لندن ـ «القدس العربي»: لماذا نظمت الحكومة السورية الإنتخابات الرئاسية وهي تعلم أن الفائز الوحيد سيكون فيها بشار الأسد، سؤال طرحته تقارير الصحافة الغربية ومن لم تجد تعليقات اكتفت برسوم كاريكاتيرية حيث صورت صحيفة «اندبندنت» الأسد وانتخاباته الزائفة بكوميديا شهيرة مثل فيها جون كليز «فولتي تاورز» وفي الصورة بدا الأسد الطويل مثل كليز ويداه ملطختان بالدماء وهو يقول لا تسألوا عن الحرب.
وفي صحيفة «التايمز» ظهر الأسد يقود مقاتلة وهي ترمي صناديق اقتراع متفجرة، كلعب على البراميل المتفجرة التي لم تغب عن تقرير ريتشارد سبنسر الذي قال إن هناك من ذهب في دمشق للتصويت، ومن بقي في حلب ليتلقى البراميل المتفجرة ويموت. فالإنتخابات تمت بين صناديق اقتراع وصناديق متفجرة.
لماذا نظم الإنتخابات؟
وقد حاول شانشك جوشي الباحث في مركز الدراسات المتحدة تحليل سبب حرص النظام السوري والأنظمة الديكتاتورية بشكل عام على تنظيم الانتخابات، فقي مقاله الذي نشرته صحيفة «ديلي تلغراف» قال إن هناك ثلاثة أسباب التحشيد والحصول على الشرعية والإحتفال.
فالإنتخابات فرصة لحشد الموالين المتعبين وراء النظام خاصة الأقليات الدروز والعلويين، وصعود الجهاديين وسط المعارضة زاد من مظاهر قلق هذه الجماعات ومن هنا يقول الأسد «أظهروا دعمكم لي في صناديق الإقتراع وسأحميكم»، أما الشرعية فهي محاولة من النظام لإقناع الحلفاء بأنه يحظى بدعم جديد، رغم وجود نقاش داخل المؤسسة الحاكمة في إيران الحليف الرئيسي للنظام السوري على مواصلة ضخ المليارات في الإقتصاد السوري.
ويقول إن هناك دولا غير غربية تتعاطف مع الأسد والتي ترى أنه يواجه جماعات مدعومة من الخارج، وعليه فستجد دول مثل الهند أن الأسد يحظى بدعم شعبي معقول وأن مطالب المعارضة برحيله غير منطقية. أما بالنسبة للهدف الثالث وهو الإحتفال، فهو يأتي بعد كتابة متعجلة لنهاية الأسد، فقد كانت هناك أقلية تعتقد والكاتب واحد منهم أنه سينجو من الازمة. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 نشرت المخابرات الأمريكية «سي أي إيه» تقريرا توقعت فيه سقوط الأسد في مدى 10 أسابيع.
ولكن النظام حصل على دعم واسع من إيران وحزب الله واستفاد من الإقتتال بين فصائل المعارضة. ومن هنا فالشعور بالنصر يعطي إشارة عن نية الأسد البقاء في السلطة وأن أي حوار بينه وبين المعارضة يجب أن يقوم على قاعدة استمراره في السلطة.
ويكتب جوشي «كتب الأسد دليلا كاملا لكل الطغاة المحاصرين، فقد فرق أعداءه، ومنع تدخل الغرب، وأقام تحالفات عدة فاعلة، وأقنع مؤيديه أنهم يواجهون تهديدا وجوديا وعليه فالنظام هو الجهة الوحيدة القادرة على حمايتهم، وأنجازات كهذه ليست قليلة وعليه فهو يستحق نسبة عالية من 90٪ بالمئة من الشعب المغرم به وكتفويض خيالي من أجل مواصلة تدمير البلد وتحويله لأنقاض».
محدودية القوة
ومن هنا لاحظت آن برنارد في صحيفة «نيويورك تايمز» الأجواء الإحتفالية على مراكز الإقتراع مشيرة أن حماس بعض المواطنين جعلهم يقولون إنهم صوتوا أكثر من مرة. ومثل غيرها من التقارير قالت إن الإنتخابات تجري في فضاء يشهد دمارا حيث لم تعقد في مناطق المعارضة. ورغم محاولة الأسد تأكيد شرعيته إلا أن هناك محدودية لما يمكن للأسد أن يفعله من الإنتخابات فهو وإن لن يغادر السلطة قريبا مما سيحرج الدول الغربية، إلا أنه لا يستطيع جمع شتات البلد من جديد، فليس بعيدا عن أجواء الإنتخابات في دمشق أحياء في العاصمة تعتبر مناطق للمعارضة لم تشارك في الحفلة، فلم ترفرف أعلام الحكومة على البنايات المتداعية في البرزة والقابون، ولا تجمعات راقصة، وحول صاحب بقالة الموجة من الإستماع لتغطيات الإنتخابات الإنتصارية للإستماع بدلا من ذلك لصوت القصف. ولخص مازن وهو مقاتل شاب من القابون الوضع بالقول «بشار ليس رئيسنا»، مع أن الحكومة اشارت إلى اتفاقيات الهدنة الأخيرة في الأحياء التي حاصرتها وجوعت سكانها كدليل على المصالحة وعودة الحياة الطبيعية للبلاد، ولم تنجح الحكومة بعد استثمار الكثير من الجهود السياسية لدفع سكان هذه الأحياء بالمشاركة في الإنتخابات. لكن مؤيدي الأسد اعتبروا الإنتخابات نجاحا للأسد ضد الجماعات «الإرهابية» فكل «الكلاب النابحة أصبحت خارج سوريا» كما قالت مؤيدة. واعترف أبو علي (55 عاما) في دمشق بالتصويت خمس مرات.
نفاق
وسط حس الإنتصار والشجب الدولي هناك نوع من النفاق من جانب الدول الغربية حسب صحيفة «اندبندنت» البريطانية التي قالت إن موقف الدول الغربية تفوح منه رائحة النفاق.
وعلقت على كلام ويليام هيج وزير الخارجية البريطاني الذي وصف الإنتخابات بأنها محاكاة ساخرة للديمقراطية، وذلك عقب اجتماع «مجموعة أصدقاء سوريا» في لندن والتي تضم «مؤيدين عظاما للديمقراطية وقيمها: السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن وقطر».
وتضيف الصحيفة « من المنطقي انتقاد الإنتخابات السورية التي عقدت بدون منافسين لهم مصداقية وقصد منها إظهار قوة الأسد لا تعبيرا عن ممارسة ديمقراطية».
وأضافت قائلة إن تصريحات هيغ كانت ستحمل قوة لو «شجب بنفس اللهجة القوية الإنتخابات الرئاسية المصرية قبل إسبوع حيث عاد عبد الفتاح السيسي رغم المعارضة الوطنية، وتجاهلت غالبية المصريين الإقتراع رغم الجهود اليائسة التي قامت بها الحكومة لدفعهم للتصويت».
لا تريد رحيله
وفي رأي الصحيفة فجهود الدول الغربية لدعم المعارضة لا علاقة لها بتنصيب حكومة ديمقراطية علمانية بقدر ما هي محاولات للتخلص من معارض تقليدي للسياسات الغربية. ففي العامين اللذان أعقبا اندلاع الإنتفاضة عام 2011 بالغت الدول الغربية بالحديث عن رحيل الأسد بنفس الطريقة التي رحل فيها معمر القذافي، ولم يحدث هذا ولكن معارضيه، سواء كانوا الدول الغربية أو المعارضة المحلية لا يزالون يتظاهرون بإمكانية الضغط على الأسد ودفعه للخروج من السلطة، كل هذا مع أنه يسيطر على 13 عاصمة محافظات من 14.
ومن هنا فإعادة انتخاب الأسد تؤكد أن لا نية له في التنحي عن السلطة، فالجيش السوري الذي يعاني من نقص في الجنود يقوم وإن كان ببطء بإخراج المعارضة من مناطق دمشق وحمص. ومن المحتمل أن تظل معظم مناطق الشرق والشمال بيد المعارضة، «ويعتقد الأسد أن بإمكانه كسر هذا الجمود لكن من غير المحتمل» حدوث هذا.
واتهمت الصحيفة هيغ وأمثاله بانهم لا يريدون انهزام الأسد» ما يجعل موقف أشخاص مثل هيغ نفاقي لأنهم لا يريدون انهزام الأسد على يد معارضيه الأشداء من جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). «وبدلا من بناء سياسات قادرة على مواجهة الوضع على الأرض، يتظاهر هيغ وجون كيري، وزير الخارجية الأمريكي بوجود معارضة معتدلة والتي إن قدم لها دعم كاف فسيكون بإمكانها أخذ مكان الاسد».
تقسيم جغرافي
وتعتقد الصحيفة أن «أسلحة جديدة لن تؤدي إلا لإطالة أمد الحرب وليس كسر الجمود العسكري، وهناك طريقة أحسن هي العمل على تخفيف العنف من خلال اتفاقيات الهدنة ووقف إطلاق النار المحلية مثل التي حصلت في المدينة القديمة في حمص، وتخفيف المعارضة حصارها على قريتين في محافظة حلب، ورغم كل التشرذم الذي تعاني منه المعارضة فاتفاقيات مثل هذه ممكنة». فأيا من الطرفين لن يكون قادرا على تحقيق النصر الحاسم على الآخر ولن يتحقق السلام إلا في حالة موافقة الطرفين على التشارك في السلطة. ولأن الشك والكراهية المتبادلة عميقة فلن يحدث هذا. كما انه ليس من المتوقع أن يتخلى الأسد الذي يحتكر السلطة لنفسه مع الأجهزة الأمنية عن منصبه، والحل الافضل كما تقول هو» التشارك في المناطق الجغرافية أي استمرار كل طرف بإدارة المناطق الخاضعة له، وكل هدنة متداعية أحسن من استمرار الدمار».
التصويت وسط الدمار
وفي السياق نفسه حللت صحيفة «الغارديان» آثار الإنتخابات والتي تقول إنها جاءت نتاجا لفشل شخصي ووطني، محلي، دولي وإقليمي.
وتقول إن النظام السوري سيحاول تقديم الإنتخابات ونتائجها كدليل على أن الديمقراطية لا تزال تعمل في سوريا وكصورة عن إصرار النظام. وقالت إن الإنتخابات بدت وكأنها من طرف واحد وتريد أن تقول «لقد نجونا وسننتصر» حيث يراها المعارضون زائفة، نكتة وتسخر من الذين ماتوا ولا يزالون يموتون. ولكن ما تمثله الإنتخابات بحسب الصحيفة هو «فشل، وفشل متعدد الجوانب تراكم وكرر على المستوى الشخصي والمحلي والدولي. ففي البداية كان الخطأ خطأ رجل واحد وهو بشار الأسد الذي لم يفهم معنى القيادة مما وضع البلاد على طريق الدمار.
وترى الصحيفة أن فشل الأسد نابع من كونه عاش في ظل والده الذي اعتاد على التعامل مع معارضيه بشراسة، ولأنه تأثر بمستشارين وأفراد العائلة الذين يعملون من خلال ثقافة تقوم على ثلاثة مباديء: عدم الإعتذار ولا تنازل ولا اعتراف وهو ما أدى لكارثة ارتكبها الرئيس الشاب، مما قضى على كل الآمال بقيام الأسد بإصلاحات التي أعلن عنها في بداية الأزمة. وتشير إنه ظهر أكثر من مرة ولم يقدم سوى خطابات فارغة ونظريات مؤامرة عن خطط تحاك في الخارج لتدمير سوريا وتلميحات غامضة للتغيير التي أكد أن الحكومة خططت لها من قبل.
وفي أكثر من مرة فشل الأسد في التفريق بين الأعداء والنقاد، وفي أكثر من مرة فشل في الإعتراف بقيام الأجهزة الأمنية بارتكاب مجازر أو أن الحكومة ليس لديها سياسات اجتماعية واقتصادية. وعاش غيمة من الوهم، وظل طافيا فوق الأزمة التي ظلت تتدهور بشكل مستمر، فقد كان سببها وعاش في داخله ويبدو أنه لم يكن يفهم ما يجري.
