لم يتصور أحد أن مطلبا بسيطا بالحق في العيش بكرامة ولو بعربة مجرورة لبيع الخضر والفواكه، يتحول بسبب حالة اللا خوف التي وصل إليها المواطن التونسي إلى مطلب بإسقاط نظام الحكم الديكتاتوري لبن علي في تونس، ومن ثَم انتقلت حالة اللا خوف هذه إلى باقي شعوب العالم العربي لتبدأ عملية تطهير الدول العربية من الأنظمة المستبدة الفاسدة التي ظن رؤساؤها يوما أن لا يقدر على خلعهم أحد، فخاب بإرادة الشعوب ظن الأنظمة.
لكن الفرحة بالربيع العربي لم تدم طويلا، اذ سرعان ما بدأت أزهاره بالذبول والاجتفاف، فحالة اللا خوف التي كانت بالأمس السبب في الثورة التي أدت لسقوط الأنظمة المستبدة أصبحت هي الآن السبب في معظم حالات الفوضى التي تعيشها بعض دول الربيع العربي الذابل ازهاره والجافة بسبب الدماء التي مازالت تسيل، ليس بنيران القناصة أو جنود التابعين للنظام البائد، ولكن بسبب حمل إخوة الثورة أسلحتهم في وجه بعضهم البعض بلا خوف أو وجل وخصوصا في هذه المرحله، ففي بالأمس القريب كانت مدينة الكفرة بليبيا عرضة لهجمات مسلحين تابعين لبعض الأطراف ولم يتم تحريرها من ثوار الأمس إلا بعد تدخل عسكري لأفراد قوات الجيش الوطني التابع للمجلس الانتقالي الليبي، وقبل هذا معارك طاحنة بين ثوار ليبيا وصلت حد استعمال الأسلحة الثقيلة وذلك بسبب من يمثل هذا الطرف أو ذاك في الحكومة الانتقالية التي لا تسيطر لحد الآن على منافذ ليبيا البرية والبحرية والجوية بل السيطرة كاملة على هذه المنافذ ترجع للثوار، أهذه هي إجابيات حالة (اللا خوف) التي أسقطت القذافي ونظامه في ليبيا؟ وقبل ذلك مبارك وأفراد نظامه في مصر والذين يرقصون فرحا بسقوط هذا الكم الهائل من القتلى والجرحى في مواجهات بين أنصار فريقين لكرة القدم، كانوا بالامس القريب يدا واحدة في مظاهرات أسقطت نظام يُعتبر من أعتى الانظمة ضد شعبه، فغالبا ما تقع مناوشات بين أنصار الفريقين، لكنها لم تكن لتصل حد الإقتتال وزهق أرواح ما يقرب من ثمانين مواطنا مصريا لولا تسلق حاجز الخوف المؤدي للفوضى التي يتمناها كل عدو للثورة وخصوصا مبارك ونزلاء سجن طرة من أفراد عصابته، ربما تكون حكومة هذا السجن خططت وتتخطط للإطحاة بالثورة بتعاون مع عدة أطراف داخلية وخارجية يضرها كثيرا وجود ديمقراطية حقيقية في العالم العربي أجمع، إلا أن هناك من يساعد من الشعوب بالإطاحة بالثورات من حيث لا يدري، فكثرة التظاهرات والإضرابات المطالبة بماطالب بسيطة يمكن ان تُؤَجل الى حين تطهير الدول العربية من كل توابع وبقايا الأنظمة الفاسدة له من السلبيات أكثر مما له من الإجابيات، وخصوصا في هذا الظرف الدقيق التي تعيشه الامة العربية، فقد أغلقت عدة شركات أبوابها نهائيا ورحلت بسبب كثرة إضرابات العمال المطالبين برفع الأجورـ كما حصل في تونس مثلا ـ والذي هو مطلب مشروع خصوصا في الدول النامية، إلا أن الإفراط في الاضرابات وفي هذا الوقت بالذات يؤدي الى نتائج عكسية تماما لما قامت من أجله الثورات المباركة، فإن كانت هناك مظاهرات فلتكن لأسباب وجيهة كتلك التي أسقطت الانظمة الديكتاتورية المستبدة وحفاظاً على الثورة من أعدائها المتربصين بها، وليس مظاهرات تُحمل حكومة لم يمر على تشكيلها شهر أو شهرين على أبعد تقدير مسؤولية ضعف البنية التحتية أو قلة المستشفيات أو ضعف التعليم، حتى رفع بعضهم صور رئيس حكومة المغرب المكلف حديثا عبد الإله بن كيران وحول عنقه حبل المشنقة كما نشرت ذلك جريدة “القدس العربي” في عددها 7055؛ فإذا كانت هذه الثورات قامت من أجل إحقاق الحق وإقامة العدل، فهل هذا هو الحق وهذا هو العدل الذي طالب به الجميع أثناء الثورة؟ لا يمكن حل جميع قضايا ومطالب الشعوب العربية مهما كانت شرعيتها بين عشية وضحاها، ولا يمكن محو آثار عقود من الفساد السياسي والإقتصادي والإجتماعي الذي مارسته الانظمة المستبدة في شهر أو حتى سنة من الزمن مهما تمـــــتع أفراد الحكومة الــــجديدة المنتخـــــبة بالكفاءة والنزاهة ومهما كانت خـــيرات ومقــــدرات البلاد إذا لم تتضافر كل الجهود، كما كان عليه الحال أثناء الثورة التي تتعرض كل يوم لخطر الوأد. الثورة التي تُعتبر بداية الطريق وليس نهايته، بداية الطريق نحو ما كانت تطالب به شعوب العربية منذ سنين لكن بصوت خافث وضعيف بسبب القمع الممارس من طرف الأنظمة المستبدة البائدة، إلى أن جاء اليوم الذي كُسر فيه حاجز الخوف من الأنظمة الديكتاتورية التي تهاوت تباعا أمام اتحاد وإرادة الشعوب المقهورة التي تبين أن إرادتها أقوى من الفولاذ والتي نتمنى أن توفر طاقاتها لخدمة الوطن العربي ما بعد الثورة، الثورة التي هي بالمرصاد في وجه كل حاكم سيحاول مستقبلا ممراسة الاستبداد والقمع وتقديم مصلحته على مصلحة وطنه وشعبه. محمد الزياني