محمود قرني قبل عدة سنوات كتبت مقالة، لم أشأ لها أن تكتمل تحمل العنوان نفسه الذي يتصدر هذه المقالة. كنت آنئذ أود التنبيه الى خطورة الضلالات التي تتعاظم كل يوم حول الشعر الجديد في أذهان شعرائنا الذين تصدروا المشهد الشعري سواء بجدارة الموهبة والمنجز أو بأقدمية السن وقسمات الشيخوخة. غير أن مساحات التشوش ظلت تتنامى يوما بعد يوم حتى تحولت الى نوع من الاستئصال الممنهج الذي تبدت مظاهره في تجليات تكاد تستعصي على الحصر، وهو أمر دفعت به الديمومة الى منطقة المألوفية، فأصبح يقع موقع الخطأ الشائع أو الجريمة الاعتيادية، وفي كل مرة لن يعدم القائمون على الأمر أسبابا تعمق، في جوهرها، من قناعتنا بازدراء أبويتهم. فهم، بصكوك غفران الدولة الشمولية، الحراس على ذائقة الأمة وعلى عقلها، والجنود البواسل ضد أية اختراقات للثابت والمستقر من وجهة نظرهم. وهي حالة باتت تستحق الشفقة بأكثر ما تستحق استجلاب اللعنات، لكن توصيفها ربما كان مفيدا في مقامه. فهذا الوعي ظل يصم سلوك عدد من شعراء الأجيال الأسبق في مصر ضد معظم الشعراء الجدد وما يمثلونه من قيم شعرية تتجه نحو القطيعة الجمالية والمعرفية مع ماضيهم، الأمر الذي أدى في نهاية الأمر الى صعود جيل ورث تركة ثقيلة تكتظ بالنفي والإقصاء، ومن ثم بدا تكريسا للمزيد من القطائع الإنسانية والمعرفية والجمالية على السواء. وقد حاول عدد من الشعراء، منذ وقت مبكر، التنبيه أيضا الى خطورة تعميق الهوة بين جيلين يبدوان متصلين زمنيا هما جيلا السبعينيات والثمانينيات، وأظن أنهم لم يكونوا مدركين أن المسافة أبعد من كونها زمنا يبدو قصيرا وفي متناول اليد، لأن الحقيقة الجمالية قالت كلمتها وهو أمر بدت معه السنوات العشر التي تفصل السبعينيين عن لاحقيهم كأنها السنوات الضوئية. ومع استقرار الصورة التي شكلت محتوى المشهد الجديد انتخبت الذائقة العامة قديم الشعر من جديده، كما أفرزت جيده من رديئه، وكشفت الكثير من عورات العراة الذين ظلوا أزمنة يعتاشون على عشب غيرهم، فأمهلناهم حتى يبلغوا عشبهم، لكنهم، بكل أسف، لم يبلغوه، بينما بلغوا، فحسب، تقاعدهم الشعري والإنساني على غير توقع. في الوقت نفسه لم يستسلم الشعراء الجدد لمأسسة مشروع القتل الجماعي الذي قاده شعراء يتزيون بزي الريادة والتقدم والطليعية، فأصدروا مطبوعاتهم ودواوينهم ومجلاتهم وأقاموا مؤتمرات كبرى بقروشهم القليلة، وهي مؤتمرات تفوقت على الكرنفالات التي أنفقوا عليها ملايين الجنيهات. ومع ذلك كان من نتيجة هذا الإقصاء الممنهج أن تم وصم الشعر المصري كله بأنه خرج من حقبة الحداثة خالي الوفاض دون منجز يتساند عليه ويبرر من خلاله مزاعمه بالريادة، ورغم أننا نختلف مع هذا التوصيف ‘العروبي’ الإقصائي كذلك، إلا أن تفاؤلنا بثورة الخامس والعشرين من يناير أعاد إلينا بارقة في تصحيح مواقع الأقدام سواء من جانب الكبار أنفسهم أو من جانب المؤسسة التي منحتهم المكنة على ترتيب الصورة على هذا النحو الشائن، غير أن ما حدث كان أكثر إيلاما مما يتصور أكثر المتشائمين. فقد أعلن تسعة من أعضاء لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة ‘في تشكيلها الجديد’ استقالة جماعية مسببة في الثالث والعشرين من يناير الماضي. كان على رأس المستقيلين الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي وتبعه، حسب الترتيب الذي نشرته جريدة ‘الأهرام’، كل من الشعراء والنقاد: أحمد سويلم، حسن طلب، سيد حجاب، فاروق شوشة، محمد إبراهيم أبو سنة، محمد سليمان، محمد عبد المطلب، ونصار عبد الله، وذلك على خلفية انتخاب الشاعر ماجد يوسف مقررا للجنة خلفا للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، بعد أن طلب الشاعر عاطف عبد العزيز، بأدبه المعتاد، من هؤلاء الرواد عدم الترشح لمنصب المقرر احتراما لثورة الخامس والعشرين من يناير وإعمالا لإرادة التغيير.
وقبل الخوض في حق المستقيلين في الاستقالة باعتبارها حقا يكفله الدستور والقانون لكل المواطنين على السواء، فإن ثمة ملاحظة أولية جديرة بالتسجيل وهي أن حجازي ورفاقه تقدموا باستقالتهم بصورة جماعية الى الدكتورة كاميليا صبحي الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للثقافة، على ما ينطوي عليه مفهوم الجماعية من إرهاب وتخويف، وعد ووعيد، لاسيما وأن الاستقالة منسوبة لأسماء يتصدر بعضها المشهد الريادي، وهو ما يعني أن المسؤول عن تشكيل اللجنة عليه الانتباه الى تصحيح الأسباب الداعية لهذه الاستقالة. أما الملاحظة الأكثر لفتا للانتباه، فتتعلق بالأسباب التي أبداها المستقيلون من موقعهم، فالنص المنشور يؤكد أن ‘التشكيل الجديد للجنة لا يحقق الانسجام المطلوب بين الأعضاء، ولا يتيح فرصة حقيقية لعمل أصيل من أجل رفعة فن الشعر وازدهاره.. ‘. والنص على هذا النحو يكشف عن عدد من الفرضيات التي ستؤدي، حتما الى نتائج أرجو أن يراجعني فيها من يرى أنها تقع، في التحليل النهائي، موقع التجني أو الخطل: أولا: لا يمكن قراءة الاستقالة الجماعية من الناحية السياسية والقانونية سوى باعتبارها عملا احتجاجيا على وضع يتعلق بالإخلال الجسيم بعقد العمل أو الشرط الاتفاقي الضمني أو المكتوب المنوط بمقدمي الاستقالة، أية استقالة، ومن ثم يكون الترويج لكون الاستقالة أتت من باب الترفع على العمل وترك الفرصة للأجيال الجديدة كذبة لا تنطلي على أحد، ويصبح ما قاله أحمد عبد المعطي حجازي داخل اللجنة من أنه كان يتم اختياره بالتزكية لمنصب المقرر وأنه لم يكن يطلب الترشح لكن الأعضاء هم من كانوا يطلبون إليه ذلك، وأنه سيترك، راضيا، مكانه لغيره، يظل قولا مجانيا يفتقر الى الدقة والصدقية. ولي ولغيري أن نتساءل: هل يصلح أن يكون مثل هذا النص الاحتجاجي السافر للاستقالة تعبيرا عن هذه المزاعم؟! ثانيا: اتفاق المستقيلين على ‘أن التشكيل الجديد للجنة لا يمكنه تحقيق الانسجام المطلوب بين الأعضاء’ يبدو، في جوهره، تأنيبا وتأديبا لمؤسسة تستحق التأنيب والتأديب، فقد قامت باختيار أعضاء للجنة لا تتوافر فيهم شروط الانسجام!!. أي انسجام إذن؟ هل هو انسجام الأمزجة والذائقة؟! انسجام الخلفية المعرفية؟! أم هو انسجام المصالح؟!
، الأمر على كل حال يبدو مثيرا للريبة، في ظل إمساك المستقيلين عن البوح بحكاية الانسجام هذه، والتي تبدو في أحسن وجوهها مثيرة للسخرية، ومع ذلك فقد حاولنا قراءتها بأقصى درجة ممكنة من حسن النية. غير أن استرسال الاستقالة في تبيان النتائج المترتبة على ذلك تبدو مخيفة للأمة كلها، هذا إذا كانت، أي الأمة، تخشى على مستقبل شعرها، فإن غياب هذا الانسجام حسب نص الاستقالة ‘لا يتيح فرصة حقيقية لعمل أصيل من أجل رفعة الشعر’ !! ، فهل ما فعله حجازي ورفاقه في الشعر المصري طيلة أكثر من عشرين سنة كان، فعلا، من أجل رفعة الشعر؟!. علينا فقط أن نذكر حجازي، أنه بمباركة رفاقه، حصد جائزة مهرجان الشعر العربي الثاني الذي أقيم بالقاهرة في العام 2009، في الوقت الذي كان يشغل فيه موقع مقرر المؤتمر وتشكلت لجنة التحكيم تحت رعايته، وقد أثار حصوله على الجائزة احتجاجات واسعة مصريا وعربيا، ولم يكن ضيوفه من الشعراء العرب أقل اندهاشا منا وقد استمعت منهم الى الكثير المخجل حول هذا السفور، وهو أمر لا يحتاج، فحسب، الى التقرير بفساد نص الاستقالة، ولكنه يحتاج الى بلاغ للنائب العام ضد حجازي وضد كل من شارك في منحه تلك الجائزة. مع الوضع في الاعتبار أن أمر الجائزة ليس إلا حديثا ضمن أحاديث كثيرة سنأتي على ذكرها في الوقت المناسب. ثالثا: تبدو الثقة التي تكلل نص استقالة حجازي ورفاقه في حاجة الى كتيبة مدرعة لتحرس خطلها. فمن أعطى حجازي الحق في تحديد الأسماء التي يمكنها أن تحتكر فكرة ‘الانسجام’ لنفسها؟!
، وكذلك من الذي هيأ له أنه يحتكر ورفاقه العمل على رفعة شأن الشعر؟!! في الوقت الذي لم تكن فيه اللجنة سوى صورة شائهة من النظام السياسي البائد. فاللجنة ظلت لسنين تمارس الأبوية في أسوأ صورها، معتمدة على اسم حجازي من حيث كونه يملك آلة التخويف التاريخية، ألا وهي ‘الريادة’، ومن ثم فقد أصبح التبرك بالغبار الذي يحوطه واجبا وطنيا والاستماع الى همهماته في تذلل، وإن كانت رطانا، واجبا أخلاقيا. وبعيدا عن الأسئلة ذات المرمى السياسي التي تأخذنا أجوبتها عادة الى طرق أكثر يسرا تنتهي الى الإدانة الكاملة للواقع بكل تجلياته، هذا الواقع الذي تمثله مؤسسات هتك التكنوقراطيون من الشعراء عرضها حتى فقدت، للأبد، حلم عذريتها؛ علينا أن نتساءل أولا: ماذا يريد منا الكبار؟ لاسيما ونحن نعمل معا تحت وطأة ثقافة تنحو الى الإجماع وتحتقر الفردانية، ثقافة تبحث عن خطابات جامعة تعمل على وأد التنوع والتعدد، فهل نخوض المعركة نيابة عنهم فنحصد الموت ويحصدون الخلود.
ليس غريبا إذن أن نجني، من موقع الأبناء، الآثار المروعة لهذا الوضع التاريخي الدامي، وحتى نتأكد من ذلك علينا أن ننظر كيف استعان السياسي بالقفاز الخشن الذي يعتمد القوة الغاشمة في حسم اختياراته بمساعدة هؤلاء الآباء، كذلك علينا أن نتأمل النتائج التي ترتبت على إلحاق النخب الفاعلة من هؤلاء الآباء بكتائب التبرير السياسي والثقافي لإضفاء المشروعية على أداءات سياسية مختلة، تفتقر الى أية كفاءة، الأمر الذي ساهم في التنامي المذهل لجماعات الفساد السياسي والثقافي وكذلك تنامي قوة المحافظين، وسيطرة التيارين معا على أدوات التدجين وإعادة إنتاج الأصولية بوجهيها الثقافي والديني، حيث تمارسه الجماعة الأولى بقوة البطش السياسي، أما الثانية فتمارسه عبر الخطاب الغوغائي ضد السلطة الزمنية في الصراع الحضاري. إذن ما الذي يمكن للأصوات الغضة الطالعة فعله أمام هذه التركة المنتنة، وكيف يمكن النظر في هذه المناخات لحركات التجديد الفكري عامة والشعري على نحو أخص؟ الإجابة معروفة بطبيعة الحال ونعاني مراراتها منذ أكثر من عشرين سنة، وهو أمر، في ظني، لن تجدي معه مراجعة هؤلاء الكبار في مقولاتهم ومواقفهم، لأنني أتصور أن هؤلاء، الذين تعلمنا عليهم، في حاجة ماسة الى من ينقذهم من أنفسهم.