مطاع صفدي
من المتفق عليه منطقياً وتاريخياً أن الثورة لا تأتي إلا بعد امتناع الإصلاح أو فشله، وإذا ما اندلعت الثورة فلا يمكن لاية ردة نحو الإصلاح أن تنفع في شيء. تلك هي حال النظام الأسدي، الذي أوصله غباؤه السياسي وصَلَفُه الطفولي إلى حدود الانفصال الكامل عن غالبية شعبه، وعن الرأي العام العربي، وبعده الدولي، ما اضطره إلى طرح مراسيم إصلاحية، كسلاح دفاعي عن سلطة هي في طريقها إلى فقدان السيطرة على مصيرها. هذا الإصلاح اللفظوي لن يفيد شيئاً في تغيير معالم خطوط الصراع بين النظام والثورة، بل ربما زاد في تعرية صاحب النظام من بقايا صدقيته المنهارة في عين الجميع. سوف ينظر الناس إليه، كعلامة تنازل الضعيف عما لم يعد يملكه أصلاً. فما أصبح ما يريده المجتمع بعد التضحيات الهائلة ليس مجرد استرداد حريته من المغتصب الجبار فحسب، بل اجتثاث مؤسسة الاغتصاب والعدوان من جذورها في الحياة العامة.
ما تحاوله السلطة المنهارة في أيامها الأخيرة هو افتداء نهايتها برشاوى الخداع الإعلامي المعتاد، كأن التشبث بآخر أسباب البقاء لم يعد يكتفي بالقمع غير المجدي؛ لن يجرؤ المستبد الفاسد على إعلان إفلاسه من كل وسائل البطش الدموي، إذ باتت مستهلكةً في الوقت الذي تتضاعف فيه عزلة السلطة، وتحوّل رجالها إلى مجرد مجرمين جلادين، بعد أن أبطلت فظائعُهم كلَّ إمكانية سوية أو شرعية في الحوار معهم. حتى أن الملك السعودي نفسه رفض الحوار مع (بوتين) روسيا الحامية الأولى والأخيرة للنظام الأسدي، حول أي موضوع يتعلق بفك الحصار الدبلوماسي عنه؛ فقد لا تكون دوافع القطيعة لدى الكثير من الدول العربية والأجنبية متشابهة، ولا يخلو بعضها أو أكثرها من الحسابات الخاصة أو المشبوهة، لكن النتيجة أنه عندما يسقط الثور، تتكاثر السكاكاين حول لحمه وعظمه.
هذا لا يعني أن إسقاط حكم دمشق بات شأناً دولياً متفقاً عليه، حتى ما بين أعضاء المعسكر الغربي وأصدقائهم الإقليميين، فضلاً عن معسكر الحماة الآخرين، روسيا والصين والبعض من حكام العرب. فالجميع من كبار هؤلاء إلى أصغرهم له مساوماته الخاصة كذلك في هذه التجارة الدولية الأبعد ما تكون عما تدعيه من حفظٍ لسيادة الدولة بالحفاظ على استقرار حكامها، وإن كانوا بطاشين فاسدين. هكذا يبدو أن التنافس الدولي إزاء (أزمة) سورية يطغى على هذا السؤال البديهي، من يستحق الحماية: القاتل أو المقتول؟ ما هي السبل الناجعة لجعل مضمون هذا السؤال حاكماً بأمر معقوليته وحدها، من دون أية اعتبارات أخرى مغلوطة أو مسوِّغة للحلول الخطأ دائماً. هل ينبغي لتناقضات المصالح الدبلوماسية في عالم اليوم أن تظل هي العدو الحقيقي الدائم لمصالح الأمم المستضعفة.
الخلاف حول من يرث السلطة ما بعد الديكتاتورية أمسى بمثابة المعيق الرئيسي (الدولي) للربيع العربي، كيما يحقق أهدافه التاريخية بوسائلها الاجتماعية المشروعة أخلاقياً وإنسانياً. وقد بلغ هذا الصراع العقيم أوج تمارينه الخبيثة والمؤذية في ملاعب (الأزمة) السورية، فقد كان اسمها الأصلي الثورة السورية قبل أن تصبح أسيرة تحت مصطلح الأزمة في لغة تجارة الدبلوماسيات هذه، المتكالبة على استثمارها. وقد أصبح للأزمة ثلاثة مستويات منضدة فوق بعضها البعض. في قاعدتها يبرز الحدث الثوري اليومي ليشكل مستوى الواقع المتغير في أرض المعركة التي تجتاح عمق الجغرافية السورية في مدنها وبلداتها وأريافها. وما فوق المايحدث الواقعي يتشكل مستوى ثان تؤُمُّه جماعاتُ الثورة السياسية المسماة بأطياف المعارضة في الداخل السوري وفي المهاجر؛ ثم يبرز المستوى الثالث الذي يزدحم بالدوليات من المواقف والآراء والتحركات، الظاهرة والباطنة. وربما بات هذا المستوى هو الأفعل في الظروف الراهنة المتراكبة، التي جعلت كلاً من المستويين الأول والثاني، مصاباً بعقدة العجز من دون حدّ الممكن المتحقق حتى الآن من مطامح التغيير. ما يعني أن التدويل يوشك أن يحتل مقدمة السفينة، رباناً وحيداً قارئاً، محدداً لتوجه البَوصلة، ممسكاً بدفتها من دون ركابها جميعاً، شاؤوا أم أبوا.
هذه المستويات الثلاثة التي بات أهرام الأزمة السورية يتموضع بحسب تراتبها، لا يفترض تبعية دونية للثورة ما تحت المعارضة السياسية الناطقة باسمها، ولا إلحاقاً للمعارضة بتيارات أجنبية، بل هناك تداخل قد يزداد دمجاً أو تمييزاً فيما بين مكوناتها، يتناسب مع إنجازات الثورة تقدماً أو تقهقراً، أو مُراوحةٌ في الموقع الواحد. والمقياس الدال على هذه المتغيرات هو مدى الفظائع التي يمضي النظام في ارتكابها ضداً على حجم الأخطار المتعاظمة، المحدقة به بفعل المزيد من تحديات الثورة كماً ونوعاً، لأسباب أمنه، وبالتالي لديمومة وجوده.
فالتدويل ليس بالضرورة عسكرياً، وحتى عندما يكون سياسياً فإنه محتاج بالدرجة الأولى إلى استنفار رأي عام يغطي مساحة كافية من تضامن الدول ومعها شعوبها، إلى جانب القضايا العادلة، خاصة منها المتعلقة بحق الدفاع عن النفس ضد الأنظمة القاتلة. هذا النوع من التعاطف الإنساني يحتاجه أي تدخل، وإن كان مسيساً لجهة خارجية باحثة عن مصالحها الخاصة خلف كل تحرك دبلوماسي وحتى عسكري. والربيع العربي، حظيت ثوراته بسمعة إيجابية في أوساط شبيبة عالمية، حتى باتت نازعةً إلى تقليدها والاحتذاء بها. فلا غرابة إن تنادت حوالي ستين أو سبعين دولة إلى مؤتمر داعم لواحدة من أنبل ثورات هذا الربيع (في سورية )، ومن أكثرها وضوحاً ساطعاً بمعاني الانتصار لكرامة الإنسان وحقوقه، والعزيمة الشعبية في الصمود والاستبسال في تحدي أحط نموذج أخير عن الدولة الإرهابية، إذ تعلن حرباً شاملة على مجتمعها ما أن تمرد بعضه على لصوصها وجلاديها الكبار. تلك هي ثورة فقراء سورية وفتيانها الأشاوس التي صممت على إسقاط أحد أو آخر تماثيل العبودية الدموية المجنونة في القرن الواحد والعشرين، فلماذا إذن لا يشعر المجتمع العالمي أنه متفهم لحقيقة هذه الثورة ومغزاها الكوني، وأنه مؤيد لها بكل وسائله المشروعة كأنها ثورة أجياله الصاعدة في كل ميدان منازلة مع بقايا الطغيان العالمي المندثر. وهذا ما جعل معظم دوله تتنادى لرفع الظلم عن الشعب المقهورو وتعلن عن تضامن ممهد لإجراءات عملية، ينتظرها منه هذا الشعب على أحرّ من الجمر.
في ضوء هذه الحقيقة الأولية يمكن تقييم المؤتمر الأول لأصدقاء سورية على أنه خطوة تأسيسية نحو تفعيل ثقافة الربيع العربي على مستوى مجتمعي عالمي، أكثر منه دوليا أو دبلوماسيا فقط، بل ربما انتقلت قضايا حقوق الإنسان من فضاء الخطابات الحكومية، إلى أندية الحركات الاجتماعية الفاعلة. فلا تبقى مصائر الجماعات والشعوب المضطهدة مرتهنةً لتناقضات المصالح الظرفية ما بين السلطات وأجهزتها المحترفة. وقد شهد اليوم الطويل لمؤتمر أصدقاء سورية مسرحاً حياً لتداخل الشأن الدولي بالشأن الشعبي أو المدني. ذلك أن الثوار وأصدقاءهم الفعليين كانوا ينتظرون ما هو أبعد من التعاطف والتضامن، وصولاً إلى حدود المشاركة والدعم العملي؛ بينما كبار الغرب خاصةً يراوغون حول الوسائل الناجعة في تعديل موازين القوى ما بين الجلاد المدجج بأحدث أسلحة روسيا، والضحية الممنوعة حتى اليوم من استخدام أضعف أسلحة الدفاع الأولية، حتى لبعض فصائلها العسكرية المنشقة. فالغرب لم يحسم أمره النهائي. وقد تكون مسألة (مابعدية) سقوط النظام صارت لها الأهمية الكبرى بالمقارنة مع (ما قبلية) هذا السقوط.
الدوائر السرية تنصح سلطات القرار الأمريكي، وبعض الأوروبي من ورائه، بعدم تكرار النتائج لثورات الشاطئ الجنوبي للمتوسط، فليس من تقاليد الغرب السماح بأي حراك شعبي واسع، كانقلاب أو ثورة، فالت من بين أصابعه، إذا ما وقع مثل هذا المحظور، الخطير، فلا بد لذلك الحراك، أن يخضع سريعاً لعمليات التعقيم من كل (جراثيمه) أو مشاريعه المستقلة، والضارة بالمعايير الغربية؛ غير مسموح لثورة عربية أن تكون حقيقية. فكيف يسمح لثورة متطهرة من الأصابع المسمومة أن تنتج حكامها من نوعها، أن تنشئ ديمقراطية المواطنة الحرة المستقلة فعلاً وواقعاً. إنها إذن مرحلة المراوحة والمراوغة الطويلة والمتشعبة. وفيها يحاول أبطال المستوى الثالث الدولي الإمساك ما أمكنهم بقيادات المعارضات السياسية في المستوى الثاني. وأما أبطال المستوى الأول، من جماعات الثوار وأمثالهم، فهم الذين تقع عليهم وحدهم أعباء الثورة في شتى مراحلها وأحوالها، ولو لم يكن ذلك هو وضعهم الأصلي، ما كان لهم أن يصمدوا قُرابةَ عام، إن يبذلوا عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والأسرى، أن يخوضوا حروب أحياء وبلدات ومدن بعد أن كانوا يخوضون حروب شوارع وساحات.
كل هذا التوصيف صحيح، وكذلك الاعتراضات والآراء الأخرى المخالفة، لكن الأمر الفاصل في تزايد الصخب الخطابي حول الثورة والنظام، ومصير كل منهما بالنسبة لذاته وللآخر، هو أن هذا الصخب لن يكون له وزن مؤثر في عناصر الإشكالية المركزية المتعلقة بمعادلات موازين القوى بين مستويات (الأزمة) السورية الثلاثة، سوى أن كل مستوى منها يحاول احتكار دفة السفينة لوحده؛ يمكن القول مع ذلك ان انطلاق مؤتمر (أصدقاء سورية )، قد يضع حداً للصراع حول بوصلة السفينة تمهيداً لتحرير دفّتها من احتكار الربّان الواحد؛ ذلك أن مسألة التطورات القادمة للثورة ومحيطها السياسي والدولي، سوف تطرح على المجتمع العالمي، كدول، وشعوب خاصة، نوعَ المسؤولية المادية وليس المعنوية فقط، عن نجاحاتها وأخطائها، فلم يعد الخيار الأهم في سُعار النقاشات والمواقف المتناحرة، يدور حول وسائل الصراع، من تدخل دولي أو عدمه، من عسكرة الفعل الثوري أو سلميته، بل تصير المفاضلة بين هذه الوسائل محكومةً بالهدف المركزي من اندلاع الثورة وديمومتها، واكتساب شرعيتها العالمية مع هذا المؤتمر ـ على الرغم من تواضع مقرراته والتباس بعضها ـ إنه هدف إلغاء العبودية وقيام الديمقراطية، والديمقراطية تحارب أعداءها بموجبات قوانينها حتى قبل أن تقوم مؤسساتها، بل هي كامنة في روح الثورة، ومرافقة لإنجازاتها، بقدر ما تكسبها شرعيتها المدنية وهي في حمأة صراعها بأشكاله وأدواته المختلفة.
بدلاً من القول بعسكرة الثورة، أو عدمها فإن للديمقراطية قانونها، وينبغي أن يكون هو الحكم الأول والأخير في تقرير مصير القتلة الفاسدين، وإنه موعد عربي وكوني معاً.’ مفكر عربي مقيم في باريس