ابراهيم درويش
حدثني صديقي فيما حدثني عن ذكرياته طالبا في الجامعة الأردنية مطلع الثمانينات من القرن الماضي عن أحداث ذلك العقد. حدثني عن مقتل السادات، وعن الشباب الذين كانوا يهربون من عائلاتهم للمشاركة في الجهاد الأفغاني. حدثني عن الاجتياح الإسرائيلي. عن الحرب العراقية الإيرانية التي قال إنه لم ير منها غير الشاحنات التي كانت تنقل البضائع من ميناء العقبة إلى العراق، وكيف كان أبناء عمومته يحدثونه عن أرباح ‘الشغلة’ لدرجة أن كل واحد كان يريد أن يصبح سائقا لشاحنة. صديقي كان يعيش في صويلح المدينة (القرية) التي سكن الشيشان في حيها الغربي عندما هربوا من فظائع ستالين والثورة البلشفية، ولكن الحي الشرقي عاش مرحلة انتعاش في البناء بسبب تدفق الطلاب الذين كانوا يجدون فيه مكانا قريبا من الجامعة، يمشون إليها أو يركبون الحافلات ‘الميكرو’، وأحيانا التاكسي. تحولت القرية بعد عقود إلى مدينة كبيرة، انتشرت فيها البنايات الإسمنتية. كان الطلاب هم سكان المدينة، وكان في مركز الحي جامعها المعروف ‘عبد الرحمن بن عوف’. قال لي صاحبي إن الشيخ عبد الله عزام، قائد المجاهدين العرب في أفغانستان، كان يصلي فيه حين كان في الجامعة قبل أن تفصله المخابرات ويترك البلاد مسافرا إلى السعودية. لكن الشيخ كان يأتي في الصيف داعيا ومتحدثا عن كرامات الجهاد الافغاني. صديقي قال إنه قبل أن تبدأ أفواج الشباب في التوجه نحو أفغانستان، عايش حدثا كبيرا لم يهتم به الناس العاديون الذين كانوا مشغولين بحفلات وليد توفيق وإعلانات الصحف عن حفلات في الفنادق. لم تكن عمان بعد قد تغيرت أو غيرتها الحروب الكثيرة. الحدث الذي تذكره هو مجزرة حماة حيث ظلت ترافقه قصص الأرامل اللاتي جئن هاربات من هناك قبل أن يسافرن إلى دول الخليج كي يتلقاهن الاقارب أو رجال الخير. خالته همست في أذنه مرة في ابوظبي عن نساء أرامل وأيتام وصلن إلى البلد، لكن ما أدهشني في قصته تلك هي أن ‘حماة’ المدينة لم يسمع بها أحد ولم يقرأ عنها أحد في الاخبار ولم تنشر لها صورة. كنا نعرف أنها مدينة النواعير وجزء من بلاد العرب اوطاني، ولا بد أن صورها احتلت يوما ما غلاف مجلة ‘العربي’ التي كنا ندمن قراءتها هي التي كانت تصدر قبل أن نولد. ماذا حدث في حماة؟ لا أحد يعرف الحقيقة كاملة سوى حقيقة أنها دمرت، رواية صديقي هي أيضا مشوشة، فهو يعيش الآن في بلد أوروبي ونسي الكثير وهو لا يذكر منها إلا ما يهمه ويهم ذاكرته، عندما كان طالبا في الجامعة الاردنية، فقد قال لي انه طيلة أيام المجزرة وأخبارها التي كان يلتقطها من راديو المجاهدين الذي كان وصديقه يلتقطان موجاته من العراق، ظل مشغولا بتوزيع النشرات التي كان يضعها في حقيبة ‘سماسونايت’ صغيرة ويعطيها لمن يعرفه ولا يخشى أن يكون من العيون الكثيرة المنتشرة في طرقات الجامعة. كان يعرف أن معظم من يوزع عليهم المنشورات كانوا يرمونها في سلة النفايات أو يطويها ويضعها في جيبه منتظرا العودة لغرفته كي يحرقها. وحده صديقي كان يعرف ما يحدث، أو هكذا ادعى لي، فقد كان يرافق قادة المجاهدين الذين اجتمعوا في عمان وسمح لهم الاردن بالعمل بسبب التوتر الذي حصل بين البلدين في تلك الفترة. كان يرافقهم وينقلهم من مكان إلى اخر، بل وكان يذهب مع بعضهم إلى الجامع لصلاة الجمعة ولم يكن يعرف كيف سيتصرف لو تعرض صاحبه لهجوم من أزلام النظام السوري. كان صديقي كما أخبرني محظوظا إذ لم يتعرض واحد منهم لهجوم، والقضية في حماة لم تدم طويلا فقد اختفى فجأة كل المجاهدين واختفت مجلة الطليعة المقاتلة (ليس متأكدا من اسمها) ولم يعد يسمع دعوات زعيم الإخوان، عدنان سعد الدين أهل دمشق للإضراب العام ضد نظام حافظ الاسد تماما كما فعلوا اثناء الاحتلال الفرنسي. يقول صاحبي إن الأقوال عن قرب موت حافظ الاسد اختفت هي أيضا. قيل له يومها إنه كان في غيبوبة، ولم يعد يستمع إلى أناشيد ‘أبو الجود’ أو ‘أبو دجانة’. يبدو صديقي وهو يسترجع أحداث تلك الفترة كأنه عاشها بكل كيانه، وتصرف وكأن العالم حوله كان يعايشها معه. وما يثير في روايته فكرة الخيبة، خيبة الأمل، وشعورا بالخيانة، فبعد كل الانتظار يكتشف صديقي وهذا ما قاله إن كل ما عاشه كان وهما، وإن كل أدعيته وشجونه تبددت في غيمة ثقيلة كانت تعبر سماء عمان في شتائها الكئيب. أية خيبة وخيانة، فما دخل صاحبي، مدينة دمرت على مدى أيام أو أسابيع على يد سرايا الدفاع والآلاف من أهلها قتلوا أو شردوا، فماذا كان عساه أن يفعل، فهو ليس مقاتلا أو مجاهدا بلغة تلك الايام، بل مجرد طالب فقير يحاول النجاة في زمن صعب. أسئلتي، بل وقل دهشتي زالت عندما قال لي إنه كان يحضِّر نفسه للذهاب إلى حماة والدفاع عنها. كيف؟ لم يكن هو نفسه يعرف، لكنه و’إخوته’ من الطلاب في حينه، كانوا طوال الليل في حالة قيام وتهجد يدعون الله أن ينصر المجاهدين في المدينة. معظمهم كان صادقا عندما سئل إن كان مستعدا للذهاب إلى سورية للدفاع عن حماة، هو نفسه لم يكن متأكدا من نوازعه ومشاعره، صديقه الذي ذهب لليمن بعد ذلك صدق الأمر، وظل ينتظر ركوب الحافلات التي كانت ستقلهم نحو حماة عبر الحدود مع الأردن. في تلك الفترة لم يقل لهم أحد كيف ستعبر الحافلات المحملة بالمجاهدين الحدود بدون أسلحة، وكيف سيصلون إلى حماة وهو لم يخرج ولو مرة واحدة من عمان، بل وحتى للعمرة التي كان يتسابق الشباب عليها كلما كانت هناك فرصة للذهاب. هو نفسه ورغم نوازعه المتضاربة ظن أن باصات ستحضر في ليلة معينة وستنقلهم إلى سورية، انتظر الشباب أياما وأياما ولم تأت الحافلات أو ‘الباصات’. كان يعرف أنها لن تحضر فقد شاهد اختفاء الجماعة، وسكت صوت الراديو ولم تعد هناك منشورات وخفتت أصوات المنشدين، ومع ذلك صدق لعبة الباصات التي ستأتي بعد قليل. هل كانت لعبة، حيلة أم اختبارا لفحص الطاعة في التنظيم سأل نفسه. يوما بعد يوم خفت ليالي القيام، ويوما بعد يوم عادت الحياة إلى ما كانت عليه. بالنسبة إليه، فالحياة حوله لم تتوقف عجلتها لتعود وتعمل، لكنه ورغم كل هذا لم يكن قادرا على التخلص من حس الانتظار، انتظار وصول الحافلات. وفي يوم من الأيام جاءت الحافلة فعلا، لكنها توجهت به جنوبا للغور وليس للشمال. قال في نفسه ربما هذه حيلة وستقوم الحافلة بالالتفاف شمالا، لكن الحافلة واصلت طريقها متوغلة في الغور وتوقفت في مزرعة واجتمع الشباب للاستماع لمحاضرة حول كتاب عن التحالف السياسي في الاسلامي، ما معنى هذا، يجوز للحركة الإسلامية التحالف مع أحزاب علمانية لإسقاط أنظمة ديكتاتورية. لقد تحالف المجاهدون مع المعارضة السورية في باريس، لم يفهم نفسه سبب الرحلة، وقضاء يوم لمناقشة كتاب لم يكن يدخل حيز اهتماماته لأنه وآخرين ظلوا ينتظرون الحافلات لتنقلهم شمالا.. ومنذ ثلاثين عاما وهو يفكر بالحافلات. ثلاثون عاما مضت على المجزرة إذن وهو ما زال ينتظر. قبل أيام بعث لي صاحبي رسالة قال لي فيها، إنه وهو يتابع إحياء السوريين لجمعة ‘عذرا حماة… سامحينا’، أحسَّ أن سيركب عما قريب حافلة ويزور المدينة بعد تحريرها. هناك سيقبل النواعير، ويحكي لها عن ذكرياته القديمة، ويعتذر إليها عن غيابه الطويل.