الديموقراطية.. الصنم الذي سقط

حجم الخط
0

د. ناصر بن غيث

يقول عالم السياسية فرانسيس فوكوياما أن للتاريخ مفهومين الأول: التاريخ باعتباره سلسلة من الأحداث التفاعلية المتتابعة والثاني: التاريخ بإعتباره الكم التراكمي للتجربة الإنسانية، والتاريخ بمفهومه الأخير هذا قد توقف حسب فوكوياما لأن الإنسانية وصـــلت إلى النــــهاية في إرتقائها الثقافي والحضاري بإحرازها الاكتشاف الأخير فيما يتعلق بنظام الحكم ألا وهو الديمقراطـــية الليبرالية، ولعله من قبـــيل التبسيط المخل للإمور الإتيان بمثل ما أتى به فوكوياما، لكن وفي الآن ذاته لعله قليل منا يستطيع القول بأن النظام الديمقراطي ليس أفضل أنظمة الإدارة السياسية و الحكم اليوم، إنما قد تكون للمســـألة بعض التفاصيل التي قد تغير من التصور السائد بأن النظـــام الديمقراطي هو الحل الأمثل لأغلب العـــلل السياسية والإجتــــماعية والإقتصـــادية من فقر وتخلف وحروب وغيرها والتي تعاني منها الأمم في العصر الحديث وذلك إذا ما تم تبني مقاربة مختلفة.

النظرية الحديثة تقول أن الديمقراطية تقوم على متلازمتين أو عنصرين أساسيين: الأول الليبرالية وهو العنصر الذي يحكم السلوك والقرار الفردي والثاني حكم الأغلبية وهوالعنصر الذي يحكم السلوك والقرار الجماعي بالإضافة طبعاً إلى عنصري فصل الدين عن الدولة وسيادة القانون والتي تمثل مجتمعة ما يعرف بدولة القانون، وبدون تلازم هذين العنصرين لا يمكن تصور قيام فكرة الديمقراطية أو أي ممارسة لها، فالليبرالية تعني من ضمن معانٍ ودلالات كثيرة التحرر من القيود السلطوية والتخلص من كل الأفكار والأحكام والقناعات وأنماط السلوك السابقة فلا مسلمات ولا شيء محصن ضد والنقد والمراجعة من خلال إعمال العقل وربما في بعض الأحيان بل في كثيرها إعمال الرغبة، ومن ثم فكل شيء يخضع للمناقشة والمداولة والتصويت، فلا شيء مسلم به ولا شيء مقدس حتى حياة البشر، والشيء الوحيد المقدسة هو أنه لا مقدس والشيء الوحيد الثابت هو أنه لا ثابت، أما العنصر الثاني (حكم الإغلبية) فهو مكمل للعنصر الأول فما ينقضه العنصر الأول يتم تقرير بديله من خلال العنصر الثاني، بمعنى أن ما تتوافق عليه الأغلبية يصبح هو المقرر والمشروع، ومن هذا المنطلق فالأغلبية هي من تحدد ما يجوز ومالا يجور ما هو شرعي وما هو ليس بشرعي وعليه فالحسن هو ما استحسنته الأغلبية والقبيح هو ما استقبحته الأغلبية، ومن هذا المنطلق أيضاً وعلى أساسه فالأغلبية هي مصدر الحكم والسلطات والتشريع.

لكن لو أخذنا كل عنصر على حدة وأخضعناه للنظر فقد نواجه بعض الإشكاليات النظرية فضلاً عن المعضلات العملية، فالليبرالية من جهتها تثير أكثر من إشكالية تكمن أولاً في أنها تقوم على إخضاع المطلق للنسبي، بمعنى إخضاع بعض المفاهيم المطلقة لحكم وتقييم العقل البشرى المحدود بالزمان والمكان والذي يتسم بالنسبية وطبيعتة المتغيره التي تحد من صلاحيته ليكون معيار تقاس به الأشياء، حيث أنه يوجد هناك الكثير من المفاهيم تقع خارج إطار العقل وبالتالي لا يصلح العقل لأن يكون المعيار لتقييمها وإطلاق الحكم عليها مثال ذلك ما خرج عن إطار الزمان والذي يمكن أن يعبر عنه بالسؤال الاَتي: ما الذي كان قبل أن يبدأ الوقت؟ فالعقل يستخدم العلم الذي هـــو في حقيقة الأمر ومنتهاه عبارة عن مجموعة من القوانين التي صنعها العــــقل نفسه كي تعينه على فهم الأشياء وطبائعها وهي لا تحكم الأشياء كما يعتقد الكثيرون والتي تعجز عن تفسير الكثير من الظواهر أو تفسرها بطريقة يثبت فيما بعد خطأها، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن حزمة القوانين هذه المسماة العلم هي في ذاتها نسبية ما تزال في طور النمو والتغير ما يحد من صلاحيتها لتكون معياراً لقياس الأشياء وإطلاق الأحكام عليها لما قد يترتب على هذه الأحكام من نتائج مهمةكما أن النفس البشرية تتكون من العقل الذي هو وعاء المنطق والروح التي تمثل وعاء الإيمان والغريزة التي هي وعاء الرغبة والتي تتصارع فيما بينها لتسود في المحصلة إحداها على البقية فعندما تسمو الروح يغلب العقل على الغريزة ويحد منها والعكس صحيح ولكن في كثير من الأحيان وعندما تسود الغريزة والرغبة تكون هي المعيار في الحكم على الأشياء لا العقل وفي هذه الحال تكون الليبرالية هي ليبرالية الغريزة التي تطمس العقل لا ليبرالية العقل الذي يحد من العريزة وبذلك تكون أحكامها معيبة وخاطئة وتكون نتائجها سيئة عكس ليبرالية العقل التي غالباً ما تكون راشدة ونتائجها حسنة. هذا من جانب ومن جانب اَخر فإن الليبرالية تتعارض وتتناقض كذلك مع عنصر الديمقراطية الاَخر وهو حكم الأغلبية، فإذا ما تم النظر للعرف والموروث على إنه فكرة تم التصويت عليها وإقرارها من قبل كل جيل ومن ثم تمريرها للجيل الذي يليه إلى أن وصلتنا في يوم الناس هذا فمعنا ذلك أن هذه الفكرة قد حازت على الأغلبية على مر الأجيال وهو ما يمكن تسميته بالأغلبية الوقتية (timeline majority) ومن ثم لا تكفي الأغلبية اليوم أو ما يمكن تسميته بالأغلبية الآنية (static majority) لنقض هذه الفكرة لأن هذه الأخيرة ستكون حتماَ أقل عددا، كما أنها أي الأغلبية الآنية تتعارض كذلك مع الأغلبية المستقبلية (majority to come) إذا ما أقرت تشريع يقيد أو يحمل الأجيال القادمة أي التزام أو تكلفة مثال ذلك تشريعات الإجهاض أو التشريعات التي تسمح بالإقتراض أو باستغلال الموارد الطبيعية وعدم إبقائها للإجيال القادمة، وإذا ما أخذنا عدد من مضى ومن هو اَتٍ من الناس لتكوين ما يمكن تسميته الأغلبية البشرية (majority of humanity) فلا شك أن إعمال حكم الأغلبية الاَنية هو في حقيقة الأمر إعمالاً لحكم الأقلية لأنها تنقض الماضي وتقيد المستقبل وهنا يكمن التناقض والتعارض.

أما فيما يتعلق بعنصر الأغلبية فإنه يدخل في إشكالية مع عنصر الليبرالية من حيث أنها أي الأغلبية تتناقض مع الليبرالية وتقيدها، فإذا ما إفترضنا أن الأغلبية قررت أن لا تكون ليبرالية بمعنى أن تقرر الإلتزام بالموروث المقدس كالدين ولا تخضعه للعقل والنظر والمداولة، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى يعاني عنصر الأغلبية من إشكالية أخرى هو أنه يتناقض مع المبدأ الديمقراطي نفسه بل وتناقض حتى مع ذاته، حيث أن المبدأ الديمقراطي يعني سيادة قرار أو حكم الأغلبية لكن ماذا لو تم إستخدام الأغلبية لتعطيل مبدأ حكم الأغلبية وذلك بأن تقرر الأغلبية بالأغلبية أن لا يسود حكم الأغلبية، بمعنى أن تتوافق الأغلبية في لحظةٍ ما وتقرر مثلاً أن لا يكون الشعب مصدر السطات بل يكون مصدر السلطات جهة أخرى مثال ذلك الحكم الإسلامي الذي يقوم على أن الحكم لله يتم من خلال إعمال أحكام القراَن والسنة دون أن يكون للناس رأي في ذلك أو أن تقرر الأغلبية الخضوع مستقبلاً لنظام أو حكم سلطوي قصري لا يقوم على حكم الأغلبية.

هذه الإشكاليات النظرية قد لا تكون الوحيدة التي تحيط بمفهوم الديمقراطية بعناصرها كنظرية وأساس لنظام حكم السلوك الفردي والجماعي، ولعل هذه الإشكاليات النظرية مضافاً إليها معضلات تطبيق النظرية نتيجة كثرة متغيرات الواقع وإختلافها عن فرضيات النظرية أدت إلى تراجع المؤمنين بالديمقراطية ليس بالضرورة من الناحية النظرية لكن من الناحية العملية وقدرتها على حل تعقيدات آلية اتخاذ القرار كنظام لحكم السلوك الجماعي ولا أدل على ذلك من نسب المشاركة في الإنتخابات الاَخذة في التراجع في الكثير من الدول ذات الإنظمة الديمقراطية العريقة وظهور ما يعرف الأغلبية الصامتة خاصة فيما تلا الأزمة الإقتصادية الطاحنة والتي كشفت عن مدى عجز أنظمة الحكم بل وفسادها ما أدى إلى لجوء الشعوب إلى التحركات الشعبية في محاولة لإحداث التغيير التي فشلت الأنظمة الديمقراطية من الناحية العملية في إحداثه.’ اكاديمي اماراتي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية