مقطع من رواية ‘الجانب الآخر’

حجم الخط
0

حسن سليمانالله وحده يعرف ما دار في خلد العجوز كريستينا حين غادرتنا إلى منزلها قبل حلول رأس السنة بدقائق، قالت تعتذر: بالنسبة لي كما تعلمون لا يهم رأس السنة أم نصف السنة، مجرد زمن يجعلني أشيخ أكثر ويجعلني أبتئس، أنا أتجه نحو النهاية. عقلها وأحاسيسها كأنها تظل معنا في المنزل، وتفكر: الآن فرغ لهما الجو وسيبدآن بتداول المتعة الحقيقية، وآه على الأيام التي مرت علي من دونها، ربما وجع المفاصل وآلام الرأس ووجع بطنها فهي قد استأصلت جزءا من الكولون، راحت تمشي على مهل نحو منزلها وتدخل الفراش في نهاية الأمر ثم تغمض عينها بألم وتغلق أذنها لن تسمع بعد اليوم شيئا. كريستينا. ولو تدقون علي الباب أنت ورونيكا فلن تريا ماتريدانه وأنا لن أفتح لكما الباب. وهكذا المعاندة والمكابرة، أن يذهب المرء إليها كي يدق الباب بهدوء لا يزعج أرواح منتصف الليل، هلو كريستينا أنا أتيتك، لن تفتح، وحين لا تستجيب تحدث تساؤلات كثيرة في الذهن وصور وتوقعات ربما ماتت هل أدفع عليك الباب، أم أهاتف ابنتك أم ماذا فأنت لا تجيبي كأنها ماتت قبل قليل. والعجائز من عمرها ومرضها ووحدتها تتمنى الموت على الحياة. قد ماتت. حين تتجاوز المرأة الخمسين تموت. ورونيكا قريبة من الخمسين، أما العجوز فهي مدفونة الآن في مقبرة مجاورة وتمشي كل يوم وتقطع الطريق كي تصل إلينا، بينها وبيننا غابة، قالت مرة إنها في السابعة والسبعين، أي أنها ماتت منذ سبع وعشرين عاما. وتمر السنوات كأنها يوم واحد، ماذا يعني ثلاثون عاما في نظر من يقوم كل يوم منذ ملايين السنين. يصيبنا الحنين إلى تلك الأيام ونحن في عزلتنا وتنفجر فقاعة أخرى من الذكريات فتحفز رونيكا ويتحول لونها إلى لون سفينة راسية في الجليد هل سمعت! تشير بيدها ولا تقول حرفا واحدا كأن الخوف ربط لسانها- ماذا سمعت، لم أسمع شيئا. لقد كان الصوت. لم أسمع. بل انتبه أكثر وركز الى تلك الناحية. وخيم جمالها على المنزل. حين تخاف المرأة تصبح ملكة جمال. كان جسدها الخائف جميلا. عظام رقيقة ولحم مكتنز. رفعت الستارة عن الخارج الذي راح. وحين أنهت الكأس الثانية نظرت بحنو وشقاوة وقالت بصوت خافت أنا جائعة، سوف انطفئ إن لم آكل، أريد شيئا، هل يوجد شيء في الثلاجة. فتحت الثلاجة ولم تجد سوى زجاجة ماء قديمة ورغيفا سبق أن سخن في الفرن حتى صار يابسا ثم وضع في الرف العلوي من الثلاجة، ماهذا، أريد طعاما. سوف أموت.

من الممكن أن نصرف النظر عن الطعام ونحتمل الجوع لفترة أن لا تتحركي كثيرا ولا تتحمسي أو تضطربي، لتكن أحاسيسك خاوية وفكرك غائبا وهنا سيتوقف صرف الطاقة وتتحولين إلى سكون من دون حاجة إلى طعام، لا جوع، لا شرب، لا هواء، عليك الهجوع والصمت. وليمر العالم كما يريد.

الموتى هم وحدهم الذين يحركون العالم.

لا يشغل الموت سوى الحي، فهو لا يشغل الميت. لقد عثر الحي على الموت كي يتمسك به ويجعل منه عالما يشعل فيه خياله ويحرق هباء الذهن الأجوف.

هل سمعت، تسمّع قليلا، إنه صوت طفيف لكنه صوت اسمع، هل سمعت.

