نحو إحياء مخطط عزل لبنان عن سوريا

حجم الخط
0

د. عصام نعمان لماذا تؤيد المعارضة اللبنانية، اي قوى 14 آذار، المعارضة السورية؟

ظاهر الحال لأن ‘ثورة الأرز’، كما تسمّي المعارضة نفسها، تؤيد مطالب المعارضة السورية الإصلاحية والديمقراطية، ولأنها تعادي النظام السوري الذي يدعم خصومها في قوى 8 آذار وحكومة نجيب ميقاتي.

الى هنا يبدو الامر عادياً، خصوصاً بالنسبة الى السياسيين التقليديين في صفوف أهل المعارضة والموالاة. لكن، هل هو كذلك بالنسبة للقادة الأبعد نظراً في كِلا الطرفين؟

الراسخون في علم القراءة بين السطور كما المقرّبون من حكومة ميقاتي يقولون إن التعاون الوثيق بين المعارضتين اللبنانية والسورية يقوم على قاعدة تبادل المنافع في مواجهة ‘العدو’ المشترك الذي هو نظام الرئيس بشار الاسد.

المنافع المتبادلة صنفان: سياسية واستراتيجية. على الصعيد السياسي، تجد المعارضة السورية، خصوصاً جناحها الناشط عسكرياً، مصلحة اقليمية ودولية في تظهير تأييدها السياسي والإعلامي لجماعات لبنانية معادية للنظام السوري وحلفائه، ولاسيما لحزب الله قائد المقاومة اللبنانية. على الصعيد الإستراتيجي، ترى المعارضة اللبنانية، خصوصاً الجناح الأشد عداء لسورية والأعرق في تعاونه مع دول الغرب الاطلسي ولا سيما الولايات المتحدة، انه في الإمكان إنتهاز فرصة الصراع الدائر في سورية من اجل احياء المخطط القديم الداعي الى نشر قوات دولية على طول الحدود بين لبنان وسورية.

امريكا وحلفاؤها حاولوا أثناء حرب 2006، تضمين قرار مجلس الامن 1701 بنداً يقضي بتوسيع إنتشار قوات الامم المتحدة المتواجدة في جنوب لبنان لتشمل سلطتها كامل الحدود مع سورية، ولاسيما لجهتي الشرق والشمال. غير ان سورية وايران وضغوط حزب الله وحلفاءه اللبنانيين على حكومة فؤاد السنيورة، آنذاك، احبطوا محاولة الولايات المتحدة وشركائها الاطلسيين.

اليوم تجد قوى 14 آذار ان الفرصة سانحة لتجديد الضغوط، عربياً ودولياً، من اجل إحياء المخطط القديم الذي ما زال يحظى بدعم امريكا. ذلك ان مشروع جامعة الدول العربية الداعي الى نشر قوات عربية ودولية في سورية قوبل بتحفظات من جانب اميركا وبريطانيا وفرنسا. ثم ان المشروع التركي البديل الداعي الى تأمين ‘ممرات انسانية’ لوصول المساعدات الإنسانية والاجتماعية الى داخل سورية لا يفيد كثيراً المعارضة السورية المسلحة. من هنا يظن بعض قادة قوى 14 آذار ان امريكا ولدول العربية المناهضة للنظام السوري ستجد ان السياسة الأكثر فعالية الواجب اعتمادها ضده إنما تتمثل في تكثيف عملية تسليح المعارضة السورية، من جهة ومن جهة اخرى عزل لبنان عن سورية بنشر قوات عربية ودولية، بقرار من مجلس الامن اذا امكن تمريره، او بنشر قوات اطلسية اذا تعذر ذلك.

نظرياً، يبدو تنفيذ المخطط الامريكي سهلاً. لكن، عملياً، يبدو صعباً للغاية. ذلك ان روسيا، التي عاودت إحياء الحرب الباردة في صراعها مع امريكا على امتداد الشرق الاوسط، من سورية وصولاً الى ايران، ستقاوم في مجلس الأمن تمرير القرار المطلوب. كما انها لن تتأخر في دعم سورية (وربما حزب الله ايضاً) سياسياً وعسكرياً لمقاومة احتمال إقدام دول الغرب الاطلسي على نشر قوات اطلسية على حدود لبنان مع سورية خارج إطار الامم المتحدة.

مع ذلك، يقول المقرّبون من الجناح الاكثر تطرفاً في قوى 14 آذار، ان تنفيذ المخطط الامريكي يبقى ممكناً بنشر قوات عربية وإسلامية على طول الحـدود اللبنانية السورية بقصد عزل سورية لوجستياً عن حزب الله، اي عن المقاومة. فالدول العربية التي وافقت على نشر قوات عربية ودولية داخل سورية، ستجد انه من الأسهل لها نشر قوات عربية بدعم من الغرب الاطلسي على طول حدود لبنان مع سورية لأن من شأن ذلك عزل نظام الاسد، من جهة ومن جهة اخرى إضعاف حزب الله بما هو الضلع الثالث في محور المقاومة والممانعة الذي يضم سورية وايران.

لا يستهين مقرّبون من الاوساط القيادية في حزب الله بإحتمال لجوء امريكا وحلفائها الى تنفيذ مخطط عزل لبنان عن سورية بدعوى انه يشكّل إستجابة لسياسة حكومة ميقاتي الداعية الى ‘النأي بالنفس’ عن الأزمة السورية وملابساتها وتداعياتها. ويخشى هؤلاء ان تكون مقدِّمات تنفيذ المخطط المذكور قد بدأت تتحقق على ارض الواقع بتحشيد مجموعات من السلفيين المسلحين، سوريين وغير سوريين، في منطقة عكار الحدودية بحيث تقوم لاحقاً بإفتعال صدامات مسلحة مع قوات الجيش اللبناني المنتشرة هناك، فتكون الصدامات مدخلاً لتصعيد مطالبة قوى 14 آذار والحكومات المتعاطفة معها في عالمي العرب والغرب بنشر قوات دولية او اطلسية على الحدود بين البلدين.

يقرّ مقرّبون من قادة حزب الله بخطورة هذا السيناريو المحتمل، لكنهم يحرصون ايضا على الإشارة الى ان دول الغرب الاطلسي تدرك قدرات الحزب وتصميمه على التصدي للقوات الغربية الوافدة وتعطيل مهمتها. هم يعتقدون ايضاً ان الخسائر البشرية والمادية الباهظة التي يمكن ان تنجم عن هذه المجازفة، ستدفع دول الغرب الاطلسي، في التحليل الاخير، الى صرف النظر عنها.

الى ذلك، حدث تطور لافت من شأنه ان يعيد صياغة مقاربة امريكا لسورية وحتى لإيران. فقد اعترف وزير الدفاع ليون بانيتا بأن تنظيم ‘القاعدة’ تسلل الى صفوف المعارضة السورية. رئيس جهاز الإستخبارات الوطنية الامريكي جيمس كلابر ذهب أبعد من بانيتا. قال امام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ إن التفجيرات التي شهدتها دمشق وحلب منذ ديسمبر/كانون الاول الماضي ‘تحمل كلها بصمات ‘القاعدة’ (…) وان ظاهرة اخرى مثيرة للإنزعاج هي اننا شاهدنا اخيراً وجود متطرفين اخترقوا جماعات المعارضة ‘. ثم اكّد ان المعارضة متشرذمة كثيراً وان نظام الاسد، على ما يبدو، قادر على الإحتفاظ بالسلطة. واذ لاحظ ان مخزونات الاسلحة الكيميائية السورية تبدو في أمان، توقع لدور ‘القاعدة’ والإنقسامات في صفوف المتمردين (المعارضة المسلحة) ووجود الاسلحة الكيميائية ‘ان تؤثر على اية مناقشة في شأن تقديم اية مساعدة للمعارضة’. اوساط قيادية في قوى 8 آذار فسرت تصريحات بانيتا وكلابر بأنها فاتحة إعادة تقييم الموقف الامريكي من المعارضة المسلحة التي تخشى عليها واشنطن من سيطرة ‘القاعدة’ كما من عواقب إضعاف النظام السوري وإمكانية تسرّب أسلحة كيميائية من مخزونه الى قوى المقاومة او الى المجموعات الدينية المتطرفة. قوى 14 آذار استشعرت بداية تغيّر في موقف امريكا. واذ فسرت قياداتها المعتدلة تصريحات بانيتا وكلابر بأنها تشي ببداية تسوية شاملة على مستوى إقليمي، إحتفظت قياداتها المتطرفة بموقفها المكابر مقدمةً تفسيراً مغايراً. قدّرت ان واشنطن وباريس ولندن لن تتخلى عن المعارضة السورية، إلاّ انها اختارت الإستعاضة عن التدخل العسكري بتسليح المعارضة السورية من جهة ومن جهة اخرى بعزل لبنان عن سورية. كيف؟ بنشر قوات عربية واسلامية على حدوده معها ما يؤدي، في ظنها، الى قطع خط إمداده اللوجستي.

هل هو مخطط يجري احياؤه ام حلم تجري معاقرته؟’ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية