المثقف بين عدم الأهلية و المسؤولية

حجم الخط
0

فؤاد العرويكان من السّهل جدّا، في بداية ‘ الرّبيع العربي ‘، أن تغدو ذا شعبية كمثقف، حسبك أن تنشر مقالا، و من الأفضل أن يكون في صحيفة باريسية أو لندنية، يتمفصل حول عديد ممّا يُزعم أنّها ‘ أفكار’: الطغاة أشرار، الشعب عظيم، الشبيبة أعظم و غدا سيكون أجمل و كلّ الأيّام و سنصير جميعا أغنياء و سعداء حالما يتمّ نفي الأشرار أوشنقهم على أعمدة إنارة. الأمر هيّن، لكنّه لن يكون إلاّ ‘ خيانة جديدة للمثقفين’ : ليس ثمّة البتّة أيّ فكر في هذه الشعارات. و الحال أنّ الفكر المفهومي أو التصوّري، أليس هو تحديدا من يمنح المشروعية لكلام المثقف؟

من زاوية النظر هذه، فإنّ واحدة من المعالجات الأكثر أهميّة للشأن الليبي لم تكن الإدانة الواسعة للقذافي ــ الجميع يعلم أنّ هذا المجنون بالعظمة كان لعنة على شعبه و على العالم بأسره ــ و إنّما كتاب ‘ في قلب ليبيا القذافي ‘ الذي كتبه Haimzdeh، الديبلوماسي السابق بطرابلس بين سنوات 2001 ـ 2004 . لقد رسم فيه مشهدا شفافا لليبيا متيحا للقارىء أن يفهم بعمق الحرب الجارية هناك. إنّه عمل مبني على تحليل تاريخي و سوسيولوجي ولم يتضمّن أيّ شعار.

التحليل التاريخي و السوسييولوجي، هذا هو قلب القضية. ثمّة قواعد و مقولات و أيّ تحليل رصين يمرّ عبرها. التمكّن منها يحدّد أهلية أوعدم أهلية المثقف، و ليكنْ الشاعر الأكثر تأثيرا في العالم أو المخرج السينمائي الأكثر ذيوعا. خلال أسابيع، استعادت الجزيرة مشهدا صغيرا حيث نشاهد سيدة تونسية قريبة من الإغماء تتمتم بأنّ أبناءها الأربعة، جميعهم كانوا عاطلين عن العمل: كان ذلك مأساة حياتها، و الرّجال المحيطين بها يهزّون رؤوسهم علامة تذمّر. بالنسبة إليهم هم أيضا، كانت البطالة هي المسألة الأساس. منذ بداية العام2011 و حالما نطرح السؤال على المواطنين المصريين، اليمنيين أو المغاربة، فدائما المشكلة الاقتصادية تتقدّم على المشكلات الأخرى. بالطبع، يجري الحديث بشكل إجمالي عن الكرامة، عن الديمقراطية، عن رفض الاستبداد و الطغيان؛ لكن حينما نتوجّه إلى فرد معلوم، لمّا نسأله لماذا هو غاضب، ما الذي يحفزّه على التظاهر، على المجازفة بحياته، فلا بدّ أن نكون على يقين من أنّه سيذكر غلاء العيش، صعوبة إيجاد سكن و البطالة.

في إمكاننا عندئذ أن نتساءل، ما هي مشروعية المثقف الذي يتحدّث عن الموضوع إذا لم يكن هذا المثقف نفسه رجل اقتصاد؟ هل له خطّة لإيجاد عمل لملايين من المصريين الذين يدخلون سوق الشغل سنويا؟ أ يعلم كيف يمكن معالجة مسألة الماء في اليمن؟ أ له خيار آخر عن مطلق السياحة في تونس؟ بالطبع، يمكنه أن يتلافى كلّ هذا بالقول بأنّ بن علي كان يستخف بالبطالة و أنّ مبارك لم يكن يهتمّ بمصالح المصريين. علاوة على أنّ هذا يحتاج إلى توضيح، فإنّ مثل تلك الأقاويل ليست سوى ما يمكن أن نسمعه في مقهى تجاري أو في أزقة مدينة عتيقة: هل نحن في حاجة إلى المثقفين إذا كانوا سيقولون ما في مستطاع أيّ شخص أن يقوله ــ ولو أنّه ليس بالضرورة صحيحا؟

إذا كنّا نودّ بجديّة معالجة هذه القضايا، يلزم التوجّه إلى المختصّين. أنا دائما أندهش حين أرى على شاشة التلفاز أو أستمع من خلال الراديو ‘ مثقفا ‘ عُرف بكتيّب أشعار أو رواية، يجيب برصانة على أسئلة لا يتجاسر عالم اقتصاد أو عالم اجتماع محنّكيْن على الأخذ بها إلاّ باحتراس شديد حتى و إن كانا يدرسانها منذ عشرين سنة. و لأنّ الصحافي الذي يقابله هو أقلّ أهلية منه، يتمكّن المثقف من أن يجد له مهربا من خلال جمل من مثل ‘ يكفي أن ‘ ؛ يكفي أن نخلق وظائف للشباب! يكفي استثمار الموارد التي يكتظّ بها بلدنا! يكفي استعادة مليارات الدولارات التي استودعها مسؤولونا بنوك سويسرا! ينفضح المثقف، يُخيّل إليّ، حين يسقط إلى هذا الدّرك حيث الديماغوجية تلقي بوعيدها. كان من الأولى رفض الإجابة عن سؤال بتوضيح عدم الأهلية لفعل ذلك. على كلّ حال، لم يكن كويتزي و لوكليزيو، و كلاهما حاملان لجائزة نوبل، أن يمنحا مثل هذه المقابلة الصحفية. ثمّة العديد من الكفاءات في الجامعات مثلا و في كلّ العلوم. يمكن أن نتفهّم أنّ الصحفيين يرغبون أن تكون أمامهم شخصية مشهورة من أن يكونوا أمام أستاذ مغمور… لكن من يعرف كلّ شيء عن سؤال اللحظة الحاضرة! هذا يفيد نسبة المتابعة. أ يجب أن نلعب هذه اللعبة؟

بالطّبع لا. كان من الممكن في عصر فولتير أن تسيطر كمثقف على كلّ المواضيع تقريبا ( لقد كان فولتير حقا قادرا أن يشرح، في لغة فرنسية جيّدة، أعمال نيوتن… ) و قبله، كان ابن سينا يتحدّث في كلّ فروع المعرفة الإنسانية، كما معلّمه أرسطو. لكنّ هذا الزمن قد انصرم. اليوم، العالم هو من التعقيد إلى درجة أنْ أصبحت المعرفة أكثر تشظيا. يمكن أن نأسف على ذلك، بيد أنّه يلزم أخذه بعين الاعتبار. وحتى لا نأخذ إلاّ بعض الأمثلة، يبدو لي من الغطرسة قول أمور نهائية أو حاسمة حول ما يجري في مصر إذا لم نتعمّق، بصحبة المختصّين، في تناول المسألة الديمغرافية، يبدو لي من الصّلف الحديث عن اليمن إذا لم نكن متخصّصين في البنية القبلية والعشائرية للبلد، و لكن كذلك في مسألة الموارد من الماء، و من في مستطاعه أن يسمح لنفسه بالكلام عن المغرب و عن الجزائر في عبارة واحدة إذا كان يجهل اقتصاد الريع و من أيّ النواحي يختلف عن اقتصاد الانتاج؟

يمكن أن نستخلص، ممّا سبق، بعض خلاصات لها جدوى فيما يجري الآن من مجادلات. أوّلا، على المثقف أن يتعلّم التواضع و عليه أن يتذكّر أنّ في الجامعات و حتى في الحياة النشيطة و في الصحافة المتخصّصة أناسا مجهولين لهم معرفة أوسع منه و في كلّ المجالات تقريبا. و عليه أن لا يتردّد في الجواب ‘ أنا لا أعرف’ حينما… لا يعرف.

ماذا في وسع المثقف إذن؟ يبدو أنّنا أتينا على انتزاع حصة مهمّة ممّا يشكّل صندوق تجارته منذ بدء ‘ الربيع العربي ‘. ألم يبق له غير أن يسكت؟ كلاّ. بقي له الأهمّ. بقي له ما يجعل منه حقّا مثقفا، مبدعا، كاتبا، فنانا. بقي له أن يلحّ أيضا و دائما و في كلّ الأحوال على السؤال الدائم و على رفض الدّوغمائيات؛ على حريّة التفكير و حريّة الضمير، على أولوية الفرد على الجماعة، على القيم الكونية التي تبني المساواة بين الناس و كذا كرامتهم الشخصية. برنامج واسع! ثمّة ما يُعمل حتى نتكلّم بلغة عامية، ثمّة ما يُعمل بترك الاقتصاد و السوسيولوجيا و علوم الفيزياء، إلخ، إلى المتخصّصين المؤهّلين.’ Le Magazine Li’raire Du Maroc , N’ 10 , Hiver 2012 , p: 71 _ 72 ترجمة: إسماعيل أزيات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية