هل ترتعد يد الجرّاح؟

حجم الخط
0

عناية جابر

هناك أمورٌ لا رّاد لها. أمور لاتفعل سوى زيادة الخناق عليك وتظليل عيشك بالأسود الفاحم. أمرٌ مُعذّبٌ أنترقد صديقتي في المستشفى جراء عملية استئصال ورم خبيث في الصدر. صديقتي ذات نمط خاص في تعذيبي، ترقد هناك في الدعة والدفء والألم، وقلبي تالف.

تتدافع الكلمات من تلقائها، مع انني لست راغبة حتى في الكتابة. جسدي مصدع، ومصابة لا بد بمرض عقــــلي خطـــير، ولا أكف عن التدخين، والقهوة، وفي صدري تعبق رائحة الفورمول كما لو أعيش في مشرحة. طبعا، ليس المرض ما يستهويني.

ببساطة أحب أن أستلقي الآن مثل صديقتي، على ملاءتي البيضاء ووسادتي البيضاء وأحسب أن أي تفسير لن يزيد الأمر إلا غموضاً.

الطقس في الخارج بديع، مع ذلك ألبث في ركني الضيق والمعتم، أنفاسي ونبضي وهيجان أوردتي. أفكر في ما لا يحصى من الأمور، التافهة وغير التافهة: مناشف الحمام،’ جينزي’، فستاني، كتبي وكرات أوراق الكلينكس مكوّمة عند قدمي. طبقة من الكعك الهشّ مكسّوة بقشدة كثيفة عليها نصفا ثمرة كرز في الصحن أمامي. أحلم لو أنني أستطيع التخلص من أشياء الحياة كلها في مستوعب قمامة ضخم، وأحيا في مثل خفة لمعان البللور، أتخلص من الثياب المكوّمة وصحن الكاتو، والاصدقاء، والاعداء، والانترنت، والفايس بوك والمجلي المتسخ، والمقالات التي يجب أن أنجزها، وخصوصا حقيقة أن صديقة لي خضعت للجراحة جراء مرض السرطان، وترقد الآن في المستشفى، فيما مستلقية أنا مستسلمة ومرعوبة، ولا أجرؤ على زيارتها.

لا بد أن الجانب الاعلى المستأصل من صدرها، كان منتفخاً ولم يلبث الجراح أن نخره بسنان مبضع فإنشق. هل إرتعدت يده المكسوة بقفاز ‘اللاتكس’ وهو يسحب الورم من عميق الوجع الذي برّح صديقتي. الأرجح أن إستئصال الصدر والدم الذي انبجس عن نصل المبضع، والطقس البديع في الخارج واكوام النفايات من حولي، والكلمات التي تتدافع من تلقائها، تحرمني شيئاً أتشبث به.

هكذا تحضر صديقتي الى موعدنا بعد اليوم، بصدر واحد، وبضجة دموعها الرطبة، وبعرج خفيف جراء قطعة اللحم الناقصة التي انتزعت من صدرها الى الأبد، تحضر الى موعدنا بكتف مائلة، ويتسلل برد فظيع الآن عبر فتحة كم منامتي لجهة الصدر الذي اقتطعوه من صديقتي.

الدموع تعيش في مكان ما وراء عيوني، وأ ستطيع سماع دبيبها قادماً كجيش من القطرات، فأحبس المّد الدافيء، أمنع هطول الماء المالح وما يسببه من راحة خفيفة. لا بد أنها تسترخي الآن على سريرها، ضاغطة بإحدي يديها على قلبها تحت الصدر المنتزع. قلبها المتعثر وتفوته بعض الضربات. ثمة التقلص القابض على الجرح. صديقتي تحتاج وجودي قربها، وأنا في الألم حتى لم أعد أعرف إن كان هذا لا يزال ألماً أم ماذا؟ الامكنة المألوفة التي نعرف غدت نائية جداً، وأجهل إن كنا نعود معاً الى وجودنا الذي كان. افكر بها كثيرًا، مريضة وقريبة من الموت. قبل أن تمرض كانت موجودة بوفرة، فلم تكن فيّ حاجة الى التفكير فيها.

عندما أدارت وجهها جهة صوتي، كنت واقفة في غرفتها في المستشفى، أنظر اليها كأنما منذ الأزل. تفحصت وجهها متأنية في محاولتي قياس مدى ألمها، شعرها، أنفها، خديها، شحمتي أذنيها. ماذا؟ ـ قلت لها ـ أشعر بوهن كما ترين، وأشعر بضيق. كل شيء يكون على ما يرام، سوف ترين، سوف تعتادين الأمر. هزت رأسها مثل طفلة. تقدمت نحوها وحاولت أن أتخيل جرحها فلا بد ان يكون من أثر للجراحة كثمرة حمراء قطفت للتو.

بياض صديقتي الناصع كان مناسباً لكل شيء في الغرفة. جلست على طرف سريرها فتشكلت ثنيات كأنها غضون حفرتها الريح. حسبت ان الزيارة تكون طــــويلة وقاسية، وأحكي لأمي عنها حين عودتي، وبدا ذلك وحشيًا، فدفنت وجهي في وسادتها قرب رأسها، حابسة الشيء الذي في عمق عيني.

الطبيب الذي دخل فجأة سألني أن أتبعه الى مكتبه ليشرح لي مضاعفات العملية، والكيفية التي يجب على التعامل بها مع المريضة. جلسنا متقابلين نحن اللذين لم يُقتطع منا شيء، وشرع يشرح لي مضاعفات اقتطاع أحد ثدييـــها، والاضرار النفسية التي تلحق بها جراء هذا الأمر، مرفقا المصطلحات الطبية بالانكليزية، بتفسير مقتضب ظن أنه يُعينني على الفهم. كنت أحاول أن أتخيل آلّية عيشها بثدي مقطوع وكيف عليها بعد اليوم ان تحشو سوتيانها بمنشفة صغيرة تشد الفراغ على شكل أخرق.

قد تنقضي الأيام كعادة الأيام، ولكن ليس من شأن حتمية تبدُل الأمر، أن تتغير. من شأن الوقت على عادته، المباعدة بين الاشياء، غير أن صدرها يبقى يحتفظ بثمرة واحدة فحسب. ثمرة هشة وقابلة لأن تذوي من وحدتها، ولن تذوق أنامل رجل.

في بهو المستشفى قلت لرجل غريب أن صديقتي قد خضعت للتو لجراحة جراء إصابتها بالسرطان، بلا مبالاة غطّس عينيه على بلوزتي ولم يرفعها الى شرحي الذي طال، كنت لأشعر بالاثارة لو كنت أرتدي قميصي الابيض بتكويرته الفاضحة، غير أن الرجل جائلا بعينيه على بلوزتي المرتفعة العنق هذه، بقي علىحيرته في ما اذا كنت أخفي ثديين اثنين، او هو ثدي واحد لا غير.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية