خارج المسموح: تتويج السرد الهتشكوكي في مهرجان مراكش

حجم الخط
0

محمد بنعزيز بسيناريو فيه ثلاث شخصيات تتصارع في محيط مقفر لا يزيد قطره عن 50 متر، تمكن الفيلم الدانمركي ‘خارج المسموح’ لفريديريك أسبوك من الحصول على النجمة الذهبية في الدورة الحادية عشرة للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش. والملاحظ أن الأفلام القوية برمجت في البداية والنهاية، الفيلم الثاني في المسابقة كان إيطاليا والفيلم الأخير كان دانمركيا. كان ختامه مسك. ونتيجة المسابقة مفاجئة ولكن مستحقة.

مفاجئة لماذا؟

لأن الفيلم الهنغاري سنيكرز أثار إعجاب الكثيرين ببنائه وجانبه الفرجوي. ولأن الفيلم الفائز بعيد عن أسلوب أفلام رئيس لجنة التحكيم. وهو فيلم مشوق غير قابل للتلخيص بسبب كثرة التقلبات والتفاصيل الدالة فيه. كل تلخيص كامل يقلل من كثافة الصور ويحرق التشويق. بعد سنتين من الغياب تقرر ستيلا زيارة والدها الرسام ناثان. وتجد تشجيعا من صديقها الصحفي أوسكار. يركبان البحر نحو جزيرة معزولة مهجورة مليئة بالغربان. منذ البداية يفحص الصحفي الرسامَ الغريب الأطوار، ينوي إنجاز تحقيق عنه أو حوار معه. يجده فنانا صلبا متماسكا وصريحا، يدلي بأحكام صادمة… لا يشاهد التلفزيون، يرسم ولا يجرب. يريد أن تكون الأمور واضحة له منذ البداية. يكره المفاجآت في الفن والحياة. لا يطبخ للضيوف، يرسل ابنته وصديقها للصيد ليحصلوا على ما سيأكلونه… إنه عملي بشكل فادح. يستغرب الصحفي للمعاملة العدائية التي يتلقاها من أب ستيلا. يرفض الرسام إجراء حوار. يتأكد اللاتواصل بين الفنان والصحفي. يحوّل الأب علاقة الصحفي بستيلا إلى موضوع وحيد للحوار. هكذا يجد الصحفي نفسه موضوعا للدراسة، يطرح الأب الأسئلة بعجرفة تدفع الصحفي للانكشاف. ستيلا حامل وأوسكار يريدها أن تجهض. للأب نظرية واضحة ‘لا تستمر علاقة بين رجل وامرأة بعد إجهاضين’. يخرج الصحفي باستنتاج مزعج… يجري الحديث عن كلبة الرسام، يحبها لأنها كلبة مختلفة. يفتخر بها. لماذا؟ يتساءل أوسكار. يرد الأب بأنه حتى حين يتركها مع الكلاب فهي لا تحبل. ينتقل صدى الصفعة من الصحفي للمتفرجين. صفعة تزيد من منسوب ما ينكشف.

يعترف الصحفي أنه سبق لستيلا أن قامت بإجهاض. يستنتج أن علاقته بستيلا ستنتهي بعد الإجهاض الثاني… يصير الصحفي مأزوما. جرت العادة أنه من يطرح الأسئلة. فإذا به يصبح موضعا لها. وهي أسئلة حرجة. هل يقبل الطفل أو يقطع علاقته بستيلا؟ في لحظة ضعف يميل أوسكار لرفض الإجهاض. ينخفض التوتر ثم يهيج من جديد عندما يقول الرسام للصحفي:

وكيف تعرف أن الطفل منك؟ صفعة أخرى.

في لحظة جنون العظمة لدى الفنان يفتخر ناثان أنه يزور البرازيل مرتين في السنة، في شهرين متباعدين ليعرض أعماله الفنية. تتسبب هذه الوقاحة التي تنبع من العناد وليس من الثقة في شكوك الصحفي فيبدأ هجومه. يقارن الصحفي بين تاريخ ميلاد ستيلا وتوقيت السفر. حسابيا إما أنها ولدت قبل إتمام تسعة أشهر أو… ؟ تندلع الشكوك في رأس أوسكار. عليه أن يحسم. إما وإما. هكذا يقدم الفيلم حوارا سقراطيا فيه مفاجآت وعنف. ويرصد تقلب العلاقات الإنسانية بشكل عميق. فقد وقعت سيلا بين رجلين حادي الذكاء يتصارعان ويكادان يسحقانها. تريد ستيلا الحنان لنفسها والأمان لطفلها. لذا لا تفهم الصراع المرير بين الرجلين الذين تتوقع أن يسعداها. لم تعرف في صف من تقف. والدها يريد إبعادها عن حبيبها، وهذا يدفعها للإجهاض عليها أن تقرر… وهذا صعب. وهو يقدم من خلال حوار سقراطي سريع يخرج من روح الشخصية وليس من شفتيها فقط. حوار يتطلب أجوبة حاسمة وفورية. أجوبة هي حسم بين خيارات قليلة. والاختيار بين أمرين أحلاهما مر. يقاوم الصحفي غرور الأب، يحقق ليحسن موقعه التفاوضي… يتجسس، يكتشف أن ناثان يرسم ستيلا عارية… تلوح في الأفق فضيحة زنا المحارم… يسترجع الصحفي المبادرة… يحقق فيغير اتجاه دفة الصراع لصالحه، يكتشف الخيانة ويمزق أقنعة الفنان… تتضح له حقيقة علاقته بالمرأة. يقول ابن عربي أن عظمة الله تتجلى في خلق النساء. لكن الفنان يفضل إبداعه على جمال النساء. وهكذا يصير الفن كتعويض عن المرأة الغدارة. وتصير الخلوة الإبداعية بديلا للخلوة الزوجية… بهذا يشحن الفنان حلمه، ليتفرغ وليبتكر… ولكن جوعه للأنثى لا ينطفئ… وهذه نقطة ضعف ناثان… وكلما ضعف الفنان كثرت الغربان في اللقطات… كيف أستطيع منع نفسي من التفكير في تناص الفيلم مع ‘العصافير’ لألفريد هتشكوك؟ وفيه تهاجم آلاف الغربان قرية على البحر. لا يقف المشترك بين الفيلمين عند هذا الحد. ففيهما معا ينسحب الإخراج ويبدو كأن القصة تروي نفسها بنفسها. لا يشعر المتفرج بوجود الكاميرا. بخلاف أفلام أخرى سعى مخرجوها لإظهار أثر كاميراتهم في اللقطات… في الفيلمين معا، علاقات تتقلب وامرأة تبحث عن الحب مع رجل يصدها لأنه غير واثق مما يريد. يريد المرأة دون أطفال. يريد الرفاه ولا يريد البنين. فيهما أيضا تشويق شديد في الحكي. إذ لا يُسهّل الحكي على المتفرج إصدار حكم على الشخصية، خيرة أو شريرة، بل يجبره على متابعتها… فالحبكة لحمة واحدة، عضوية ومنسجمة، وهي تستكشف كل احتمالات العلاقة بين الشخصيات. هذا التشويق والتماسك هو الذي أقنع لجنة تحكيم مهرجان مراكش برئاسة أمير كوستونيتشا، لتتوج الفيلم. وهذا درس لكل مخرج يقدم أفلاما يتحداها الملل. للإشارة، في حوار مع الناقد والمخرج الفرنسي فرانسوا تروفو صرح هتشكوك أنه خطط على ألا يتمكن المتفرج من تخمين محتوى المشهد الموالي في ‘العصافير’. هذا حاصل في ‘خارج المسموح’ أيضا. فتتبعه للعلاقة الحميمة لين ستيلا ووالدها، يخمن المتفرج زنا المحارم. لكن النهاية مختلفة… فقد قلبت الرحلة حياة ستيلا، كما قلبت حياة ميلاني بطلة هتشكوك.

الرحلات تفتح لنا آفاقا جديدة، في الأفلام وفي الحياة، لنكتشف ذواتنا من جديد، لنقف على نقط الظل والضوء في أيامنا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية