي بدء فى الكتابة عن قضية أفغانستان والجهاد الاسلامي، وتحليل تلك القضية تحليلا عقليا بعــــــيدا عن العاطفة فقــــط، وتحليلا عملــيا بعيدا عن العشوائية، وتحليلا وتقديرا استراتيجيا بعيدا عن السطحية. وقد تعرض المعهد والفريق الذى يعمل فيه آنئذ في أواخر الثمانيينات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي إلى نقد شديد بسب هذه الموضوعية، وخصوصا بين دوائر أهل الجهاد ومن يدور في فلكهم ولكنه حقق نتائج طيبة جدا فى التحليل.
في تلك الفترة الحرجة كان بعض السفراء العرب والدوائر الأخرى المعنية بالجهاد وما أكثرهم فى اسلام آباد وبيشاور يعتمد في تقاريره على ما يُكتب فى قضايا دولية، وكان هذا الأمر يفرحنا وكنت أقول لنفسي لعلهم ومن حولهم ومن فوقهم فى دوائر الحكم يدركون جميعا أننا نحاول أن نفهم، فإن فعلـــنا ذلك وضعنا انفسنا على الطريق الصحيح، أما من يظنون انهم قد فهموا كل شيء قبل أوانه، وقبل إستكمال أدوات الفهم فسيقولون يوما ما مقولة إبن علي الهارب الى السعودية: الآن فهمتكم، وذلك بعد فوات الاوان. دعاني السفير الايراني على رضا شيخ عطار إلى مؤتمر الصحوة الاسلامية فى برلين يوم الجمعة 10-2-2012 وهو سفير صاحب خبرة واسعة حيث كان مسؤولا من قبل عن منطقة آسيا الوسطى وتربطه علاقات أخوة بكبار قيادات الحركات الاسلامية وخصوصا في تركيا وما حولها على عكس كثير من السفراء العرب والمسلمين الذين يعيشون حياة البيروقراطية الكاملة فى إطار ما يفرضه عليهم جهاز الأمن في بلادهم فلا يكون لهم رأي فى المستقبل وصناعته. حضرت وقائع المؤتمر وكانت المفاجأة مشاركة كل من الاستاذ الدكتور الألمانى بيتر شول لاتور رئيس جمعية الصداقة الألمانية العربية والذي رافق الامام الخميني رحمه الله تعالى فى رحلة عودته من فرنسا الى إيران لقيادة الثورة الايرانية سنة 1979 قبل ان ينضم الجيش للثوار، والاستاذ الدكتور رولاند بيتش، والذي يُدرس ويشترك في تعليم وتكوين العلماء والأئمة الشباب في مدينة قم الإيرانية. رجلان من كبار المتخصصين الألمان من أصحاب الخبرات العريضة يشاركان في مؤتمر الصحوة الاسلامية في برلين. سعدت بالمشاركة في المؤتمر، وسنعود الى ذلك فى مقال آخر إن شاء الله تعالى، ولكن هذه المشاركة ذكرتني بأمر مهم جدا حدث سنة 1952 وقد قرأت عنه في الوثائق البريطانية، وكتبت عنه من قبل تحت عنوان محاولة للفهم في تقرير قضايا دولية، وهو أمر يتعلق بمشاركة السفراء فى تجلية رؤية بلادهم عن المناطق التى يعملون فيها. وهو أمر يتعلق أيضا بصناعة المستقبل على أساس من الرؤية الصحيحة والقراءة الدقيقة للأوضاع السياسية في تلك المناطق. في عام 1952 قامت الثورة العظيمة في مصر – إثر حركة أو انقلاب 23 تموز (يوليو) – وقد سبقها إنقلاب وحكومة مصدق في إيران، رحم الله تعالى الجميع. هذه الوقائع الكبيرة حدت بوزارة الخارجية البريطانية أن تسأل سفراءها والقائمين بالأعمال في العالم العربي والاسلامي دراسة أثر هاتين الثورتين على دول المنطقة وتحولها السياسى نحو الشرق والاشتراكية. المهم في الأمر أن القائم بالأعمال البريطاني في أفغانستان في ذلك الوقت 1952، كتب الى حكومته تقريرا مهما للغاية. ورغم قصره فإنه يدل على حسن قراءة الواقع والوقائع واستقراء المستقبل، إذ كان من بين أهم النقاط التى جاءت في التقرير رغم قوة الاتحاد السوفياتى آنئذ، ما يلي:
عدم الخشية من الثورتين في مصر وإيران على مســــتقــــبل أفغانستان أو تحولها نحـــو الاشتراكية أو الشيوعية بشكل دائم.