ماذا.

انفجار، ألا تسمع.

انهيار وغبار يملأ سطح الأرض.

كيف عرفتِ؟!

أنظر إلى التلفاز، الأخبار. وسرعان ما رحنا نستمع إلى مايقوله التلفزيون، منذ دقائق كان يحتفل برأس السنة والآن أخبار عاجلة لما يحدث في العالم. في كل مكان خبر عاجل ولا احد يدري ماهو أهم خبر عاجل في العالم. العجلة ضرورية في تلقي الخبر. بزغت الشمس. وكان اليوم الذي سيمضي هو يومنا الذي لن نتركه يمضي. وقفت رونيكا تريد منح مسحة ميتافيزيقية لوجهها الشاحب، يوتوبيا تعيش فوق الغيوم، وخصلات سوداء غنية بمادة الحديد على عينها الواسعة ثم كي تعود إلى الحياة تمطت وأبرزت صدرها إلى الأمام. رائحة البيت رائحة صباح انتهى توه من النوم، تفتح رونيكا النافذة للتهوية، ثم تبعث رجفة في جسدها. كهرباء تظهر حاجة الإنسان للجنس. فغرت فاها تريد أن تقول مابك مثل حيوان صباحي، تريث كي نعمل قهوة الصباح. وبدا لي أنها تقوم بهذه الأدوار من أجل منح رخصة لإطلاقها في الفضاء مثل بالون يصعد خيمة الغجر تصعد الى السماء أو المشي فوق الغيوم، أنتِ دائما مزاجية وتريدين العالم على هواك، وتقولين: الرجال دوما كذا وكذا أما نحن النسوة… هناك هجوم واضح ضدنا، أبقِ هنا أما أنا فسأخرج. وهنا رفعت رجاءها تقول: طيب تعال طيب تعال، ارجع. لكنني لن أسمع صوتها القادم من عمق تركته منذ زمن وهاهي تبدو من مخلفات الماضي، رأس السنة الذي مازال يحتفل بالعيد وكيف لي أن أشاهد عريها الذي خلفته ورائي- عريها حين يحل المساء وتبدأ أصوات المآذن بالتكبير وينسمع في الخارج أصوات الصبية ينهون ألعابهم ودفء في كل مكان وخمرة تجري في الشوارع وفي الفضاء العالي ولك أن تتصور أن الحياة آنذاك لم تكن فوق شيء اسمه اليابسة. كيف يقول التلفزيون ما يقوله، ماهو الخبر بالتحديد، لا أحد يعرف ماهو الخبر الحقيقي، يقولون إن العالم انتهى.

يقول المجانين إن العالم انتهى أو يقترب من النهاية، ولا يمكن تصديق هذه الخرافة، من يصدق فليقف في الجانب الآخر، لن ينتهي حيث المجرى والعادة أوقفتا العقول عن تصديق خبر بهذا الحجم. مثلا لم أكن أتصور حين كنت صغيرا أن يموت رجل مثل جمال عبد الناصر. ومازلت أتخيل أن فكرة المهدي المنتظر هي فكرة ميتافيزيقية لا تطبيق عملي لها: سوف ينزل في الشام ويقود الناس والأمم لإحقاق الحق وإزهاق الباطل. وسألتني تقول: من هو جامال آبد الناسر؟ أوه، هو من عندنا وليس من عندكم، أنتم لا تعرفون من عندنا سوى سدام هوسين. وابتسمت تقول كان رجلا ساكسي، لكنه ديكتاتور مو؟ يس هو كذلك. انتم التكاترة محببون عند النساء كثيرا ونحن نحب من يقول لنا لا ولا. واقتربت كي تضمني، اقتربت من نهاية العالم وهي تفتح ذراعيها إلى وسعيهما حيث القادم كبير كبير ولا يمكن لمجرد ذراعي فتاة مكسيكية امريكية أن تلف هذا الوحش الهائل الذي آن اوانه كي ينتهي.

أرغب في لفت النظر، أن المسألة ليست مسألة نهاية العالم، هذه المسألة هي هزيلة ولا قيمة حقيقية لها… مصير كل الأحياء هو الموت، إن ماتوا تباعا فالعالم لم ينته وإن ماتوا في وقت واحد فالعالم ينتهي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية