الجزائر تفقد رمزين للمصالحة والاستئصال

حجم الخط
0

إبراهيم فخار فقدت الجزائر خلال الأيام الماضية شخصيتين من أهم صناع تاريخ جزائر ما بعد الاستقلال: رجلان يلخصان بشكل واضح مسار جزائر الثورة وجزائر ما بعد الثورة وهو استمرار الصراع بين السياسي والعسكري في قيادة قاطرة البلد. فعبد الحميد مهري الذي وافته المنية عن عمر ناهز الخمسة والثمانين عاما تدرج في مناصب المسؤولية لغاية توليه منصب الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني أما محمد العماري فقد التحق بركب الثورة قبل عام من استقلال الجزائر وتدرج في مناصب المسؤولية العسكرية لغاية توليه منصب قائد أركان الجيش الجزائري في عز أزمتها الأمنية.

نقاط التشابه والاختلاف كثيرة وكبيرة بين الرجلين، فكلاهما تعرض للتهميش من قبل آلة رهيبة إسمها الدولة، رغم أنهما كانا من أهم دواليبها خلال مرحلة معينة فعبد الحميد مهري تعرض لما يعرف بحركة الانقلاب العلمي الشهيرة التي أطاحت به من منصبه كأمين عام لحزب أريد له أن يكون دوما في خدمة أجندة السلطة الحاكمة. كان ذلك عام 1996 بعد عامين من توقيعه على اتفاق سانت ايجيديو في العاصمة الايطالية روما مع أحزاب معارضة سعت لحمل لواء المصالحة في زمن طغت فيه لغة الدمار والرصاص.

انسحب عبد الحميد مهري حينها في صمت يلملم جراح زمن غدر به ووصل به الأمر إلى بيع جزء مما يملك حتى يتمكن من مداواة زوجته المريضة وماتت بعدها وتركته يتقطع كمدا.

محمد العماري تعرض أيضا لمضايقات عجلت برحيله من على رأس قيادة أركان الجزائري بعد انحيازه غير المعلن لعلي بن فليس غريم عبد العزيز بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2004 واستقال بعدها من منصبه لتفتح أبواب جهنم بعدها في وجهه، فلم تمر سنة واحدة على استقالته حتى بدأ مجمع ‘تونيك’ غرب الجزائر العاصمة في الانهيار.

ولمن لا يعرف المجمع فإنه كان أحد أكبر مصانع الورق والتغليف في الجزائر وكان يضم 11 شركة ويوظف ما يزيد عن 3200 عامل، وقد تمكن المجمع من اكتساح السوق الجزائرية في ظرف قياسي معتمدا على تعاملات مالية مشبوهة وقروض بدون ضمانات سرعان ما انكشفت بسقوط الغطاء السياسي عنها ممثلا في قائد لأركان الجيش الجزائري محمد العماري الذي أزيح من منصبه، فسقوط العماري كلف إشهار القضاء الجزائري لإفلاس مجمع ‘تونيك’ لاحقا.

لنعد إلى المقارنة، الرجلان رحلا في صمت ولم يثيرا الضجيج إلا بعد وفاتهما وقد سارعت السطات الجزائرية إلى تعليق عرجونين على قبريهما عملا بالمثل الجزائري القائل ‘كي كان حي مشتاق تمرة وكي مات علقولو عرجون’. كان عبد الحميد مهري رجل مصالحة بامتياز فقد دعا إلى الحوار مع المعارضة وحقن دماء الجزائريين في الوقت الذي تصدر فيه محمد العماري تيار الاستئصال ولم يكن يؤمن إلا بالحلول الأمنية لمعالجة الأزمة التي كانت سياسية في أصلها، حتى أن الكثير من معارضيه يرون أن يديه ملطختان بالدماء ويحملونه الكثير من حالات الاختفاء القسري والتعذيب والقتل خلال العشرية الحمراء التي مرت بها الجزائر.

مجيء الرئيس الجزائري حاملا لواء السلم والمصالحة عام 1999 هو نسخة معدلة لما أدارت له السلطة السياسية ظهرها طيلة سنوات فهي مصالحة طوت صفحة ضحايا ما يعرف بالمأساة الوطنية وبيضت صفحة جنرالات ظلوا يتشبثون برداء السلطة هربا من الحساب الدنيوي والوقوف يوما أمام محكمة الجنايات الدولية.’ صحافي وباحث جزائري مقيم في باريس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية