سردية الطفولة القلقة

حجم الخط
0

قراءة في رواية ‘حلم الليلة الأولى’ لليلى العثمانعبد الرحمن التمارةلم تقو مقاربة النوع على استنبات المبدعة الروائية في حقل الإبداع الروائي، إذا لم تتوفر شروط الإبداعية. لذلك يبقى المدخل الجنسي (ذكر، أنثى) ضعيفا في حيازة صفة الكتابة، أو سمة الروائية في سياقنا هنا، لأنها صفة تكتسبها الذات المبدعة بإنتاجها النوعي. لهذا يظل الرهان على تجويد الخلق الفني، وإتقان الصنعة الروائية أمرا هاما في حيازة صفة ‘روائية’؛ بوصفها صفة تفرضها النصوص الروائية بعوالمها الدالة، وأبنيتها الخطابية والفنية واللغوية.

يدفع القول السابق إلى التفكير في القاصة والروائية الكويتية ليلى العثمان، بوصفها مبدعة فذة وإبداعها جدير بالتقدير. اجتهدت ليلى العثمان وسكنتها روح الكشف ومحاورة المسكوت عنه في الواقع المجتمعي الكويتي والعربي المعيش. لكن اجتهادها في إنارة المظلم في ذلك الواقع بجماليات السرد الطويل (الرواية) والسرد القصير (القصة) أيقظ أصوات معاداة التنوير، ومجابهة التغيير ومحاولة منعه. وهذا ما قادها ‘للمحاكمة’ على ما تكتبه من سرود. إنها ‘المحاكمة’ التي حاولت وأد الإبداع وإلغاء التفكير، لكنها محاولة باءت بالفشل، لأنها أيقظت روحا شهرزادية قوية؛ حيث غدا السرد، الروائي هنا، حافزا لمواصلة الإبداع، ومنطلقا للانبعاث من رماد الاحتراق النفسي جراء إعلان ‘المحاكمة’. لهذا إذا كانت ‘شهرزاد’ قديما قد حكت كي تحقق الحياة وتواجه الموت الحتمي، فإن ليلى العثمان قد كتب رواياتها كي تحافظ على وضعها الاعتباري ككاتبة، وتلتقط قضايا مثيرة في مجتمعها، وبالتالي تداري موتها الرمزي إذا ما توقفت عن الكتابة. فما هي المرجعية المؤطرة للمنجز الروائي ‘حلم الليلة الأولى’ للمبدعة الكويتية ليلى العثمان؟ وما هي الدلالات المتولّدة من هذه المرجعية؟

تقول الساردة في رواية ‘المحاكمة’ للروائية الكويتية ليلى العثمان ما يلي: ‘سلّمت للأستاذ عماد السيف مهمّة الدفاع عنيّ، وبعد أسابيع أبلغني أن ملف القضية قد أغلق. إسترحت. سافرت وعدت لأواصل الكتابة في روايتي الجديدة (العصعص). مضمونها ولغتها فيها جرأة قد تثير عليّ عواصف جديدة’ . يمكننا ان نشتق من هذا المقطع السردي ثلاث دلالات على الأقل: الدلالة الأولى محورها المسافة الشاسعة التي يحاول كل مبدعة حقيقية ومبدع نوعي يتخذها من كلّ ما يعكّر صفو الحياة الطبيعية، مما ينعكس سلبا على الأداء الكتابي والفعل الإبداعي؛ لأنه يتطلب استقرارا اجتماعيا، وإشراقا فكريا، وارتياحا نفسيا، ألم يقل الروائي الأمريكي ‘إرنيست همنغواي’: ‘القلق يدمّر القدرة على الكتابة’. والدلالة الثانية أساسها الطابع التمرّدي الذي تؤسسه الكتابة، بوصفها فعلا قادرا على العبث بأي استسلام محتمل، لأنها ترسخ قناعات وتثبت مواقف، مما يفرض لزوما التحدي المحكوم برغبة تحقيق ظفر مرتقب (عدت لأواصل الكتابة). والدلالة الثالثة مركزها التفكير في ‘قراء’ النص الروائي، خاصة القارئ الذي ينبني تفكيره على منطق المصادرة لا المحاورة؛ باعتبارها مصادرة لا تتأسس على منطلقات فينة ودلالية وجمالية، وإنما على خلفية دينية أخلاقية تعادي الفن والإبداع مسبقا، مما يولد الخوف في نفسية المبدعة التي لا طاقة لها لمواجهة أعداء التنوير.

