كتبت لي الأقدار أن أزور أرض الجماهيرية الليبية العظمى سنة 1994، أذكر أنني دخلت العاصمة طرابلس عصرا وأول ما جلب انتباهي صرح عالي يطلق عليه الليبيون ‘ذات العماد’، هذا المجمع في الأصل مُكون من 5 عمارات من عدة طوابق لكن يُخيّل للناظر اليه من بعيد أنه يرى أربعا فقط، وفوق هذه المباني الشاهقة انتصبت المدافع الرشاشة المضادة للطيران، لأن الجماهيرية كانت تحت وطئة الحصار الأمريكي والغربي وكان شعار العقيد معمر القذافي: ‘طز في أمريكا’، شعار تقرأه على الجدران واللافتات، تزاحمه صور القائد وشعارات أخرى كان الزعيم يعتبرها وسائل ردع للإمبريالية حتى ولو كانت مجرد طلاء على الجدران والقماش! أذكر البعض منها: ‘الشعب المسلح شعب لا يقهر’، ‘الثروة والسلاح بيد الشعب’، ‘نحن شركاء ولسنا أجراء’ وغيرها من الشعارات التي اختفت مع توبة القائد وعزوفه عن سنفونيته المشهورة’ طز في أمريكا’ بعدما اعترف بما فعله رجاله بطائرة البانام الأمريكية بسماء لوكربي وكشفه عن قائمات ‘المفرقعات’ النووية وتدميرها بالصحراء الليبية وتقديمها عربون طاعة وولاء لأمريكيا والغرب ولم يكتف الزعيم بهذا بل أدار ظهره للعرب متجها نحو افريقيا، عازفا سنفونية جديدة: ‘طز في العرب’؟! خلال زيارتي لأرض العرب كما يحلو للقائد وصفها والتي دامت قرابة 15 يوما، وقفت على بعض طباع المواطن الليبي، فهو صعب المراس ويمتاز’ بخشانة الراس’ حسب المفهوم الجزائري، ولقد ساهم العقيد حسب شهادة بعض من التقيت من رجال الكشافة الليبية وقتها في ترسيخ هذا الطبع وزاده خطورة حينما جعل السلاح الخفيف والمتوسط في متناول المواطن الليبي والقبائل على حد سواء. اقترح على صديقي القائد ‘صالح الكشّي’، أحد قادة المنظمة الكشفية بالجماهيرية أن نزور المخيم الكشفي بمنطقة الزنتان، فقبلت الدعوة وأتذكر أننا دخلنا الزنتان ليلا مع وفد كشفي كبير أخبرني بعدها صديقي القائد، أن معظم من اصطحبونا الى مخيم الكشافة بالزنتان هم من عناصر اللجان الشعبية، الذراع السياسي والأمني للعقيد معمر القذافي وكعادة المنتسبين الى مدرسة ‘اللورد بادن باول’، أقمنا سهرة كشفية رائعة حول نار المخيم وخلال السمر، اختليت بالقائد صالح بعيدا عن أعين اللجان الشعبية، ومن بين ما سألني عنه صديقي وقتها ‘سنة 1994’ عن الأوضاع الأمنية بالجزائر فكان جوابي: ‘أنت تسمع وترى يا قائد الفتنة التي ألمت بالجزائر وما تخلف من ضحايا وخسائر للبلاد والعباد’، تنّهد القائد ‘صالح الكشي’ الذي تجاوز عقده السادس يومها وقال: ‘أحمدوا الله أن الشعب الجزائر، شعب واحد وليس شعب قبلي كحالنا’ ثم استطرد قائلا: ‘الله يحفظ الجزائر والجماهيرية، لو يُقدر أن يقع بليبيا فتنة داخلية، ستكون مصيبتنا 10 مرات أكبر من مصيبتكم اليوم’، قلت: لماذا يا قائد؟ فرد علي الشيخ: ‘الشعب الليبي شعب قبلي ومسلح وغني والسواد الأعظم منه أميّ’، فماذا سيكون المصير لو أصاب الجماهيرية مكروه؟
بعد عام من سقوط جماهيرية ملك ملوك افريقيا واغتياله أمام كاميرات العالم في منظر ينافي كل الشرائع السماوية والمواثيق الدولية وعرض جثته أمام الملأ ودفنه في مكان مجهول وقفت بعد 17 سنة فقط على صدق نبوءة صديقي القائد وخير دليل ما يجري اليوم بعد مرور عام عن ثورة الشعب على العقيد وأبنائه من اقتتال بين أبناء القبائل والانتشار المخيف للسلاح، اليوم فقط فهمت ما كان يقصده صديقي القائد.
حميد بن عطية – الجزائر