لا يستطيع الشيوعيون والاشتراكيون فى افغانستان قيادة حكم مستقر ما لم يكن هناك دعم عسكري من الاتحاد السوفياتي.
لا يستطيع أحد إحداث إنقلاب ضد ظاهر شاه إلا أن يكون أميرا من أمراء الاسرة الحاكمة. وبعد نحو 25 سنة من هذا التقرير البريطاني عن أفغانستان وتأثير الثورتين المصرية والإيرانية على مستقبل أفغانستان، وقع الانقلاب السلمي على الملك ظاهــــر شاه من صهره وإبن عمه السردار داوود خان وذلك في سنة 1973. وفى سنة 1978 وقع الانقلاب الشيوعي على أفغانستان بعدما أستفاد الشيوعيون والاشتراكيون بالإنفتاح الذي أتاحه لهــــم حكم السردار داوود فتغلغلوا في جمــــيع مناحي الحياة فى أفغانستان، وسيطروا على التعليم والأمن والجيش والخارجــــية قبل انقلابهم على السردار داوود 1978. ولكن الحكم الشيوعي لم يستقر كمــــا توقع تقرير القائم بالأعمال البريطانى فى أفغانستان حتى بعد أن جاء الدعم العسكري أو الاحتلال السوفــــياتي لأفغانستان في كانون الأول (ديسمبر) 1979، ونشبت الحرب أو الجهاد لعشر سنوات تالية، تلك الحرب التى جذبت العــــالم بأسره الى أفغانستــــان، ولم يكن الصراع فقط بين الأفغان والسوفيات ولا بين الاسلاميين والشيوعيين فحسب، ولكنها في ظني كانت حربــــا عالمية إنتـــهت بسقوط الاتحاد السوفييتي وهزيمــــته ووضعت الأساس للنظام العالمي الجديد الذى يحدث بعد كل تغيير عالمي كبير. وهكذا تحققت قراءة القائم بالأعمال البريطاني فى أفغانستان، بعضها بعد أكثر من عشرين سنة وبعضها بعد أكثر من ربع قرن.
انقسم السؤال الذى لفت نظري إلى شقين، الشق الأول كيف قرأ هذا الدبلوماسي البريطاني الوضع فى أفغانستان من استقراء المستقبل المتوقع بعد عشرين سنة أو أكثر. ولعلكم تتفقون معي أيها القراء أنه لم يكن يستطيع ذلك لولا معرفته الدقيقة بالأوضاع القائمة في أفغانستان وما حولها ومعرفته بالثورات وما يحدث فيها. طبعا القائم بالأعمال البريطاني في أفغانستان لم يكن معه أحد من الجن يقرأ له المستقبل.
اما الشق الثاني فيتعلق بالسفراء العرب والمسلمين وكيف يقرأون الاحداث فى مواقعهم وتاثير ذلك على المستقبل. وهذا أمر له ثلاث شعب أو محاور. المحور الاول: يتعلق بكيفية أختيار السفراء فى العالم العربي والاسلامي والمعاييــــر التي تنظم ذلك إن كانت هناك معايير أخرى غير الثقة. والمحور الثانى: يتعلق بتكوين هؤلاء السفراء وتنشئتهم وتربيتهم وتطويرهم والامكانات التى تعطى لهم. والمحور الثالث: يتعلق بعملهم المهني ونشاطهم وإستقرار أسرهم والوقت الذى يقضونه في فهم أو محاولة فهم الأوضاع القائمة فى مواقعهم، والدوائر التى يعملون فيها، ومن يحيط بهم، وينقل لهم أو يكتب لهم التقارير. كما يتعلق الأمر اولا وأخيرا بحب بلادهم والتفاني فى خدمتها. وتحياتي لسفراء بلادنا الحبيبة فى كل موقع ولمن كانوا يختارونهم أيام المخلوع.
هذا وسأتناول فى المقال القادم بإذن الله تعالى موضوع ثوريون ما بعد الثورة أو الاناركيون الجدد فى لندن وعلاقة ذلك الموضوع بلقاءات الاستاذ الدكتور محمد سليم العوا المفكر المعروف والمرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية.
كاتب مصري