أسامة عرابيعبر أسفاره الشعرية العشرة (مسجل مستعجل من سيناء 1974 .. ست الحزن والجمال 1980 .. 3 مرايات على جمرة 1990 .. تعاشيق مصرية 1991 .. براويز الأنثى 1994 .. تحولات الخروج من الدواير المثلثة 1996 .. أرابيسك 1997 .. فهارس البياض 1997 .. طلعت أدب.. نزلت أدب شعر للأطفال 1997 .. رباعية القاهرة 2006 ). يقدم لنا شاعرالعامية المصري الكبير ماجد يوسف (رئيس قناة التنوير المغدورة التي أغلقها نظام مبارك لصالح القناة الثقافية التي رأسها جمال الشاعر الذي حضر دورة إعداد القادة في أمريكا، ويمول أحد برامجه تاجر السيراميك محمد أبو العينين الداعم الكبير لمشروع توريث الحكم لجمال مبارك) يقدم مشروعا شعريا ممتدا ومفتوحا على مستقبل دائم التغير والتقلُّب، يجسد قدرة الإنسان على الانعتاق من إطاره الفردي المنغلق، وتناغمه مع حركية الحياة المسكونة بالمغايرة والاختلاف، والانتماء إلى أفق مجدول بإرادة التحرر من كل الإكراهات التي لا تعلو بالنص الأدبي إلى مستوى الحقيقة الأخيرة.. ومن ثم؛ تقديم تجربة تعي موقعها من الزمن، وتصوغ فهمها للحاضر من إدراكها ماهية صيرورته. لهذا يحثنا نص ماجد يوسف على أداء ما له من استحقاقات متنوعة، تتمثل في دراسته والكشف عن فضائه التعددي الذي يمنحه ملموسية مختلفة في كل قراءة، على نحو ما تذكرنا به الأسطر التي اختارها كونراد من نوفاليس ليبدأ بها روايته ‘لورد جيم’: ‘من المؤكد أن اقتناعي سيحصل على دعم لا حدود له في اللحظة التي تؤمن به روح أخرى’ .. وهو ما يؤكد على دور الفعالية في تقديم اكتشافات جديدة وفهم مستمر.
ينطلق ماجد يوسف من مفهوم جمالي يستبين العلاقات التي نقيمها مع العالم والتاريخ، مؤكدا على درس إيمانويل كانط في حيوية الخروج من عزلة التجربة الفردية.. الذاتية، وفتح هذه التجربة على نطاقها الأكبر في إطار المصالحة بين الفن والفلسفة.. عندئذ يتكشف الفن مثل سؤال الفلسفة الأساس.
وانا الحد اللي مش فاصلوانا النصل اللي مش واصلوانا والدهشة _ من يومنا _ توائم روحعيوني أسئلة حيةوشعري إرهاصات بالبوحوهنا يتبدى لنا ‘الجميل’ بمعناه الشاسع العصي على القولبة والتحديد؛ ليشمل الحساسية والتخيل والشعور والذوق والسامي والرغبات والذاكرة؛ ليتعين بمعاييره الخاصة، وتستحيل فيه المواضعات إلى تحديات معرضة لانتهاكات متوالية، وعلى نحو يتيح فتح المسار صوب مغامرة الحداثة نفسها بفضل انكشاف الأوهام؛ ليصبح الفن التبدي الأبرز لاستقلالية الفرد وحريته في التفكير.
منين ما بتروح للسؤالمنين ما تتخيل حاجاتفيه ألف مليون احتمالبيملوا روحك كائناتوبذلك ينقلنا ماجد يوسف بروح إغريقية من الدهشة إلى الاستفهام والتساؤل، معتمدا على قوته البرهانية الذاتية، في بحثه خلف مظاهر الأمور، وما تتمتع به من قوة الحياة؛ من أجل خلخلة المفاهيم وتفكيكها، ورفض الفكر الوثوقي الذي لا يتناغم وروح التمرد والإبداع المميزة لممارسة الفن.
عين اليقين الشكعين الوجود العدمعين الحياة الموتواللذة عين الألم. . . يا لؤلؤي المكنونياحور عيون الخيالالشك هُوَّ القانونأما اليقين فاحتمالوبذلك يشركنا الشاعر معه في رحلة بحثه عن الجوهر المتواري خلف الأعراض، عبر مغامرته الوجودية باتجاه المجهول، وحدوسه بالغة الهشاشة، ورؤيويته التي تفغم قدرته التعبيرية، وأسئلة الوعي والكينونة والأشكال المتخيلة والعلاقات الجمالية.
مين اللي علمنيرقص السحاب في الريحوصقفة الموجةوالغصن بان لمَّا يميس ف الروحوحلاوة المفتوح بدون نهاياتورعشة الموضوع أمام الذاتوقلة الحيلة مع الجمال الحروالامتثال للحسن باهيف قبضة من طمي العيونقصاد فجاجة الدرمين اللي علمنيمين اللي علمنيالغُنا على أصول شعبيخارج نطاق السورهِيّ القواعد عمرها حرّكت عصفور؟
الأمر الذي أضاف إلى شعر ماجد يوسف بعدا تشكيليا( له دراسة مهمة عن الفنان التشكيلي مصطفى مهدي) يؤكده تعدد طبقات الضوء في قصائده التي تنهض على فهم عميق لبنية اللوحة والمنظور، والتقابل الحاد بين النور والظل، وحرية اللمسات التي تتسم بالجرأة والاندفاع، والإنصات إلى الهمس الداخلي.
الضوء أضلاع بياضبيضوي في السقوفوبيلمع في المخاضوبيجري ع البلاطتِكعِّبه المرايه على شكل مربعات. . . الصور لحم الخلاياوالعروق لغة المراياوانحلال الوعي دايرهبواباتها بدون نهايهالانفلات مخ التجردوالمروق هوس البصيرةعمِّدوني في التفردوافتحوا قبر السريرةلذلك نلمح في شعره تجنبا للغنائيات الزخرفية وللثرثرة اللونية، واحتفاء بنبض لمسة الفرشاة وهي تتنوع بتنوع مثيره الجمالي، وبالدفء اللوني، وحيوية الحركة والانتقالات واصطياد التعبير العابر، والدعوة إلى التواصل مع الحقائق الجميلة والبسيطة.
الشرقي باين في السلويتكأنه جوا الأوضه ماكيتكأنه فوق الأرض موكيتعليها فازه من الصيني. . . . … والخط مايل رقعه ونسخوالحرف بيولِّد مخاليقفيهم شبه من إنس وجنواللي بيشبه طفل بريءواللي بيشبه فعلًا مسخوحروف بتتشابك عناقيدمليانه بغرابه وتعقيدوشجر كأنه إيدين الناسمرفوعه للمجهول باكيهصفّوا الخيام تحت الباكيهوبذلك نرى عند شاعرنا تلخيصات موحية للأشكال المرئية تتألق فيها قدراته على صياغة التكوينات والتفاصيل السردية والملامس المتنوعة، والحرية في التعامل مع الحركة المستكنة داخل الأشياء ليخلق منها حوارا بين الساكن والمتحرك. انظر إلى هذه اللوحة البديعة التي يصف فيها جماليات العطفة الشعبية وخاماتها الفريدة.
والعطفه بترقرق شجن ع النحاسوالعاج بيشرب ريحة الشيشهويردهاله الخشبتحفايه ليها العجب ف يوم دخول العرايسوالصينيه بتيجي بالدقدقهوالرقه ف التحسيس براس الشاكوشعلى كل تنيه ف جسمها الملفوفمن بطنها طالعه الزخارف ألوفبدندنات الكفوفونمنمات الدفوفمن كل نقش ملعلعه الزغروطهمظبوطه بالمللي ومتسلطنهعلى شوق أمومه أو أبوّه وضناوالعين بكت من تسبيحات القدرهشفت الجمال بعنيا طارح خضرهمن هنا جمعت لوحته هذه بين السرد الشاعري المتوهج، وبين التحليق الذهني المجرد، واستجلاء اللحظة المشحونة بكثافتها الملمسية وتناسلها في تدرج موسيقي يغوينا بالدخول في حالة تعبيرية دافئة تنصت إلى همهمة المادة ورشاقتها المداعبة، ونبرتها الخافتة المثيرة للدهشة والتأمل.
بيد أن ماجد يوسف نجح في استلهام الموروث الشعبي، محتفيا بجانبه الجمالي، وتوظيف وحداته ببراعة، واستكشاف عالمه الأسطوري وجسارة خياله، على نحو ما نطالعه مثلا في قصيدة ‘ مقلوب الآيه’. يموت الزمّارويموت المزماروعروسة الموالف النيل الحمّالبتقب وتغطسيا صوتي الرحّالاجمع لي الحنةرشرش ع الأساطيرعصافير الجنةالملح ف منديلمبدور ع الساحةوارقص ف سبوعكللحرف الواحهلفلف ع النخلاتشَعر الجنياتوهنا تتبدى رشاقته ورقته وأقواسه المموسقة التي تحفظ للشكل حيويته وغلالته الشعبية التي تذوِّب كل العناصر ببساطتها الآسرة في مشهدها الطبيعي من دون إقحام ولا افتعال. ومن ثم؛ تعبر لوحاته الشعبية عن انحياز إلى البسطاء وغمار الناس بحزنهم الشفيف وذكائهم الفطري، مع خلق مناخ ضوئي عام يؤكد الترابط المشهدي.
واما العيال بتتولد ف الحواريمن القلل والمشربيات والعيون الجواريبصمات إيديهم بتبقى عشق وفنوكفهم حنّانله معجزات ف البيانبس الزمان لو طريوالعشق لو طازهيبقى المكان عبقرييبقى الوجود مصريتلقى الجمال غنّاجوالحس عالي المزاجبالنقرشه ع الزجاجوالزخرفه بالنساوبذلك تسهم اللوحة ـ القصيدة في فتح دروب متشابكة لا تسمح بالتوقف عند جزء من أجزاء الصورة؛ لكي يمتع العين ويمنحها فرصة التأمل، وأن تحب في صمت! مما دفعه، ربما، إلى إهداء قصيدة ‘التراتيل’ إلى: روح الفنان المصري عبد الهادي الجزار الذي اهتم بالتراث الشعبي وعوالمه الأسطورية التي تجمع بين العيني والمجرد.. بين الروحي والمادي.. بين الإنسان وسائر مظاهر الحياة.. ومحاولاته الكشف عن ذلك النزوع الميثولوجي الثاوي في أعماق الإنسان ويجد تجسده في ظواهر يسبغ عليها العقل الجمعي طابعا إعجازيا وبعدا ماورائيا.. وهنا يلتقي ماجد يوسف مع عبد الهادي الجزار في استثمار الموروث الشفاهي لالتقاط ذلك الحدس الخلاق، والإدراك الباطني للمقدس والفائق والمدهش (فما دامت الأسطورة باعتبارها ميلا ونزوعا تعمل كخميرة لكل أشكال التعبير الفني، وتضع بين أيدينا منظارا ملونا يعيد البهجة والمعنى إلى الحياة، فإن باستطاعتنا الركون إليها باعتبارها مصدرا إيجابيا في إنتاج الثقافة واستهلاكها) على حد تعبير الباحث السوري فراس السواح.
رحلة النجم: النجم شارب من قرار البيرطالع في جوف القله ع الشباكمدقوق على زنديني مثل الهمومحنطاه ‘ المَرَه’ فوق الحجاب حارسومعلقاه كردان لافف على جيدهاومحضراه حلقان للولد لو ييجيومقعداه ع الدارومشرباه النار.. لجلن يزيد الضوومعلماه السحر والعجن والتعديدومحفضاه قرآنومفهماه ـ في الخلا ـ على لعبة النسوان.. وعلى هذا النحو، تتوزع لوحات القصيدة ما بين المرأة والرجل، والأرض والمغني، والنجم والفلاح، راسما لنا من خلالها أنطولوجيا جديدة تستبطن العلاقات بين الإنسان ـ الوعي، والعالم ـ المادة، عبرصور ومشاهد تخترق البنية الرمزية للأسطورة، ودورها في حياة الناس والمجتمع؛ لينزع عنها ـفي التحليل الأخير ـ غلالتها الميثولوجية، ويكشف طبيعتها المجافية للعقل والعلم، واستخدامها في ترسيخ الاستبداد السياسي للنظم التوتاليتارية.
طرح العرق موال والساقيه لم نامتما جتش لسه عيال بس البطون شالتوهنا تتجلى لنا قدرة ماجد يوسف على توظيف الأشكال الشعرية وفنونها القولية المختلفة من موال ومقطوعات ورباعيات وزجل، وإغنائها برؤى وأفكار كبيرة لها القوة الكافية على طرح الأسئلة، ومحاورة قلقه الوجودي.
وكأنه لسه دخانما دخلش حد الطينوكأنه لسه كيانبين الغياب والدمبين الخيال واللحمبين الوجود الحقيقيأو الوجود بالرسمـ من قصيدة الأعراف ـأو قوله:
من باب لباب داخلينمن باب لباب خارجينالحق والسكينوالغايب المسكينوالظلم والهرطقهوالزندقه والدينـ من قصيدة باب الخلق ـبيد أن من السمات اللافتة في شعره، تلكم البنية السردية التي تتوسل التكثيف الحكائي وانقطاعات الخطية السردية وتبئير الحدث الذي يرتبط برؤية النص للعالم، وبالموقع المجتمعي الإيديولوجي الذي منه تنبني هذه الرؤية، وعليه تنهض، على نحو ما نلمسه مثلا في الحركة الأولى المسماة بـ’ست الحزن والجمال:’)ع الحيط سيوف بحروف لميع ودروع من فوقها آيات قرآن وزرود من فوقها اسود بشناب ورماح مسنونة على الأبواب ومراوح ريش وكتاب أسرار وقصايد شعر على الأحجار وسنابك خيل عند الأعتاب وجراب _ وسروج مصباح لعلاء الدين مسروج وصور لقلاع واسوار- وبروج… إلخ ) . وبذلك تُبنى المفارقة الزمنية السردية على تنويع لأشكال الخطاب الأدبي من حكائي وشعري، لينسرب في غنائية بوحية تأملية تخلق توترا دلاليا بين الحركة والثبات.
أنا اللي ساقيورد الفساقيبفسيفسائي رسمت النورناسج بساطهاناقش حصاتهاومقرنصاتها بقلب طهورلاضم خيطانهاراسم حيطانهاضحكت غيطانها ف وش البوررخام بارخّمالناي بانغّمجوايا منجم عمره دهورأنا اللي ساقيورد الفساقيبفسيفسائي رسمت النوروهنا تجدر الإشارة إلى علاقة ماجد يوسف بالفن الإسلامي، وولعه باستجلاء مفاتنه، واكتشاف طاقة الإبداع فيه، من خلال التجاويف والمحارات وصفوف المقرنصات الصغيرة وأفاريز الخط الكوفي والنقوش والزخارف الجصية التي تستمد عناصرها من الرسوم النباتية والأشكال الهندسية، والخطوط المتداخلة واللولبية والأشرطة أو الخطوط المنكسرة كما في بواطن العقود. فضلا عن الأخشاب المحفورة والخزف والمنسوجات والتصوير، عامدا إلى إبراز قيمها الجمالية وعلاقته الانفعالية بها وبالمعاني الكامنة فيها والإيقاعات الداخلية لحضارتها، وموسيقى التوازن الحافظة للنسب والأواصر بين وحداتها.
والقلة شربت ورد م التعاشيقوالمشربيه الطريه ف الجمال والأنوثهمن صدرها فاحت روايح مسكبشهوة التدليلقام ضمها الأزميلورد الجميل بفحولة الأرابيسكوالمدنه مشدوده على القبهعشق الإيدين الأحبه بينعَّم الأراغيلويشعشع النراجيلغير أن القصيدة السابقة تحيلنا إلى فضاء فني يتموضع بين الصورة والموسيقى، ويتحول بفضل التشخيص الإيمائي من علامة إيقاعية لوجود مادي، إلى سلطة للمتعة بتعبير رولان بارت تتوزع فيه المسافة بين الممكن والمحتمل في مكان آخر! ومن ثم؛ تمسي لذة اللعب محوا دائما، وتصدعا للزمن، وخلخلة لمفهوم الامتلاك، وإلحاحا على قراءة مشتهاة.
وبذلك أسس ماجد يوسف قصيدته على الإنصات إلى حركة الأشياء في فرادتها وصمتها وقابليتها للانتقال من الطبيعة إلى تمرين آخر على الرؤية، ومحاورة أطياف وظلال؛ بحثا عن إيقاع خاص يمر تحت مسارب الحياة. وغدا حواره مع العالم والأشياء تعبيرا مفتوحا أمام التخيل والتحطيم الشعري لقيم جمالية لا تعين على حرية الحركة بين المعتم والمضيء.. بين الموت والحياة.
وهو ما يحيلنا إلى مَعْلم آخر في شعرية ماجد يوسف، عبر التضفير الجلي بين العام والخاص.. الاجتماعي والفردي.. التجريد والعناية بالتفاصيل.. في خضوعهم لآليات ليست متلازمة ولا مترابطة بشكل جبري؛ ذلك أن معايير العلائقية ليست عضوية في الإستطيقا لتدور معها وجودا وعدما، لكنها تتشكل على صعيد التجاوز والتخطي لذات لا ترضى بأن تكون مرآة للعالم، وتسعى طوال الوقت لتؤكد وجودها الخاص وخصامها الجدلي مع ماضيها وحاضرها.
من هنا جاء تناصه مع شعر علي قنديل في قصيدتي ‘النبوءة’ و’قصيدة طويلة من الشعر المصري الحديث’، كما أتت القصيدتان المهداتان إلى الكاتب الكبير إدوار الخراط بعنوان ‘مراية نسر’ و’الحصان’ .. بالإضافة إلى قصيدة ‘ معراج نامة’ المهداة إلى الناقد الكبير د. ماهر شفيق فريد.. وقصيدة ‘مقام الصقر’ المهداة إلى الشهيد البطل سليمان خاطر.. ومن ثم؛ راحت هذه القصائد ترسم ضفاف حضورها، ومجرى استوائها داخل زمن اشتهائها، واشتعال برق رغباتها واندفاع افتتانها بجسدها العاشق في إيقاع اختباره لحبه وجنونه وتعدديته.
وكنت الطيركما كنت الصدى لسهميوكان البحر متفجر على لحميوناقش اسمي فوق بركانرفع جسمي لمقام روحيرفع روحي لمقام جسميـ من قصيدة مقام الصقر ـأو قوله:
ادخل ف صهيلك واتلفع بالوهم الحيبالشوق المعجز على صهوة وعلى صبوة ضيواتوزع في جحيم النوه ف كل الأركانواستكمل لوحكصدى بوحكروحك على قوس قزحك تشرب كل الألوان ـ من قصيدة الحصان ـوبذلك يظل الشعر لدى ماجد يوسف مكرَّسا لالتقاط فرادة المحسوس في اللغة، ولفعل ما تبدو اللغة في الواقع عاجزة عن فعله: أي ليس تسمية الكلية التي تضم الشيء، وإنما الشيء ذاته. ومن ثم؛ ‘ليست القصيدة مهداة لغروب الشمس بشكل عام، وإنما إلى هذا الغروب تحديدا، ليس للون القرميد بوجه عام، وإنما إلى لون هذه القرميدات بالذات، وهذا ما لا يستطيع الشعر أن يبلغه بالمطلق، لكنه يبقى هدفه الدائم’ وفق ما يذهب إليه آلان باديو.
وبذلك يستعيد الشاعر كل أشكال التوتر القائمة بينه وبين الوجود، منتصرا لشاعريته على كل الاستعصاءات، ماضيا وراء طموحه الحر لكي يضع قصيدته في أفق مستقبلية الراهن، وصولا إلى ما يسميه الفيلسوف الفينومينولوجي هوسرل ‘عالم الحياة’ المفتوح على كل جديد، ومحاولة اكتشاف ما فيه من غنى التجربة البشرية، ‘ومد الذاكرة الجماعية إلى ما هو أبعد من كل ذاكرة حقيقية، وكذلك تصحيح الذاكرة ونقدها.. وفي طريق النقد التاريخي تلتقي الذاكرة بمعنى العدالة. إذ ماذا تكون الذاكرة السعيدة إن لم تكن في الوقت عينه ذاكرة منصفة’ بتعبير بول ريكور.
وهذا ما فعله ماجد يوسف مثلا في ديوانه ‘ رباعية القاهرة’، بادئا عتبته بتوطئة تومئ إلى ما بعدها، وتمثل جسرا بين الصمت والكلام يربطنا بأطيافه وعوالمه المترامية.
من باب زويلة ولباب مصرشفنا التاريخ الرقاصهيلعب كما الشطرنج بمصربسيف وكرباج ورصاصهوبذلك يقدم لنا عملا ممسرحا يلِّخص بعمق واقتدار جنيالوجيا التقدم والتأخر، وما كانت مصر عرضة له من نهب واستتباع وقهر، على يد المتروبول الغربي باستراتيجيته التوسعية الاقتصادية، وما رافقه من تحديات ومجابهات (من منّا لم يقرأ كتابه المهم عن ‘ أنطون تشيكوف.. وقراءة جديدة لطائر البحر؟ (يا نخل عالي واتقلب لسيوفيا راية من آية شهادة وفتحالبدر ليلة قدر كان مكسوفوالجذر عاجز عن مجاز النتحورحل بنا الشاعر إلى سور مجرى العيون وباب الخلق، جاب من خلالهما طبقات المجتمع المصري ورقائقه التاريخية، ؛ ليقدم قراءة تسعى إلى تحرير المعنى من أسر شرطه الوجودي المستلب، ولحظة تراجعه الحضارية المظلمة، وأفاد من درس أوبريت ‘العشرة الطيبة’ الذي كتبه محمود تيمور، ونظم أغانيه بديع خيري، ولحنه سيد درويش الذي أدخل من خلاله للمرة الأولى في مصر الغناء البوليفوني؛ فتمكن من استشراف حركتها الامتدادية كصلة وصل، وجسر تمثل واستيعاب، مشكِّلا حقلا ثريا بالرؤى والدلالات، وهو ينشد بصوته العفي:
مين اللي أشعر وباعه طويل ف الجمال والفن؟
صهيل الحصان في بر واسع من خيال مؤلمولّا الحقيقه لمَّا تصبح حوريهبضحكه مجنونه وعذاب مغري؟
وظهر السؤال العويص:
ليه لمَّا فضوا البدنفِضِل الخيال عذري؟*كاتب وناقد مصري.