تألق في فيلم ‘ديما براندو’التقته فاطمة عطفة: كل إنسان يحب ويسعد بأن تكون له شخصيته المستقلة والمتميزة في الحياة، وهذا يدل على التمتع بموهبة خاصة والبعد عن التقليد أو تتبع مثال آخر مهما علت درجة هذا الآخر. هذا ما أعلنه من الاستغراب وعدم الارتياح الممثل التونسي المتميز أنيس الرعاش عند مناقشة فيلم ‘ديما براندو’ بعد عرضه في مهرجان وهران، حيث انصبت أسئلة الجمهور فقط على شخصية براندو وكأن العمل بكل ما يحمل من فكرة جميلة ومشاهد فنية وأداء متميز لم يشد انتباه الحضور إلى شخصية البطل، وهذا ما دفعنا للتساؤل حول تقديم أو تقمص شخصية ما عند الممثل ونجاح الدور يجعل البطل الوهمي أو الغائب يتغلب على البطل الحقيقي الحاضر الذي يمتلك الموهبة والأداء الفني الجميل والمقدرة في استيعاب الدور الذي أعطي له. وهذه الظاهرة، هل هي موجودة فقط في محيط غير مؤهل ثقافيا واجتماعيا أو هي ظاهرة عالمية؟ لماذا المشاهير من النجوم وحدهم يبقون في الساحات الإعلامية وتحت الأضواء، بينما نرى شبابا موهوبين يبدعون ويكافحون ويشقون دروبهم بكل ثقة وجدارة وتميز.. لكن الجمهور المأخوذ بالنجوم لا يشعر بروعة ما قدموه لأن ‘زمار الحي لا يطرب’ كما يقول المثل. لكن الفنان الواثق بنفسه وموهبته يواصل طريقه بصبر واجتهاد حتى يحقق النجاح المرتجى ولا يحب أن يكون ظلا أو صدى لغيره، وإن كان المثال الأول نجما عالميا متفردا من طراز مارلون براندو. ضيفنا اليوم الممثل التونسي المتألق أنيس الرعاش الذي ظلمه جمهور السينما حينا عندما ألصق به اسم براندو ولم يخرجه من ظله، رغم أعماله الفنية المتعددة في المسرح والسينما والدراما التلفزيونية. ويواصل الفنان أنيس إبداعه ليضع اسمه في المكانة اللائقة التي يستحقها، بعيدا عن ظلال الآخرين، فلنتابع القصة من بداياتها معه. ـ بعد عرض فيلم ‘ديما براندو’ كانت الأسئلة التي وجهت لك كممثل تصب على الشكل وهو التشابه بينك وبين براندو النجم العالمي المعروف، لماذا المشاهد العربي يأخذ بالشكل ويترك المضمون وتميز الأداء في القصة والرسالة التي يحملها الفيلم، حتى ألبسوك اسم براندو وأنت غير راض؟* ‘في فيلم براندو صحيح عندنا شبه، وحين ندخل في الموضوع لا يمكن أن ننكر هذا، والشبه هو الذي خلى براندو سنة 2004 مصمما على تصوير الفيلم معنا. نحن كنا نصور معه ولما شاف الصور صار مهتما جدا أن يصور معنا، هذا من ناحية. لكن من ناحية ثانية، أحيانا يكون هذا الشبه سلبيا ويصبح مثل اللعنة على الشخص. أنا لا أحب دائما أن يقال لي براندو، براندو، أنا لي ذاتي وشخصيتي وعندي أفلام عملتها من قبل وليس لها علاقة ببراندو هذا. كذلك عندي مسلسلات قدمت في التلفزيون التونسي، لكن الضجة الإعلامية التي عملت من 2004 حتى 2012 يعني حاصرتني بفيلم براندو كثيرا، وفعلا أصبح عندي نوع من الانزعاج والمضايقة. المفروض الفيلم يستمر لفترة معينة وخلص راح على روحه، تصوري مرة في إحدى المسلسلات كتبوا أنيس الرعاش براندو، قلت لهم يعني هذا شيء غير معقول، لما الشيء يزيد عن حجمه مهما كان يصبح عبئا ثقيلا وليس مرغوبا فيه’. ـ لماذا الجمهور العربي أحيانا يأخذ بالشكليات فلا يهتم بالجهد الفني للمثل ويترك المعنى الحقيقي والرسالة التي يتضمنها العمل؟ * جمهورنا العربي عندما يدخل الفيلم لا يكون مهيأ، لا يواكب أحداث الفيلم، بمعنى أنه يكون عنده رغبة بأن يشوف كذا وذاك، المفروض أن يشاهد أبعاد العمل السينمائي والرسائل التي يحملها’. ـ البعض يتهم المخرج بأنه دكتاتور بالعمل، هل تصح هذه المقولة؟ وإن كانت موجودة، هل تراها جيدة ولصالح العمل وإتقانه أو يجب التعامل مع الممثلين بالتشاور والحوار بدل الإدارة القوية الصارمة؟* ‘ الممثل لا يقدر أن يعمل التكنيك الذي يريده، أنا كممثل مقيد في مخرج يوجهني أن أعمل كذا وكذا. بشكل عام، لما المخرج يتخذ القرار يعني هو عنده الرؤيا الكاملة وكل شيء، يبقى الممثل أداة من الأدوات، الممثل حاجة صغيرة بالعمل السينمائي، على الشاشة يظهر كبيرا لكن هو محكوم بأنه من الأدوات مع المخرج. أما التهمة بأنه دكتاتور! لا، هذه كلمة صعبة وفيها ظلم. أعتقد أن الأشياء مبنية على الثقة، وهي مهمة بين الممثل والمخرج، الذي يشبه قائد الأوركسترا، لما نثق بالمخرج ونكون عارفيهن أفلامه وخبرته وماذا يريد، يعني نسلم أنفسنا حسب التوجيهات. لكن أحيانا، في بعض المشاهد يكون الممثل عاوز يعملها بطريقته، لكن يصير التكرار بتصوير المشهد والإعادة المتكررة لأن رؤية المخرج تكون مختلفة عن رؤية الممثل. طبعا تمر مشاهد أكون غير راض عنها مئة بالمئة، لأني أريد أن أعطي من روحي’. ـ الدور الذي قدمته في براندو عند الوفاة، وقد تميزت الممثلة سهير بن عمارة معك في تقديم المشهد، السؤال عندما يصل الممثل للحظة الموت وحبيبته تجلس عند رأسه تندب عليه، هل هذا المشهد يشكل خوفا حقيقيا، ويختلف شعوره عند الأدوار الصعبة الأخرى؟* ‘ سهير ممثلة قديرة قدمت الدور بشكل رائع، طبعا الإنسان البشر كله أحاسيس، والموت هو الحقيقة الوحيدة الموجودة بالوجود، أما عن شعوري لا تقدرين أن تفصلي ما بين التمثيل والحقيقة، لا بد أن يمسك الموت، في ذلك المشهد لما يتمدد الإنسان في حالة موت ما عاد فيه تمثيل، نفسيا يؤثر عليك وتتأثرين تأثيرا رهيبا. بالحقيقة تصبحين تفكرين أنا وين رايحة؟ أعيش بأي كوكب؟ جنة أو نار؟ يعني تحاسبين نفسك لما تكونين ممددة في تلك الحالة القاسية. والإحساس أو التفكير بالموت صعب، فعلا أنا كنت صور وكان عقلي في عالم آخر، ياربي أنتظر من سيحاسبني، كنت كميت وأسمع الآخرين، فعلا الدور صعب ولا يمكن أن أعبر عن شعوري في تلك الحالة بشكل تفصيلي، أن يعيش الواحد لحظات مع الموت، حالة مختلفة تماما. في حياتنا ممكن نحب وبعدها نكره، لكن لحظات التفكير بالموت لا يمكن أن تهربي منها وأن تجسدي الدور وتعيشي الشعور الحقيقي لتلك اللحظة الرهيبة، شيء صعب وأقوى الممثلين في العالم يتأثرون بمثل هذا الدور، الموت مجرد التفكير فيه حاجة صعبة’. ـ مستقبل السينما التونسية بعد الثورة، كيف تراها؟* ‘أنا متفائل، إن شاء الله، تكون الأمور أحسن. لكن الشيء الذي يحز في نفسي أسفي على السنوات التي تروح من العمر، أنا ضيعت سبع سنوات على موضوع براندو أعتبرها راحت من عمري، هذه السنوات كنت عملت فيها أشياء كثيرة، لكن قبل الثورة شبابنا كانوا مظلومين كثيرا، وكذلك المخرجين، أكبر مخرج في تونس كم عمل؟ قدم من سبعة إلى ثماني أعمال فقط، لكن آمل أن نأخذ الفرصة جميعا بعد الثورة’. ـ أي نوع من الأدوار الآن تحب أن تقدم؟* ‘ أحب أن أقدم دور شاب ثائر’. ـ حصلتم على جائزة في مهرجان أبو ظبي، وكذلك في مهرجان وهران، كيف ترى تنوع الأفلام في هذه المهرجانات، كيف ترى مستوى الفيلم العربي ضمن الأعمال السينمائية التي قدمت في هذا العام؟ * ‘الفيلم العربي يبقى محدودا ضمن ظروفنا نحن العرب مع بعض، ومع هذا يوجد حاجز اللهجة المحلية التي لا تصل وتكون غير مفهومة في بعض البلاد العربية. السينما المصرية أخذت حيزا كبيرا، وهي لغة مفهومة. أنا تونسي، وهناك فيلم مغربي، وأردني، وغير ذلك، هذا التنوع جيد، وهذه المهرجانات تعرفنا على ثقافات مفيدة ومختلفة، لكن يبقى عائق اللغة، أما بالنسبة لموقعنا في العالم وأين نحن من السينما العالمية؟ أنا متفائل بالمستقبل لأننا نحن الشباب ممكن أن نعمل أشياء مختلفة عن التقليد الذي كان، وهكذا تدخل رؤية الشباب بالأعمال الفنية بعد ما جرى، وهم سوف يعبرون عن آرائهم وأفكارهم التي لم يستطيعوا أن يقدموها من قبل لأسباب معروفة؟
ـ أي مجال أحب إليك، السينما أو الدراما التلفزيونية؟* ‘ السينما بالنسبة لي عندها سحرها الخاص وعندها بريقها، لكن الأعمال التلفزيونية تجعلك تتعرفين على مستوى بلدك، لكن السينما تفتح لك الأبواب واسعة نحو العالم، فهي الفن السابع’. ـ هل بدأتم بأعمال سينمائية جديدة بعد الثورة في تونس، كما هو الحال في مصر؟* ‘بدأ المخرج التونسي محمد الزرن، بأن يوثق عن الثورة التونسية بفيلم، نحن في تونس نعاني من التمويل، والسينما صناعة ثقيلة. أنت لا تستطيعين أن تعملي أي فيلم من غير دعم كبير، لازم الدولة تدعمك، لما تستقر الأمور وتنطلق الحكومة الجديدة بالعمل فنحن ننتظر منها الكثير’. ـ لو طلب منك أن تقدم دور البوعزيزي، هل أنت مستعد وكيف يمكن أن تقدمه؟* ‘البوعزيزي حدث استثنائي صار وشرارة لاندلاع الثورة في العالم العربي، وأنا فخور بالبوعزيزي لأنه ابن بلدي، تونسي، وقدم شيئا لا ينسى، ولو أنه مات واستشهد من أجله، لكنه بقي خالدا ورمزا، لو جاءت الفرصة برؤى سينمائية عن دور لبوعزيزي، أنا أتصور لا أغير أي شيء، بوعزيزي والعربية بتاعه’.