فشل الأمة
بعد فشل الأسد جاء فشل الدولةـ الأمة بشكل عام التي يبدو أنها لم تتعلم من دروس الحرب الأهلية اللبنانية التي حاولت سوريا التحكم بها والتلاعب بها، وكان على الأمة أن تكون في وضع أحسن بحيث لا تقع في نفس الخطر.
وبعدها جاء خطر الدول الغربية، فقد دفعها القلق الى أن تكون فوق المنعطف بعد درسي تونس ومصر ومن هنا تسرعت وأعلنت نهاية النظام ومن هنا عرقلت أي جهد من جهود الوساطة، وأخيرا جاء فشل الدول الإقليمية، خاصة إيران والسعودية واللتان حولتا سوريا إلى ساحة حرب بالوكالة في محاولتهما لعزل بعضهما بعضا.
وتقول الصحيفة «اي سجل من الحماقة هذا والمستمر حتى الآن، ونصل إلى الإنتخابات والتي غاب عنها ما تريده الغالبية العظمى من السوريين التصويت عليه وهو السلام الذي لم يكن على قائمة التصويت.
انتصار على الورق
ووصف روبرت فيسك الإنتخابات بأنها نصر على الورق. وقال في صحيفة «اندبندنت» أن الارقام التي سنسمعها من دمشق هذا الإسبوع، ربما أكدت نسبة 90٪ فحسب مصدر موثوق قال إن الأسد قد يحصل على 65٪ ، فيما قال آخر 90٪، وسنرى أنه فاز بنسبة 95٪ بالمئة «نصر على الورق وسط حرب دموية».
وسأل فيسك وزير الخارجية وليد المعلم الذي يتعافى من عملية جراحية «وعندما سألت وزير الخارجية وليد المعلم إن كانت هناك مخاطر لخسارة الأسد الإنتخابات، أجاب بحكمة «هذا يعود للشعب السوري». ويعلق فيسك أن الشعب السوري هذا قد سحق وأهين وعذب وسجن وذبح ويصرخ منذ مدة طويلة طلبا للحرية».
وكان جواب المعلم حينما طلب منه الصحافي تفسيرا للمهزلة كما تصفها الدول الغربية «أجابني إجابة واضحة «لست بحاجة للدفاع عن نفسي». و «أطلب من الناس مشاهدة التلفزيون السوري لمعرفة ماذا يريده الشعب السوري، هذه ديمقراطية الشعب السوري عندما ذهبوا للتصويت». و»ما كنت أريد معرفته وما نريد كلنا معرفته، هو لماذا تعقد هذه الإنتخابات، أولا في مصر والآن في سوريا، هل هي محاولة لتقليد النظام الديمقراطي الغربي والتفوق عليه بنسب غريبة كهذه».
وأشار فيسك إلى إن 60٪ من السكان كان بإمكانهم التصويت في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة والتي تشكل نسبة 40٪ في أكثر من 9.000 مركز اقتراع كان معظمها عرضة لإطلاق النار من المعارضة السورية.
ووصف الكاتب اقتراع الأسد وزوجته أسماء التي ارتدت جاكيتا أبيض تلبسه العرائس، فيما تسابق الموالون للأسد على الإدلاء بأصواتهم. وفي الوقت الذي صوت فيه المسؤولون في أماكن محروسة، صوتت الجماهير في المدارس ووزارات الحكومة وحتى في مكاتب الطيران «وقضيت وقتا أمس أحاول شراء تذكرة سفر محلية في غرفة مزدحمة بالميليشيات حيث كان المقترعين يقترعون على مرشحهم الفائز؟ احزر من هو؟ في الوقت الذي كانت المقاتلات تذرع الفضاء، وسألني كاتب «هل تريد التصويت؟» وفهمت النقطة هل كان من المفترض أن اصوت للسيسي؟».
و»لكن هناك فرق بين الفرعون والجنرال السابق الذي سيحكم مصر وبين طبيب العيون السابق الذي سيحكم سوريا ولسنوات، ففي الوقت الذي طبعت عملية انتخاب السيسي صناديق الإقتراع الفارغة وقلق الجماهير من حرارة الجو، جاء المقترعون السوريون بالالاف، حاملين صورا جديدة لذلك الرجل بالزي العسكري، وكانت هناك طوابير طويلة من الشباب ورجال بالزي البدوي.
إبراهيم درويش