يمكننا أن نفهم تأثير ‘القارئ’ على المبدعة ليلى العثمان من خلال فعل التحويل الذي مارسته على عتبة النص الروائي (العنوان الموضوعاتي)؛ حيث جعلت عنوان روايتها ‘حلم الليلة الأولى’، بعدما كان في الأصل ‘العصعص’، وهو عنوان أبلغ تعبيرا من الأول، في تقديرنا على الأقل. فما هي المرجعية المؤطرة لرواية ‘حلم الليلة الأولى’، أو ‘العصعص’ سابقا؟ وما هي الأبعاد الدلالية والجمالية المتولّدة من هذه المرجعية؟

تؤطر المرجعية الأسرية رواية ‘حلم الليلة الأولى’، حيث تدور أحداثها في سياق اجتماعي قوامه المحيط الأسري والعائلي لشخصية ‘معيوف جاسم عبد الرحمن جاسم’، وزوجته ‘عائشة’ العاقر، وأخته ‘نورة’، وزوجته الثانية ‘سعاد’ وأبنائها ‘جسّوم’ و’وضحة’ و’سلّوم’، والمقربين والجيران خاصة ‘فطّوم’ وأمها. أسرة ناجحة، وواقع معطوب. طفل ثائر وقلق، ومحيط ينفر منه ويحاول توجيهه، فبالرغم من شقاوة الطفل ‘سلّوم’ ‘قطّاع العصاعص’، فإن الأسرة تعنّفه حينا، وتعتزّ به حينا آخر.

تنبثق من المرجعية المعروضة نصيا، إذا، دلالات متنوعة ومتعددة، يمكن مقاربيها في مستويين دلاليين:

يتحدد المستوى الأول في دلالة ‘العصاعص’ التي يعمل ‘سلّوم’ على قطعها وبترها، مما يتطلب مساءلة سياقها الرمزي نفسيا وفكريا، خاصة وأنها صارت عادةً بدأت تخلخل ‘الذات’ النصيّة ومحيطها الخاص (الأسرة) والعام (الجيران والمحيط). لهذا، تتولّد من المرجعية النصية لرواية ‘حلم الليلة الأولى’ معالم التداخل بين الطفولة والأسرة؛ باعتبار الأولى لحظة وفعلا، وبوصف الثانية فضاء ونظاما. تخرق الأولى المواضعات، وتسخر من ثبات الأوضاع القائمة على الغشّ والخداع، سلاحها البراءة والعفوية. هكذا، يصير قطع عصاعص القطة والكلبة، ومحاولة بتر عصاعص الفرس والبقرة، مشاريع تمرّد تساوي بين صناعة الانتقام والأذى، وبين فلسفة الإصلاح والتحرير.

تتجلى في المستوى الدلالي المرتبط بصناعة الأذى معالم العبث الطفولي، حيث يتمّ تصريف القلق النفسي في هيئة ذات تقتصّ من الآخرين (الحيوانات هنا)، وذلك استجابة لعقد نفسية تبلورت لدى الطفل في لحظة مفاجئة. وكأن فعل بتر العصاعص هو امتثال لإرادة تخليص الأسرة، ممثلة في الأب، من إثم اقترن بها، وخضوع لرغبة داخلية في تقمص دور الطفل ـ البطل الذي يأخذ بمقولات تطهير الأسرة من ‘الزوائد’ التي يمكنها أن تدمّر الاستقرار الأسري، وتهدّد كيانه. يقول السارد في الرواية ما يأتي: ‘.. واصلت كلامها لسلّوم: -بسّ ودّي أعرف ما قصتك مع العصاعص؟

نفخ:- ما أحبّها.-لا تحبها. لكن لا تقصها وتؤلم البهائم.

دقّ على ركبتيه بإصرار: -ليش عندهم عصاعص؟ سأقصها.

ضحكت وضحة [و] قالت: -الله خلقهم بها الشكل.

ثار بوجهها:- الله يسوي وانا أقص. ولو طلع لك عصعص مثلهم سأقصه. ارتعدت.. وبّخته أمه:-عيب.. لا تقول لأختك هذا الكلام’ . ويقول السارد في مقطع سردي آخر: ‘تلك الليلة بحدثها قد تكون السبب الذي حفر بذهن الصغير الصورة الأولى التي شكّلت عقدة ضد الذيول.-هل تذكر يا معيوف؟-أذكر.-.. صرت أتأملك، شبكت ذراعيك خلف عنقك وبدأ ت تستدير شمالا ويمينا وجسدك العاري أغراني بك…-فتحت ساقي باتساعهما. بدأت أنحني وأصعد لمرات عديدة.-كان ضوء الغرفة الخافت يضاعف حجم ظلك…-كنت أعطي ظهري لباب الغرفة مطمئنا أن لا عين تراني غير عينيك الرائعتين..- حدثت المفاجأة حين دفع سلّوم الباب ودخل. هممت لأحوش عينيه عنك لكنهما سبقتاني وصرخ. (أبوي طلع له عصعص)-(…) -كان الزبد يملأ ثغره ويتقاذف منه، عيناه غارتا وكأن أصابع شدّتها إلى المحجرين، أنفه يتصبب وبوله يتناثر. ما إن قبضت عليه حتى كاد يجنّ. صرخ بي (وخّر عني، ما أحبك عندك عصعص).- كانت ليلة الخوف الاولى التي أسهتنا وحيرتنا كيف نعالج الأمر؟… -لم يكن سهلا إقناع طفل أن الذي رآه بأم العين مجرد حلم. ظل يصرخ ويصرّ أنه رأى ‘عصعصك’.’… يتضّح أن معالم الانتقام ذات جذور نفسية، وهو ما يعبر عنه بقوة المقطع السردي السابق، حيث يتغدى الوهم لدى الطفل بتحول غرائبي للأب، مما يحتم مقاطعته والنفور منه، كونه صار كائنا حيوانيا بـ’عصعص’ يثير الريبة، ويخرج الإنسان (الأب هنا) من دائرة الكائنات البشرية، ويُدخله في خانة الكائنات الحيوانية. لهذا تكون الكثير من مشاريع التمرد الطفولي وليدة سياق أسري وتأثر نفسي، حيث يعبّر القلق نظريا عن اختلال حامل لبعدين: البعد الأول أساسه القوة، لأنه يصير قلقا يجعل ‘الذات’ تبني شخصيتها بمنطق الثأر، والاحتكام لمقتضيات التحدي والمواجهة. والبعد الثاني قوامه الضّعف، لأنه يغدو قلقا يحول ‘الذات’ الإنسانية إلى كائن هشّ وضعيف، وقابل ‘للكسر’ من لدن حوادث بسيطة. وبهذا يعادل ‘الطفل’ سلّوم في النص الروائي شخصية ‘إيدا’ عند ‘شارل بودوان’ الذي قدمها نموذجا تمثيليا لشرح وتوضيح مفهوم ‘التصعيد’ الفرويدي.

وتظهر في المستوى الدلالي المتصل بفلسفة الإصلاح والتحرير معالم ‘إنسان’ يتجاوز نزقيته وعقدة العصاعص، إلى كائن بشري يوجّه من هُم أعلى منه، أو يوحي لهم، على الأقل، بضرورة إدراك جوهر الفعل الطفولي وعمقه. لهذا يظهر ‘سلّوم’ في النص الروائي ‘حلم الليلة الأولى’ طفلا يمتلك فضائل البطل الثائر من جهة، وخصائص الإنسان العميق الأفكار من جهة ثانية. هكذا، تتجاوز رمزية منبت الذيل (العصعص) عند ‘سلوّم’ طابعها الأداتي الفاصل بين عالم السموّ الإنساني وعالم الدونية الحيواني، فتصير أداة جامعة بين حرية الإنسان وتبعيته للآخرين، وبين إرادة المبادرة الخاصة الثابتة تميّز ‘الذات’ في محيط تحركها وفعلها، وبين الانبطاح المفضي لتبعية مقيتة. إن الحركية الفعلية للإنسان، حسب رمزية الذيل في النص، مفتوحة على اتجاهين: اتجاه الذلّ الذي ينتهي بالتبعية والعبودية، واتجاه العزّ الذي يفضي للاستقلالية والسيادة. يقول السارد في الرواية: ‘في هدأة الظهيرة لم تُغمض عين معيوف. كان قلبه هو الآخر يغوص بالحزن، وعقله سارحا يفكر بمشاعر ولده التي استفزها تحيّز المدرّس وقسوة الناظر، ورغم استيائه من فعلة ولده [سلّوم] لم يغالط نفسه أنه معجب به، بذكائه، بتفكيره الأكبر من سنواته، ولأول مرة يجد نفسه مساقا للتفكير بأحوال البشر.. غير أفعال الرجال استعرض بعض مواقفه في الغش والكذب وشهادة الزور في المحاكم لصالح الكبار من المتنفذين، وتغيير الأقوال نفاقا وتقربا.)أفّ. كلّ الدنيا صايرة عصاعص من أجل المصلحة. عصاعص من أجل المال، عصاعص لأجل اللّذات الحرام، آخ.. لو يدرك سلّوم الأسرار، هل كان سيقطع دوابرهم بعد أن ملّ من عصاعص البهائم؟(‘. من هنا، تؤسس الذات الطّفلية القلقة الثائرة لثقافة التمرد، وفكر الانتصار للمبادئ الحقّة والقيّم النبيلة. يظهر هذا حينما يتخذ الطفل البطل ‘سلّوم’ ثقافة الفضح مبدأ لمواجهة أي فكر أو فعل أو سلوك منحرف، لأنها ثقافة تُعدّ جزءا أساسيا في التركيب الماهوي للشخصية النصيّة. إنه طفل- بطل لا يجثث ‘العصاعص’ بناء على رغبة الانتقام والاستجابة لمكبوت داخلي، بل يجثث كلّ فعل لا يعكس فضيلة الالتزام بالمبادئ الفاضلة والقيم الإنسانية النبيلة. وهذا ما تعكسه أفعال الطفل ‘سلّوم’ الآتية:-قيادة أعمى، أو مساعدة عجوز. -مساعدة البنات في طريق المدرسة، وإبعاد ‘الأولاد الشياطين عنهن’ .- فضح غشّ البائعين أمام المشترين. -فضح بائع في سوق الغنم حاول استبدال خروف سليم بآخر مريض لشخص اشتراه منه.- إبداء الرغبة القوية في خوض الحرب إلى جانب الفلسطينيين كي يعودوا لوطنهم. … إلخ.

يتجلى الطفل البطل، إذا، ذاتا متمفصلة إلى عالمين: العالم الأول تحكمه جمالية الشقاوة التي تنبثق من التركيبة النفسية والاجتماعية للطفل، مما يتطلب مراقبة وتوجيها له. والعالم الثاني تؤطره جمالية العمق الذي يتصل بعمق أفكار الطفل البطل الداعية لتجاوز الصورة النمطية عن ‘الإنسانالطفل’، لأنه يظهر طفلا باحثا عن قيّم مفتقدة في عالم ‘الكبار’. وبذلك تكون الروائية ‘ليلى العثمان’ قد عملت على كشف الصورة الغائبة والمسكوت عنها والغامضة للطفولة البشرية بمدخلين دلالي وجمالي، ألم يقل الروائي الأمريكي ‘جون شتاينبك’ ‘إن الكاتب يحاول أن يشرح ما لا يمكن شرحه’ ؟ لم تبق رواية ‘حلم الليلة الاولى’ حبيسة المرجعية الطفولية، كما شخصها الطفل البطل ‘سلّوم’ بامتداداته الرمزية، لكنها تنوعت بين مرجعيات نصية جزئية مؤطرة ضمن المرجعية الكبرى وهي المرجعية الأسرية.

إنها مرجعية انفتحت على نظام العلاقات الأسرية، القائم على التخطيط لتأسيس أسرة، باعتباره فعلا ومسارا تؤطره مقولات متنوعة: التفاهم، والودّ، والتعايش، والحب.. إلخ. إنها المقولات الرومانسية والقيمية التي يحتكم إليها أي تنظيم مشترك لا يؤمن بالاستجابة لأي انكسار (عقم الزوجة الأولى عائشة وموتها احتراقا في النص)، وإنما يحتكم للعزيمة والطموح والتحدي الذي يجعل ‘الذات’ الإنسانية تواجه الحياة بمنطق العشاق المليء بروح معنوية قادرة على ضخّ الحيوية في الحياة (رمزية زواج معيوف من سعاد). لهذا كان تركيزنا على قضية الطفولة ورمزية ‘العصاعص’ نابعا من قناعة فكرية وفنية مفادها: إن المرجعية الطفلية هي المهيمنة نصيا، ومؤطرة بمرجعية عامة للرواية هي المرجعية الأسرية. ناقد أدبي- المغرب [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية