فيلم ‘لا تخافي’: كيف يتصالح ضحايا البيدوفيليا مع ماضيهم؟

حجم الخط
0

محمد بنعزيز تلهو الطفلة سيلفيا بدميتها وتخاطبها: هكذا يا عزيزي مصي إنه لذيذ… هكذا… تنتبه الأم لكلام ابنتها وتسألها: ـ من علمك هذا؟

ـ بابا.

سجل المخرج الهدف في أسرع وقت. كشف السر في 30 ثانية. طبعا فهو قادم من أسبانيا، ويبدو أنه تأثر بلاعبي الريال والبارصا. يصلون مرمى الخصم بتمريرتين أو ثلاث. في لقطتين وصل المخرج لقلب المتفرج. بما قل ودل من اللقطات. هذا فيلم له بإيقاع البطولة الأسبانية، شديد ومتوتر، من أوله لآخره. كان هذا فيلم ‘لا تخافي’ No tengas miedo للمخرج مونتشو أرمينداريز، وقد عرض ضمن المسابقة الرسمية في المهرجان الدولي للفيلم بمراكش دورة دجنبر2011. صبيحة يوم عرضه (5-12-2011) نشرت جريدة أخبار اليوم على صفحتها الأولى ‘الصدمة… قاصر تحمل من والدها’. جرى هذا قبل عرض الفيلم. فالسينما لم تجلب البيدوفيليا للمغرب. وتقول الجريدة أن قاصرا تزوجت وبعد أربعة أشهر أنجبت. جن زوجها استدعى الشرطة لتحقق فاعترفت العروس أن والدها هو عشيقها… سيحاكم الأب وسيقضي زمنا في السجن… هكذا انكشف السر في القصة الواقعية الخام بعد تسعة أشهر… في الفيلم الأسباني، اللعبة مكشوفة منذ البداية… وهذه زاوية معالجة جديدة… تعود الطفلة من المدرسة مبتلة بسبب المطر، يستقبلها والدها ليغير ملابسها… ثم ينطلق عزف كمان حزين… وبما أن سيلفيا تحب الكمان وتعزف عليه فقد جعل المخرج الموسيقى التصويرية تنبع من اللقطة… والكمان يعمق إحساس المتفرج بالمأساة… وبحقيقة الوضع التي تعني كل واحد… فالجنس كالأكل، تتجدد الرغبة كل أسبوع… تتوالى لحظات الجوع والإشباع… تكبر البنت… تطلب من والدها أن يدغدغها… يفعل… لا ترينا الكاميرا كيف ذلك… هذا لا يحتاج لشرح في النور أو في الظلام… كما أن أحدا لا يأخذ الطعام لأذنه في الظلام فنفس الأمر في السرير…. تمضي الأيام صار عمر سيلفيا 25 سنة… حينها قررت أن تتحرر، وقد بدأت بالسؤال: كيف أن أكثر شخص أحبني هو الذي حطم حياتي؟

عثرت على السؤال، وفي تصوري الشخصي العثور على الأسئلة أصعب من العثور على الأجوبة.

في فيلم ‘لا تخافي’ لم يتجه المخرج للنهاية المتوقع… هو غير معني بمصير المجرم… يهمه مستقبل الضحية… هل يمكن طي صفحة البيدوفيليا في حياة شخص ما؟ هذان سؤالان يتضمنان أسرارا. وهما يلقيان بجزء من المسؤولية على الضحية. فوالدة سيلفيا قد رحلت بمجرد سماع الجواب الذي ورد في بداية الفيلم. هجرت ابنتها، ضرّتها بأنانية. فالأب من هذه الزاوية أفضل لسيلفيا. ثم إن الأب لا يتحمل الخطيئة بمفرده. فسيلفيا تطلب منه أن يدغدغها لأنها تعودت… وهو حاضر معها دائما… وهذا يعقد حسابها مع ماضيها… هي تعرف أن للماضي تأثير عظيم في صياغة حاضرها، لذا كانت تبحث عن صيغة لتتعامل مع هذا الماضي… ذهبت لمرة أخيرة لدى والدها ليدغدغها… ليدرك أنها فهمت كل ما جرى بينهما… ولم تعد طفلة… وأنها نضجت وستملي ما سيقع بعد الآن… وقد رحلت… ينتهي الفيلم بآفاق جديدة تخفف قلق المتفرج… فيلم قوي، تم تصريف السرد فيه بشكل احترافي، جعل الأمر يبدو بسيطا وكأنه سهل… فيلم أحرق ورقة الموضوع منذ البداية وهو بذلك يسمح لنا بمتابعة سيلفيا تبني حياتها من جديد… حين بدأت تفهم صارت تتجنب العودة إلى البيت… كي لا تتورط في الخلوة المحرمة مع والدها… توجهت لطبيبة نفسية عرضتها لتنويم مغناطيسي للاعتراف، لكشف الذات. بالموازاة مع ذلك تتعرف على صديق… تختاره هي، بإرادتها… تجد فيه البديل، يدغدغها دون أن تنتهي الدغدغة بطعم المرارة… نتتبع هذا وليس في الفيلم لا كلمة جنسية ولا لقطة واحدة عن العلاقة بين الطفلة ووالدها… لكن مخيلة المتفرج تكمل الصورة فتجثم على نفسيته. هذا هو وجه الشبه بين السينما والشعر… التلميح والتكثيف… فيلم فيه الكثير من الكبح الفني لتجنب الانحدار نحو الفضائحية.

من أين ينبع التوتر إذن؟ من خرق خطير للقيم الإنسانية التي حرص عليها الدين والأخلاق… من زنا المحارم… منه نبعت تراجيديا الملك أوديب… وقد حرصت كل الشرائع على تجريمه… وحرص الكثير من المخرجين على تناوله، وهو موضوع مغري للمعالجة السينمائية بسبب طابعه الفضائحي وصداه الإعلامي. لكنه خطر على كل مخرج يبحث عن شهرته في مواضيع مستهلكة، خاصة إذا لم يكن قادرا على طرح معالجة مختلفة ووجهة نظر جديدة تنقذ المتفرج من تكرار الحكم: رأينا هذا ومللناه. المخرج الأسباني خرج سالما من هذا الحكم. لم يركز على حساب المجرم مع المجتمع والشرطة، بل ركز على حساب الضحية مع ذاتها، وقد وثقت أن بإمكانها التصالح مع نفسها وبدء حياتها من جديد… وذلك بمقاربة على مرحلتين، أولا بفتح علبة ذاكرتها الانفعالية للضوء، وثانيا بمشيتها الواثقة للقاء حبيبها. فمستقبلها يوجد أمامها لا خلفها. ناقد سينمائي من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية