ممدوح فرَّاج النَّـابييوسف زيدان، روائي مصري، ذاعت شهرته بروايته ‘عزازيل’ دار الشروق 2008، وما حققته على مستوى البيست سيللر، من طبعات متعدِّدة، ثم فوزها بالجائزة العالمية العربية ‘البوكر2009’. العجيب أنه حقَّق نجاعاً ملحوظاً، وهو الداخل إلى الأدب متأخِّراً من باب التراث والتصُّوف الإسلامي، حيث يعمل مديراً (سابقاً) لمركز مخطوطات التراث بمكتبة الإسكندرية، وله أكثر من خمسين مؤلَّفاً، لعل من أشهرها ‘شعراء الصُّوفية المجهولون’. يبدو أن علاقة زيدان بالتراث، أفادته في عالم الأدب، فقد اكتشف من خلال التراث عوالم ثرية، ، لم تطرقها الكتابة السائدة، وهو ما تحقَّق عبر كتاباته، حيث التاريخ حاضر في نتاجاته الروائية السابقة كافة، بل يأخذ من التاريخ أكثر المناطق تأجُّجاً، والتهابا ليصوغ مروياته، فكانت روايته عن المرأة عبر التاريخ، وكيف أزاحها العقل البطريركي الأبوي من المقدَّس الذي عاشت فيه ردحاً إلى المدنَّس في الزمن الحديث، كما كان في ‘ظل الأفعى’. أو كيف توغَّل التعصُّب الديني في بينة العقل، فأحال العالم إلى جحيم، وقضى على بذرة العقل المتفتحة الفيلسوفة ‘هيباتيا’، عالمة الرياضيات والفلسفة أستاذة الزمان، ثم ما حدث بعد ذلك للراهب الطيب ‘نسطور’ على يدِّ الأسقف ‘كيرلس’ وكيف وَأَدَتْ به يدُّ الإرهاب لأنه عارض آراء الكنيسة، (وهو ما يكشف في جوهره عن صراع الكنيسة الكنيسة كما حدث مع كنيستي أنطاكية والإسكندرية) فَجُرِّدَ من ألقابه وحُرِمَ من كلِّ شيءٍ وحُكِمَ عليه بالعَزْلِ، ثم بعد ذلك تحوَّل من النقيض إلى النقيض، حيث استبدَّل التَعَصُّبَ بالتسامح، بعد أن صار أسقفاً للقسطنطينية. وإذا بنا أمام مفارقة مدهشة، يلخصها سؤال كبير المعنى والدلالة، قليل العبارة، مازال بطزاجته وحيويته حتى الآن: ألا وهو لماذا يتولَّدُ العُنْفُ عن التعصُّب الدينيِّ دون تحديد لهوية الدين؟ ثمَّ لماذا يتحوَّلُ التعصُّب إلى إرهاب ٍ؟! وهو ما صاغه زيدان كمروية، كما هو الحال في ‘عزازيل’. ثم يقدِّمُ من التاريخ نموذجاً للمعايشة والمسامحة في شبه الجزيرة العربية للديانات والملل كافة في نسيج قلما يتكرَّر في الوجود على مرِّ الزمان، وكأنه بهذا يعارض الدعاوى الباطلة التى لا ترى إمكانية الحوار، بل احتدام الصراع، عبر نموذج روائي، مثاله الواضح هذه العائلة: عائلة مارية أو ماوية التي انتقلت إليهم بعد الزواج، فهي زوجة لسلامة المؤمن بالمسيحية وأخوه الأكبر هودي، والأخ الأصغر النبطي يبحث له عن ديانه، فقد ظل حالماً أن يكون نبياً فضاع حُلمه في الصحراء، وأمهم أم البنيين تطوف كل صباح باللات، ثم يأتي الإسلام، في إشارة ذات مغزى عن حالة التعايش التي خَلَقَها الإسلام، كما هو الحال في ‘النبطي’. وفي روايته الجديدة ذات العنوان التراثي والمستقى من المعاجم ‘مِحَال’ 2012 والصادرة عن دار الشروق. والذي يشير ضمن ما يشير إليه من دلالات إلى استحالة إدراك الشيء أو القبض عليه، وهو ما تحقَّق هنا؛ فالأحلام كلها ضائعةٌ مُبَعْثَّرةٌ، غير مُقْبَضٍ عليها، والآمال جميعها تبدو كلمح آلٍ، إلا أننا نأخذ بالدلالة المتطابقة مع الآية القرآنية ‘وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ’ (الرعد 13 )، حيث شِدَّة العقاب التي تقع على الأشخاص دون تمييز، وكأننا إزاء عقاب جماعي للبشر، لتفريطهم في أنساق القيم التي تحمي، لا فرق بين نسق قيمي مُسْتَمَدٌّ من أعراف عشائرية وقبلية، أو أنساق مُسْتَقَاة من الدين الحنيف، فتمرَّد أبطاله عليها، سواء باختراقها أو استبدال التعصُّب بالتسامح، والكراهية بالمحبَّة، وغيرها من كافة الأنماط التي تجعل من ضيق الأفق والتعصُّب منهجاً، تعادي به المختلف أو المُخَالِف معها في الرأي، وترى في نفسها ‘مُلَّاك الحقيقة’ وما عدا ذلك وجب تطهيره، واجتثاث سوء فكره.2 نحن مع نصٍّ يجادل الواقع، وينفض ركامات الزيف التي اجتاحت العالم أجمع، واتخذها السَّاسة قناعاً للتستُّر على أفعالهم القميئة، ويأخذ من الحادثة التاريخية تفسيراً للتغيُّرات التي لحقت بالشَّخصيات، وأيضاً لعملية الخلخلة والِإحْلالات التى أصابت المجتمع برمته، وبذلك تكتمل ثلاثية الكاتب عن التعصُّب الديني، بكافة صورة دون محاولة قصره على دين دون سواه، ليكشفَ فداحة التأثير الباهظة ليس على أصحاب الدين الواحد، وإنما فداحته على مستوى الإنسانية. ربما أيضاً حُرِمت من شخص أسامة بن لادن صاحب المشروعات الخيرية (كما بدا في أول حياته)، الذي يتحوَّل إلى شخص أثيم يوجع العالم أجمع لا يُفَرِّقُ بين مسلمٍ ومسيحي، ويذهب ضحايا كثيرون لمجرد علاقته بهم حتى ولو كانت من قبيل الصُّدفة كما حدث مع بطل هذه الرواية. أو حتى تضيع نبالة أحلام عبد العال الأبنوبي، المتمثِّلة في شراء بندقية يتفاخر بها كعادة أهله، ليتحوَّل إلى آخر غير الذي عرفه البطل في أول أيامه في أسوان، آخر يعزف عن العمل الذي يغضب الله، ويذهب إلى الصومال وينضم إلى المجاهدين، لمحاربة أعداء الله، هكذا صار واحداً من ملَّاك الحقيقة، يدعو إلى الحاكمية، يُحرِّم السِّياحة، ويكفِّر الفَسَقَة، ولا يَخْدِمُ الكَفَرَةَ، يُسَمِّي التماثيل أصناماً. 3تبدأ الرواية بلسان الراوي الغائب الذي يرصد الحدث عن قربٍ، فهو راوٍ عليم، يسرد عن بطل الرواية مجهول الاسم، والذي يتشابه مع الأبطال الأسطوريين وعلى الأخص سيزيف، يحمل صخرته معه أينما رحل، كأنه قادم من الحكايات القدرية، حيث القدر هو الذي يشكِّل حياته، ويدفعه إلى هذا المصير الغامض، وهو الحالم البسيط، بفتاة نوبية من قبائل المتوكي، يُرْزَقُ منها بكثير من الأولاد، ويعمل ويجتهد، ليبني البيت من الحلال ويجعل فيه حجرة مفتوحة على الشارع، ليجعل منها مكتباً للسياحة، أحلام وآمال يبنيها ابن العشرين، ذو البشرة السَّمْراء، مختلط السّلالة، بين السُّودان ومصر، بحكم أبوه السُّوداني الذي يعيش في أم درمان، ويعمل في الجلود، ومصري بحكم الأم، يدرس في الجامعة قسم الاجتماع، إلا أن النسق القيمي يضطَّره للعمل وهو في سن الدراسة حيث ‘الرجل لابد له من عمله، لأن البقاء بالبيوت شأن النساء، ولا يليق بالرجال التشبه بالنساء’ (ص 11)، فيرحل إلى أسوان، وهنا تبدأ بداية الرِّحلة التي تستمر دون أن يعلم إلى أن ينتهي به المطاف أو حتى متى؟ وكأنه قدر لأبطال زيدان الرحلة والهجرة (لاحظ هحرة الراهب هيبا في عزازيل. وبالمثل هاجرت مارية من بلدتها ‘بيت النملة’ بالقرب من أسيوط، إلى الأنباط بلاد زوجها، في النبطي ). يرحل البطل إلى أسوان، ويلعب القدر دوراً رئيساً في حياته، حيث يسوق القدر له ‘حمدون أبو غابة’ مدير المكتب السِّياحي، ليجدَ له فرصة، ومرة ثانية يسوق القدر له الحاج بلال الصديق القديم لوالده، ليوفر له السكن بهذا البيت المنزوي بجنوب أسوان. يبدأ عمله في السياحة مُشْهِراً نسق القيم الذي يحتمي به، والذي أشهره والده له من قبل، فلا يقرب الأجنبيات التي يرغبن فيه، ويغدقن عليه بالأموال لقضاء ليلة واحدة معه، أو حتى يشرب من هذه الأشياء التي يتجرعها صديقه سهيل العوَّامي. يبدأ القدر في مراوغته ليتغيَّر مسار أحلامه، فَتَقْدِمُ إلى أُسْوان رحلة جامعية من طلاب الأسكندرية، ويكون هو دليلهم، ويسوق القدر له ‘نورا’ تلك الفتاة التي جعلته ينسى حلمه بأن يتزوج من متوكيَّة، فتصبح له أشبه بصخرة سيزيف يحملها دوماً بين أسوان والإسكندرية يراها ضمن الفوج السياحي الذي ينتظره على محطة قطار أسوان، مختلفة عن غيرها من الطلاب، فهي دائماً ممسكة بكتابٍ في يدها، تميل إلى الانزواء بعيداً عن الجماعات أو الهتافات التي اصطخب بها الأتوبيس وهو ينقلهم إلى مكان الإقامة في الفندق. هي مختلفة عنه في كل شيءٍ، هي من الشَّمال وهو من الجنوب، هي بيضاء وهو أسمر، هي متحرِّرة من الأنساق بحكم ثقافتها، أما هو فتشدُّه ثقافة، تَسْتَمِدُّ قوامها من النَّسَقِ الديني والعرفي، ومع هذه المقابلات البادية إلا أن القدر يجمع بينهما بأكثر من رابط: هو حالمٌ وغارقٌ في الأحلام، كذلك هي أحلامها بعرض السَّماء والأرض، هو يدرس في قسم الاجتماع في الجامعة، وهي كذلك، والأهم من ذلك هو وقع في غرامها منذ أن رأى العينين الملونتين، وهي هامت به منذ أن رأت الشعر المفلفل. لقاءٌ وحبٌّ ثم فراق دبَّره القدر، الذي نفسه يجعل الدكتورة هداية المشرفة على الرحلة تنسى ساعتها في الفندق، ويأخذها إليها في الأقصر حيث ينزل الفوج في فندق حورس، وهناك يلتقي نورا مرة ثانية التي ظن أنه ما أن أطلق القطار صافرته لن يراها ثانية، وبالفعل يلتقيان في الأقصر، وهناك يتحرَّر من خجله (وإن كان بعد قليل سيتحرَّر من نسقه القيمي) فيبوح لها بمكنون صدره وبأنه تغيَّر منذ أن رأها، وتجيبه بالمثل، وكأن هناك شيئاً يشدُّ كلاً منهما إلى الآخر، دون أن يعرفا كنهه. فيتشكّل على يديها عالمٌ غير الذي كان يحلم به، وهو يصطاد أسماك البلطي من البحيرة، كما تتبدَّلُ أحلام اليقظة إلى أحلام المخدع، وتحل دوماً فيها نورا كطرف ثانٍ، في مشهد ثابت، يُلَخِّصُ تنامي الحكاية وتطوُّرها، وهما يجلسان في قارب في بحيرة.4حكاية البطل ونورا هي الحكاية الرئيسة، وتأخذ حيزاً كبيراً من السَّرد، بواقع ثلثي الحكاية، وإن كان ثمة حكاية، لما فيها أحداثٌ تُسْتَحَق أن تروى، عن لقاء ٍوحبٍّ وهيامِ وفراقٍ، ومن ثم عذابٍ وانكسارٍ وضياع ٍ، فإنه في المقابل ثمة حكايات لا تقل أهمية عن الحكاية الإطار تستحق أن تروى وتسجل، بل يحرص الراوي الغائب على تسجيلها، لما لها من أهمية في بناء الحبكة، ومن زاوية أخرى لأن جميعها ترتبط ببعض عبر تأثير المدِّ الدينيِّ الذي وصل إلى تعصُّبٍ كما في حكاية ‘عبد العال الأبنوبي’، أو حكاية ‘أسامة بن لادن’ الذي يرصده الراوي منذ أن كان يعمل في المقاولات ويقوم بالأعمال الإصلاحيِّة في السُّودان، إلى أن يتحوَّل الرجل لرقم واحد في العالم، بصناعته الأحداث الملتَّهِبة. أو حتى حكايات تظهر فيها فاعلية النَّسَق القيمي، وكيف يكون العقاب لمن يخترق نسق القيم الفاعل، كحكاية سهيل العوَّامي، مع زوجته التي تتمرَّد على النَّسق بالفعل الشائن مع ابن عم لها. أو حتى حكايات هامشية لكن لها دلالتها على مستوى الواقعي والمرجعي، تُظْهِرُ الاستسلام للقدر وفاجعته، كحكاية زوج محفوظة ابنة الحاج بلال، والذي سافر إلى العراق، دون أن يعلم عنه أحدٌ شيئاً، وقد تَرَكَ خلفه زوجة، وأبناء، فتناثرت الحكايات عنه من قبيل أنه لن يعود لأنه تزوَّج من عراقية باهرة الحُسْن، بيضاء اللون كالحليب، أو لأنه مسجون في سجن سريٍّ داخله مفقودٌ، لكن بعد فترة يعود الزوج في تابوت مع عشرات التوابيت التي جاءت معه، ليشكَّل فاجعة لأهل بيته، فيهجر الحاج بلال البيت بعد أن تحوَّل إلى نحيبٍ، إلى غرفة بجوار سهيل، ليجترا معاً آلامهما وعذاباتهما، وهذه الحكاية، إنْ كانت جاءت هامشية فتشير في ذات الوقت إلى فداحة ما خلَّفته الحرب العراقية ونتائجها الفادحة على المصريين، والعرب عموماً. أو حتى حكاية أمل التي استسلمت لفشلها في الدراسة، فراحت تتنظر الزوج، وجاء لكن بعد طول انتظار. وما بين هذه الحكايات، توجد حكايات وحكايات، وكأن الراوي فتح خزائن حكاياته عن عوالم هنا وهناك، في مصر أو السودان أو الإسكندرية أو الشارقة أو أزوبكستان أو أفغانستان، وصولاً إلى سجن قندهار ومنها غوانتنامو. حكايات قصيرة، وأخرى مبتورة، تأخذنا إلى أماكن مختلفة الطبائع والعادات والثقافات، وكأننا إزاء ضرب من البحث عن المعرفة؛ لكن في مجموعها تتشكَّل الحكاية الإطار، والتي يكون فيها العقاب جامعاً للجميع، حتى ولوكان لمجرد التفكير والاعتراض على النظام الحاكم، كما في حالة شخصية فوَّاز السوري، الذي ناله عقاب الشتات من بلده سورية، المحكوم بنظام بعثي فاشي. 5 يبدأ السَّرد من نقطة متوسطة في الحكاية حيث البطل حالماً، في العشرين من عمره، وتنتهي الحكاية والبطل أسيراً وقد قارب على الأربعين، تطارده الكوابيس المفزعة سواء في الحلم أو في الواقع. والغالب في طبيعة السَّرد أنه سرد تقدُّمي، وإن كان يميل في بعض الأحيان إلى الاسترجاعات لسد هذه الثغرات، التي تكشف لنا وللسرد عن جوانبٍ مجهولةٍ في حياة هذه الشخصيات، وهو ما يعني استبطان الشخصية لذاتها، ومن هذه الاسترجاعات، ما جاء عن نشأت البطل في السُّودان، وعلاقته بشيخه ‘نقطة الأكبريّ’ الذي تعلَّم منه القرآن، ثم حكايته مع أسامة بن لادن وكيف تعرَّف عليه في أثناء إحدى زياراته إلى السُّودان. وأيضاً تعود الاسترجاعات لدى نورا إلى أسرتها في كرموز بالإسكندرية، ووالدها الريفي الأصل وعمله كميكانيكي بشركة الغزل في محرَّم بك، ثم إحالته إلى التقاعد براتب كامل بعد إصابة عملٍ، بُتِرَت على إثرها أصابع يده اليُسرى، وكيف راح يقضى نهاره بلعب الدومينو على المقهى، وتذهب بعض الاسترجاعات إلى صديقتها الأقرب إلى قلبها أمل والتي تناديها بـ ‘أمولة العسُّولة’، وكذلك علاقتها بزوجة أبيها طنط توحة. وكما يرصد الراوي عبر الاسترجاع مَلامحَ بدايات المدِّ الدينيِّ عبر شخصية ‘عبد العال الأبنوبي’. ومع تنامي السَّرد تبدأ الدائرة تضيق على البطل، فضابط أمن الدولة ‘محمد بيه’ راح يضيِّق الخناق عليه، وأراده مرشداً، ونورا تزوجت، والسياحة انضربت بسبب أحداث الأقصر97، ثم إلغاء الإقامة، وإزاء ‘المصائب التي لا تأتي فُرادى’ كما كان يعلِّق الراوي الضمنى الذي يلتحم مع الراوي الغائب، لا يجد مناصاً إلى العودة إلى السودان، وهناك من السودان تمَّ إيجاد فرصة عمل له، ليهاجر إلى الخليج، الإمارات، وهناك يعمل محاسباً، مع رجل سوري فوَّاز يعيش في الشَّارقة، وبسبب أمانته تزداد ثقة صاحب العمل به، فيقرِّبه منه، وقد كانت الشَّركة بصدد عمل مصنع للألبان في أوزبكستان، فيتم الاقتراح عليه بإرساله ليكون المسئول هناك، وبالفعل يذهب إلى أوزبكستان، وهناك يتزوج من ‘مهيرة’ قريبة زوجة ‘فوَّاز’ السُّوري الثانية الطاجيكية، ويعود بها إلى الشَّارقة، ويذهب في رحلات لإرسال أموال لإقامة المصنع، إلا أن القدر يتدخل فيموت صاحب الشركة الخليجي، وأبناؤه يطلبون تصفية الشركة، وبالفعل يعطي له صديقه الذي لقَّبه بأبي بلال مبلغاً ليبدأ مشروعاً به، وراحت الأحلام تراوده بأن يذهب إلى السُّودان ويفتح دكاناً كبيراً، لكن يعرض عليه صديقه العمل كمصَوِّر في قناة الجزيرة في قطر، وبعد إلحاحٍ يقبل الفكرة، وبعد مدَّةٍ من التدريب يذهب إلى أفغانستان ضمن فريق التصوير، حيث الحرب المستعرة بين طالبان والأمريكان. وها هو القدر يسوق إليه ‘أمولة العسُّولة’ التي التقاها في أحد أسواق قطر قبل رحيله إلى أفعانستان، فحكت له عن الهزائم التي مُنِيَتْ بها نورا منذ أن انقطعت العلاقة، وكيف ما إن مات أبوها حتى انتزعت الطلاق من زوجها، الذي طردها من الشَّقة وأبقى زوجة أبيها لزوم المتعة والفرفشة، وقد أنجبت منه بنتاً اسمهتا نورا، وإن كانت في الأصل هي ابنته هو، وكأن القدر يعاقبه على عدم رؤية ابنته، لأنه تخلَّى عنها وعن أمها من قبل، ويعاقبه ثانية بعدم إنجاب زوجته الأوزبكستانية. وفي هذا الجزء تبدو شاعرية السَّرد، ويأخذنا السَّارد في رحلة شيقة ومثيرة فيها من التاريخ والتنوُّع الثقافي، والعادات والتقاليد لهذه الشُّعوب الكثير والمثير، فترصد عين السَّارد التي هنا أشبه بالكاميرا كل ما تراه، من مظاهر البؤس والفقر، وشراسة القتال، وغيرها مما تقع عليه العين. وما أن تم بيعه في مؤمراة خسيسة لرجال المخابرات. يُقْتَاد إلى سجن قندهار؛ ليقدَّم لنا السَّارد لوحة ثرية عن مظاهر التعذيب والاعتقال، وأساليب القهر والإذلال والتنكيل، من اعتداءات بدنية، كالضرب والتقييد والاغتصاب، وانتهكات معنوية كالسُّخرية من الدين والقرآن، وتشبيه الرجال بالنساء، وسحق للذات، وغيرها من ممارسات حقيرة، وفوق هذا كذب الادعاءات عن حقوق الإنسان. وإن كانت في مجملها تتساوى مع جرائم الحرب في الجُرْمِ والعقاب. ثم في آخر الأمر يُقْتَادُ البطل إلى رحلةٍ مجهولة أخرى يكفي الإشارة إلى اسم المكان الذي وصل إليه، لنعرف إلى أيِّ جحيمٍ ساقه القدر هذه المرة، فقد ساقه القدر إلى معسكر غوانتنامو بالقرب من كوبا. وكأن صخرة سيزيف التي يحملها من مكان إلى آخر لا تهدأ إلى أن تقوده إلى الهاوية بلا هوادة.7ينهض السَّرد على التوازي والتعارض، من التوازي المزاوجة بين المتخيَّل الذي هو يُشَكِّلُ الحكاية الإطار، والواقعي المرجعي الذي تستندُ إليه الرِّواية، حيث هناك الكثير من الوقائع والأحداث الحقيقية التي يُسَجِّلُهَا السَّارد الغائب كحادثة اختفاء منصور الكيخيا، المعارض الليبي أثناء زيارته إلى مصر، أو تفجير الشيخ الليبي محمد الخليفي، مع مجموعة من أتباعه مسجد الثورة في أم درمان عام 1994، إلى أحداث البرِّ الغربيِّ في عام 1997، ثم أحداث تدمير الملأ عمر لتمثالين لبوذا بمنطقة ‘باميان’ الخاضعة لنفوذه، ومقتل المجاهد الطاجيكي أحمد شاه مسعود على يد رجلين مسلمين رغم مقاومته للروس ودحرهم، ثم بعدها بيومين يتمُّ تفجير برجي التجارة الأمريكيين في سبتمبر 2001، والقتال في الصومال، والحرب على القاعدة في أفغانستان، ومطاردة القاعدة ورجالها، وغيرها من الأحداث الكبرى التي ارتبطت بفترة المدِّ الدينيِّ الذي تحوَّل في آخر فتراته إلى تعصُّبٍ وغلوٍ، وفي ذات الوقت أسهمت في إعادة تشكيل المنطقة من جديد، وفقاً لسياسة القطب الأوحد. ومن الواقعي المرجعي، أن ثمة أسماءً حقيقة ذات دلالة مرجعية واقعية، تتردد داخل النص وتتجاوزه إلى سياقها التاريخي والثقافي، الذي وجدت فيه، ولا يأتي ذكرها كنوع من الترف أو الحشو السَّردي، أو حتى كدلالة على نوع من المثاقفة يتمتع بها المؤلف، وإنما تأتي لعلاقتها بما لحق بنية الشخصيات على مستوى السرد والواقع من تغييرات من تأثيرها.
أما التعارض، فهو بين زمنَيْن واقع معيش مُنْتَجَة فيه الرواية، وهو الزمن المرجعي الذي تدور فيه أحداث الرواية وهو يبدأ من بداية التسعينيات أي العقد الأخير للألفية الأولى، ويمتد إلى العقد الأول من الألفية الجديدة، وآخر زمن طوبي، نقيض للحاضر في كل شيء، يهرب إليه السَّرد عبر الانفلاتات الزمنية التي تستحضره بإنجازاته الشاهدة كالسد العالي، وآثار الأقصر، وغيرها… كما يشكِّلُ التناص بكافة صوره بنية أساسية في الرواية، من التناص القرآني، والتراث الشِّعري الفصيح والشفاهي. والاقتباس، كما هو الحال، من كتاب ‘تتمة البيان في تاريخ الأفغان’ لجمال الدين الأفغاني، والتناص هنا، ليس محض حلية، وقد يتجاوز كافة أشكال الدلالات من قبل تأكيد مثاقفة الكاتب، أو إحداث المفارقة المطلوبة، وإنما بمثابة إعادة صياغة لعالم لم يتعايش أو يستجب بالقدر المطلوب، إلى رحابة هذا التراث العريق، المتعدِّد المستويات من قرآنٍ حافلٍ بالأخبار عن سوء عاقبة المخترق النسق. ومن شعرٍ فصيح وعامي، مرن يتجاوب ويستوعب رغبات الفرد، وأعراف الجماعة كما هو الحال مع الموَّال الشَّعبي أو المربعات ومن إنجاز مكتوب حافل بالعادات والتقاليد كما هو الحال مع كتاب الأفغاني. ومع كل هذا إلا أننا لم نستوعِب ما منحه لنا هذا التراث من رحابة، ومرونة، وأخذنا نضيّق على أنفسنا، حتى عجزنا عن الانفلات من الدائرة التي ضاقت علينا، ووصلنا إلى ما وصلنا إليه، من تشدُّدٍ وتَعصُّبٍ، وعُنْفٍ وإِرْهَابٍ، وكان كُلُّ هذا بمثابة ما يؤل إلى مِحَالٍ شَديدٍ، من ربِ العبادِ. يبقى لهذا الكاتب، ولنصوصه الحرص على سلامة اللغة، ورصانتها، ما يجعلنا نشيد به وبنصوصه، ومع هذا، ففي ذات الوقت نأمل منه التروَّي في مشاريعه القادمة، ففي الإكثار مضرّة، وفي التدبر حنكة، ولنا في أسطجي الرواية العربية ‘إبراهيم أصلان’ رحمه الله القدوة والمثال في ندرة الإنتاج مع جودة المُنْتَجِ ورصانته وإحكام بنائه.