شحاتة عوض بعد مرور شهر على بدء أولى جلساته يصبح من المشروع التساؤل عن أداء نواب أول برلمان في مصر ما بعد ثورة 25 يناير وما إذا كان يرقى بأي حال من الأحوال إلى مستوى هذه الثورة والأهداف التي قامت من أجلها أو التضحيات والدماء التي سالت في سبيلها. وهذا بدوره يفرض على من يطلقون على البرلمان الحالي وصف برلمان الثورة، أن يراجعوا موقفهم ويتوقفوا قليلا للتأمل في أداء البرلمان ونوابه تجاه القضايا الملحة التي تهم الوطن والمواطنين ولا سيما القضايا المصيرية والمفصلية والتي يبدو البرلمان باغلبيته من التيارالإسلامي مكبلا بكثير من القيود غير المفهومة وغير الواضحة لدى الرأي العام.
وحتى لا يسارع بعض أنصار محاكم التفتيش الجدد الذين ظهروا بقوة بعد الثورة، لإتهام أصحاب هذا الرأي بأنهم من الحاقدين على التيار الاسلامي ومن الكفار والملاحدة الفاسقين أو من عملاء أمريكا وإسرائيل الخائنين، فإنه يتوجب التأكيد هنا أن هذا الرأي في أداء البرلمان لا يستهدف القدح في تشكيلة البرلمان أو إنكار حق التيار الإسلامي في تكون له الكلمة العليا بالنظر إلى ما يحظى به من غالبية تحت قبة البرلمان، أو أن ذلك محاولة للتشكيك في طريقة إنتخاب أعضاء البرلمان وما إذا كانوا يعبرون عن المجتمع المصري بكل قواه، فرغم تحفظاتنا الكثيرة على ما شاب العملية الانتخابية من نواقص وعيوب والأجواء السياسية غير الصحية التي جرت فيها الإنتخابات، إلا إن الموضوعية تحتم على كل من يدعي إنحيازه لفكرة الديمقراطية أن يحترم إرادة الشعب وإختياراته حتى لو لم تكن على ما يحب ويهوى. العبرة إذن ليست في تشكيلة مجلس الشعب ولا الإنتماء السياسي لاعضائه سواء كانوا أغلبية أم أقلية، بل العبرة ينبغي أن تكون دائما في أداء هولاء النواب ومواقفهم من قضايا الوطن ومدى إنحيازهم وأخلاصهم لأهداف الثورة والالتزام بما نادت به وهل تشكل هذه الأهداف والمطالب جدول أعمال لهؤلاء النواب، أم أن لديهم جدول أعمال مختلفا؟ هذا هو المعيار الحقيقي وربما الوحيد للحكم على أداء البرلمان ونوابه ومن ثم الحكم على ما إذا كان برلمان الثورة أم أنه غير ذلك.
ربما يكون من الظلم ومن قبيل التسرع وعدم الموضوعية الحكم على أداء البرلمان خلال هذه الفترة القصيرة التي لم تتجاوز شهرا والتي حفلت بالكثير من القضايا والأحداث الساخنة التي أثقلت كاهل البرلمان وأربكت عمل النواب وربما شغلتهم عن القضايا الجوهرية التي تشكل صلب المشروع الثوري والمضي قدما على طريق إستكمال ما بدأته الثورة لإزالة ما تبقى من نظام مبارك الساقط والعمل على بناء نظام سياسي جديد على اسس وقوعد سياسية جديدة تحقق للمصريين مطالب وأهداف حرموا منها على مدى عقود في العيش الكريم والحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية. لكن هذه الفترة القصيرة من عمر البرلمان تبدو في تصوري كافية لتقييم مدى صلابة موقف البرلمان وإلتزامه بجدول اعمال الثورة المصرية من عدمه، لا سيما وأن هذا البرلمان بدا أمام عدد من الإختبارات الصعبة في مواجهة بعض القضايا المهمة والمفصلية التي فرضت نفسها على الساحة السياسية في الفترة الأخيرة، ليس فقط لأن طريقة معالجة هذه القضايا ستحدد مسار العملية السياسية برمتها، ولكن لأن مواقف النواب ولا سيما نواب الاغلبية تجاه هذه القضايا، أظهرت أنهم أكثر حرصا على الحفاظ على مكتسباتهم الحزبية وعدم الرغبة في المواجهة أو الصدام مع المجلس العسكري، من حرصهم على الإلتزام بالعمل على تنفيذ أهداف الثورة. أول مثال على ذلك كان موقف نواب البرلمان من أحداث وزارة الداخلية الأخيرة التي أعقبت مذبحة بور سعيد و التي سقط خلالها العشرات ما بين شهيد ومصاب، فقد بدا المشهد في جلسة البرلمان خلال هذه الأحداث مربكا للغاية إن لم يكن مخيبا للآمال في نظر كثير من القوى الثورية من أداء مواقف بعض نواب البرلمان الذين وصفوا الثوار بالبلطجة، بل وطالبوا بحق وزارة الداخلية في الدفاع عن نفسها في مواجهة العدوان عليها الأمر الذي رأى فيه البعض ليس فقط إنحيازا سافرا لمواقف وزارة الداخلية وغطاء وتبريرا لاستخدامها العنف المفرط ضد المتظاهرين الذي وصل حد القتل، بل إن هذه المواقف بدت وكأنها إعادة إنتاج لمواقف سابقة لنظام مبارك من الثوار والثورة. ربما يمكن تفهم أن تصدر هذه التصريحات والمواقف من نواب بعينهم فازوا في الانتخابات رغم أنهم لم يكونوا يوما مع الثورة بل كانوا في الخندق المقابل لها وكانوا من صبيان النظام السابق وأجهزته الأمنية في السر حتى لو إدعوا غير ذلك في العلن، لكن ما كان صادما بالفعل هو أن تصدر هذه المواقف عن نواب يزعمون أنهم نبت أصيل للثورة التي لولاها ما صاروا نوابا وما حلموا حتى بمجرد الترشح في الإنتخابات. ليس هذا هو الموقف الوحيد الذي بدا فيه البرلمان بلا أسنان في مواجهة المجلس العسكري والسلطة الحاكمة التي تقف حجر عثرة أمام إستكمال مسيرة الثورة، فالموقف من قانون الطوارىء الذي أعلن المشيرحسين طنطاوي عن الغائه إلا في مواجهة حالات البلطجة، وعدم الغائه بشكل كامل حتى الآن وعدم طرحه للنقاش تحت قبة البرلمان يثير علامات إستفهام كثيرة حول ما إذا كان نواب الأغلبية قد قبلوا بأن يتم الإفتئات على حقهم الأصيل في التشريع وسن القوانين، رغم أنهم يدركون جيدا أن الغاء قانون الطوارىء بشكل كامل وبدون إستثناءات أو شروط يمكن أن تستند اليها أجهزة الامن للتنكيل بالمواطنين، كان مطلبا أساسيا للثورة والثوار ولكل المصريين وعلى رأسهم الأخوان المسلمون أنفسهم الذين دفعوا ثمنا باهظا من كراماتهم وحقوقهم جراء إستمرار هذا القانون. أما الإختبار الأهم لبرلمان ما بعد الثورة وما إذا كان برلمانا حقيقيا أم أنه بلا أنياب فعلا في مواجهة تغول المجلس العسكري، فكانت المعركة حول قانون إنتخاب رئيس الجمهورية الذي إصدره المجلس العسكري أياما قليلة قبل إنعقاد جلسات البرلمان، حيث ظهر جليا أن هناك رغبة في عدم الصدام مع العسكر بخصوص هذا القانون الذي يطالب الكثيرون من داخل البرلمان وخارجه بإدخال تعديلات جوهرية على بنوده وخصوصا المادة 28 منه والتي تمنح اللجنة المشرفة على الإنتخابات الرئاسية حصانة كاملة ضد أي طعن على قراراتها بأي شكل من الأشكال. لعل ما يؤكد ذلك هو المواجهة الحامية التي شهدتها إجتماعات اللجنة التشريعية في مجلس الشعب برئاسة المستشار محمود الخضيري وإنسحاب نائبين بارزين هما النائب السلفي ممدوح إسماعيل والنائب اليساري المخضرم أبو العز الحريري من الاجتماع وإتهامهم لنواب الحرية والعدالة بالتواطوء في المجلس العسكري بسبب رفضهم الإصرار على تعديل المادة المذكورة والتي تشكل سابقة خطيرة لا توجد في أي دولة من دول العالم التي تسعى لإقامة نظام ديمقراطي حقيقي. ومن هنا فإن نواب البرلمان الذين كانوا أكثر شراسة بل وملكيين أكثر من الملك في قضية النائب زياد العليمي وإساءته غير المقبولة للمشير طنطاوي، بدوا أقل شراسة وأكثر إستكانة فيما يخص هذا القانون. إن هذه الإختبارات الثلاثة التي ظهر فيه أداء البرلمان أقل من توقعات وطموحات الشارع المصري الثائر وما أفرزته الثورة من فورة تطلعات، تجعل من المشروع التساؤل حول ما إذا كنا أمام برلمان منزوع الصلاحيات أو منزوع الدسم فعلا وأننا أمام’ نواب لايت’ لا يملكون من صلابة الإرادة والعزيمة والإصرار ما يمكنهم من أن يكونوا نوابا حقيقين للشعب المصري بعد ثورة عظيمة؟ أم أن في ذلك درجة من التسرع والإستعجال وأن من المبكر حقا الحكم على أداء البرلمان ونوابه؟
أيا يكن الأمر فإن الفترة القادمة ستضع البرلمان المصري في إختبارات أخرى جديدة وربما ستكون أكثر قسوة لمعرفة قدرته على التعبير بصدق عن أحلام وآمال المصريين الذين خرجوا بملايين غير مسبوقة لإختيار نوابهم واضعين بين أيديهم أمانة تحقيق هذه الأحلام. أم هؤلاء النواب سيظلون أسرى صيغة التوافق وعدم الصدام مع المجلس العسكري التي يرى البعض أنها تشكل الملمح الاساسي لاداء البرلمان حتى الآن؟.. وإلى أين يستبين الحق من الباطل يتوجب على هؤلاء النواب أن يدركوا أنهم أعضاء في برلمان جاء في لحظة تاريخية إسثنائية بكل ما تعنيه الكلمة ليس فقط لأن هذا البرلمان خرج من رحم ثورة أعادت الحياة لصحراء السياسة القاحلة في مصر على مدى عقود لدرجة بات معها المصريون يتعاطون السياسة أكثر مما يتعاطون كرة القدم لأول مرة في تاريخهم، بل لأنهم/ النواب/ في مواجهة رأي عام إسترد وعيه ولم يعد مستعدا لان يمنح أي جهة او قوة سياسية مهما كانت، صكا على بياض، وبالتالي فعلى نواب البرلمان أن يضعوا أعينهم طوال الوقت صوب من أوصلوهم ألى مقاعدهم وليس صوب أي جهة أخرى سواء كانت في المنيل أو كوبري القبة.’ كاتب مصري