التكنولوجيا بين شرائها وتصنيعها..قراءة أولية في الواقع الخليجي

حجم الخط
0

أ. د. علي الهيل

إيماناً بأن العالم متكامل بقدرة الله وسنته في خلقه ونواميسه في كونه وبالنتيجة إذن يُفترض أن يكون العالم متعاونا ومتكافلاً لما فيه خير البشرية جمعاء إذ أنهم قاطبة شركاء في سكنى الأرض وإعمارها فإنه من منظور إقتصادي محض قد يُنظر إلى أنه يعد مضيعة للوقت وتبديداً للجهد والمال أن تقوم دولةٌ نفطية ما كدول الخليج العربي بتصنيع سلعة ما إستيرادها يمكن أن يكون أقل كلفة بكثير من تصنيعها حتى ولوكان ذلك تحقيقا للإكتفاء الذاتي طالما أن الدولة تستطيع شراء تلك السلعة بسهولة ويسر بما في ذلك السلاح النووي كما أوردنا في المقال السابق. لأن الوقت والجهد والمال الذي يمكن أن يتم تبديده في تصنيع سلعة معينة يمكن إستثماره بشكل أفضل وأكثر جدوى في اكتشاف مزيد من حقول النفط والغاز والبحث عن ثروات إستراتيجية أخرى كالذهب واليورانيوم والحديد وغيرها مثلاً والتي تزخر بها بالكاد جميع دول الخليج العربي وفقا لأحدث الدراسات الجيولوجية. إن كل دراسات الجدوى الإقتصادية تقريبا تؤدي نتائجها إلى مثل هذا الإستنتاج. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة التقليل من أهمية التصنيع والزاعة كما يفهم البعض أو الإقتناع بأن الذي ينتج ويُصنِّع ويزرع لا يستمر ويدوم. البعض يعتقد أن صناعة النفط والغاز ليست تصنيعا أو إنتاجا وأن الصناعات المرادفة لهما Oil and Gas Related Industries ليست سلعا تصنيعية ومنتجات فقط لأنها مرتبطة بالنفط والغاز اللذين لهما عمر إفتراضي ثم مآله إلى النضوب وبالتالي هي صناعات مؤقتة مع أن كل شيء في الكون مؤقت والدليل مثلاً إنحدار الصناعات الأمريكية والأوروبية وضعف جودتها نتيجة تدهور النمو الإقتصادي. ولذلك فإن البعض يصف دول الخليج العربي بأنها تشتري كل شيء من الإبرة إلى الصاروخ وهو صحيح إلى حد ما أو أنها حالات سلبية متلقية للتكنولوجيا وليست فاعلة أو مصنعة لها أو أنها إتكالية وما إلى ذلك من إيماءات عنصرية.

واقع الحال في دول الخليج العربي يكذِّب كل تلك الإفتراءات أو الإفتراضات فمثلاً تصنع دول الخليج العربي الألومنيوم و(البحرين مثلاً) الحديد (قطر والسعودية) منذ السبعينات وتصدره إلى دول صناعية كبرى منها اليابان مثلاً. وشهدت دولة قطر على سبيل المثال عقد شراكات تصنيعية مع دول أوروبية واسكندنافية مثل النرويج التي افتتحت مع دولة قطر منذ زهاء السنتين مصنعا ضخما (للميلامين) الذي يدخل في صناعة كل شيء تقريبا. كما أدى إستيراد أحدث أنماط التكنولوجيا لعقود إلى فتح وُرش لصيانة تلك الأجيال من التكنولوجيا وتطويرها وجعلها تعمل بشكل أفضل من طبيعتها التصنيعية في بلد المنشأ. فمثلاً في (النادي العلمي القطري) تجد شبابا قطريا يافعا يعكف على تصنيع آلات مثلاً لخدمة الإنسان المعاق وللأطفال الذين يعانون من التبول اللإرادي وثمة محاولات جارية لتصنيع سيارات تعمل بالطاقة الشمسية وبالغاز وطموحاتهم تتعدى ذلك إلى طائرات سمتية وغيرها مستفيدين مما توصل إليه الآخرون. ومن يزور دولة قطر مثلاً أو أي دولة خليجية أخرى قد يفاجأُ بوجود مدن صناعية ضخمة مثل مدينة (مْسِيعيد) القطرية وسيفاجأ الزائر أيضا ربما بانتشار المحميات الزراعية وليس دقيقاً أن دول الخليج العربي تأكل مما لا تزرع أو تلبس مما لا تصنع في المطلق بَيْدَ أن دول الخليج العربي نتيجة إيمانها باقتصاد السوق والسماح بالمنافسة السلعية وعدم وضع قيود على الإستيراد يجعل الكثيرين ضحايا لصور نمطية عن دول الخليج العربي وشعوبها المشهورة بالنفط والغاز تشوش على رؤيتهم وتجعلهم لا يقرؤون الواقع الخليجي بشكل جيد.

لا مانع إذن من استيراد التكنولوجيا وأن نبدأ من حيث انتهى الآخرون بما فيها المفاعلات النووية لإيجاد قوة ردع نووي والإستفادة والتعلم منها وتدريب الطلبة في المعاهد الصناعية وهو ما يحدث في دول الخليج العربي عموماً وليس من الذوق على الأقل أن يقال مثلاً ‘ .. و لماذا لا تأتي دول الخليج العربي كذلك بمن يقرأ ويكتب لأن الخليجيين كسالى عن القراءة والكتابة’. صحيح أن درجة الرضى عن التصنيع وعن الزراعة ليست كافية غير أن ذلك ليس بدْعاً فإننا من حين إلى آخر نسمع ونقرأ عن دول صناعية رائدة عالميا إنتكس فيها النمو الإقتصادي كدول جنوب أوروبا مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان والبرتغال وإيرلندا في حين أن النمو الإقتصادي لدول الخليج العربي من بين الأعلى في العالم وأعداد المتعلمين في تزايد مستمر يفوق حسب النسبة والتناسب كثيرا من دول أوروبا وأمريكا. أكاديمي وكاتب قطري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية