تحديات خمسة بعد الانتخابات الايرانية

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي

عندما قررت ايران إجراء انتخابات الدورة التاسعة لمجلس الشورى الاسلامي كانت تعلم انها تواجه تحديات على محاور عديدة، كل منها قد يدفع دولا اخرى (غير ايران) لاعتبار الوضع ‘خطيرا’ لا يسمح باجراء انتخابات تشريعية. مع ذلك أجريت عملية الاقتراع في موعدها المحدد واعلنت نتائجها، وعادت دورة السياسة الايرانية الى وضعها الطبيعي. وبرغم دعوة بعض اطراف المعارضة لمقاطعتها، فقد كانت نسبة المشاركة اعلى مما كان متوقعا اذ تجاوزت، حسب الارقام الرسمية 64 بالمائة. وكانت المنافسة شديدة بين اكثر من ثلاثة آلاف مرشح للفوز بمقاعد مجلس الشورى الاسلامي التي لا تصل الى 300، اي ان هناك اكثر من عشرة متنافسين على كل مقعد، وكان هناك ما يقرب من خمسين الف مركز انتخابي وما يقرب من خمسين مليون ناخب. وحظيت الانتخابات باهتمام دولي بالغ خصوصا من الدول الغربية التي كانت تأمل ان تتخذ العملية الانتخابية منحى آخر فتتوفر لها فرصة لاستهداف النظام الايراني مجددا كما فعلت في مرات سابقة. ولكن بعيدا عن لغة الارقام الكبيرة ثمة حقائق على ارض الواقع لا تستطيع القيادة الايرانية تجاوزها ضمن المحاور العديدة التي تمت الاشارة اليها، وسوف تفرض نفسها على المجلس الجديد الذي فاز ‘المبدئيون’ بأغلبية مقاعده.

يتمثل المحور الاول في الاستحقاق الانتخابي الذي كان وما يزال، وسوف يبقى، مثار جدل في الوسطين السياسي والديني نظرا للصراع بين ايرانين: ايران الفارسية الاسلامية وايران الفارسية المسلمة. وما بين التوصيفين محيط زاخر بالامواج العاتية التي كادت تقلب القارب في الانتخابات الرئاسية السابقة، والتي تهدد باحداث اضطرابات مماثلة عندما يحين استحقاق الانتخابات الرئاسية العام المقبل. استطاعت دولة ‘ولاية الفقيه’ آنذاك قيادة هذه الدولة الكبيرة الى حالة من الاستقرار، ولكنها لم تستطع القضاء بشكل كامل على الاسباب التي ادت الى تلك الاضطرابات التي كانت الاعمق منذ انتصار الثورة الاسلامية قبل 33 عاما. والواضح من سياق التجربة الانتخابية الايرانية مدى ما يوليه نظام ‘ولاية الفقيه’ من اهمية لدور الشعب في اختيار حكومته، وخشيته في الوقت نفسه من هذا الدور في وجود تحديات وقوى تعمل لتحقيق اجندات ايديولوجية وسياسية تواصلت طوال عمر الثورة. والملاحظ ان ايران اجرت حتى الآن حوالي 30 عملية انتخابية رئاسية وبرلمانية في اوقاتها المحددة بدون ان تسمح لظروف الحرب او الحصار او التهديد الداخلي او الخارجي بحرف مسار الانتخابات او تأجيلها في اي ظرف وتحت اي مسمى. هذا الاصرار على إشراك المواطنين في العملية السياسية وفق قواعد ثابتة ينبع من شعور القيادة الايرانية بان قوتها مستمدة اساسا من الدعم الشعبي الذي كان له الدور الحاسم في الثورة التي اطاحت بنظام الشاه، والذي يمثل مصدر الدعم الحقيقي للنظام السياسي القائم على مبدأ ولاية الفقيه الذي قد لا يحظى باجماع كامل ولكنه قاد السفينة الايرانية اكثر من ثلاثة عقود وسط امواج عاتية. لقد أثمر ذلك الاهتمام نتائج لصالح النظام عندما حدثت الاضطرابات بعد الانتخابات الرئاسية السابقة. فقد استطاعت القيادة الدينية استدعاء احتياطيها الشعبي لينزل الى الشوارع ويظهر مدى التأييد الجماهيري لنظام الحكم، مقارنة بما حظيت به المعارضة من دعم. يضاف الى ذلك ان الرئيس الايراني المثير للجدل اهتم كثيرا باستمالة الرأي العام، وعاش كواحد من المواطنين الذين يواجهون يوميا آلة البيروقراطية في مؤسسات الحكم، وتعامل مع منصبه انطلاقا من شعوره بصعوبة الاعتماد على آليات الدولة لتلبية مطالب الشعب المعيشية، فاستقطب قلوب الطبقات الشعبية ووجهها لصالح حملته الانتخابية في المرة السابقة وعبأها لمواجهة مناوئيه لاحقا. من هنا اصبح القادة الايرانيون يعتبرون العملية الانتخابية مسؤولية وطنية ودينية، وسخروا كل ما لديهم من وسائل ومنابر اعلامية ودينية لحث المواطنين على المشاركة. وجاءت النتائج كما تريده القيادة الدينية، بفوز ما اصبح يسمى ‘التيار المبدئي’ باكثر من ثلثي المقاعد التي حسم الاقتراع عليها في الدورة الاولى من الانتخابات، التي لا يفوز فيها الا من يحصل على اكثر من 50 بالمائة من الاصوات. يتمحور القلق الثاني حول الملف النووي الذي اصبح طوال السنوات العشر الاخيرة مصدر تكهنات وتهديدات اسرائيلية وغربية بالاعتداء على الجمهورية الاسلامية. هذا الملف اصبح يمثل هما متواصلا للقادة الايرانيين من جهة ولحكومات الغرب خصوصا الولايات المتحدة من جهة اخرى. وهناك تهديد لم يتوقف او يتراجع من الجانب الاسرائيلي بشن عدوان ضد ايران، الامر الذي أظهر الانسانية اليوم في أضعف مستوياتها الاخلاقية والانسانية، وفرض تساؤلات عديدة يتحاشى الساسة الغربيون الاجابة عليها بشكل مباشر. أولى هذه التساؤلات: ما هو المبرر الاخلاقي او السياسي لامتلاك السلاح النووي الذي ثبت خطره على الانسانية بعد ان استعملته الولايات المتحدة ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية؟ لماذا تمنع ايران من امتلاك دورة تصنيع نووية كاملة ما دامت خاضعة لنظام التفتيش المتواصل من الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟ ايران تعتقد نفسها دولة اقليمية كبرى ذات سيادة ومن حقها سبر اغوار العلم والتكنولوجيا على خطى اليابان بعد الحرب العالمية الثانية والصين والهند، ولا تقبل باملاءات الغرب التي شملت حتى الآن حصارات سياسية واقتصادية وعلمية. وبسبب هذا الحصار الذي استمر اكثر من عقود ثلاثة اضطرت ايران للسعي العلمي والتكنولوجي لتحقق لنفسها اكتفاء ذاتيا في العديد من المجالات العلمية والتصنيعية. وفي الاسبوع الماضي قال الايرانيون انهم اصبحوا قادرين على تصنيع طائرة اف 5 الامريكية كاملة الامر الذي سوف يساهم في تطوير القوات الجوية الايرانية كثيرا. وتحدثوا كذلك عن بدء الاستعدادات لتهيئة رجال فضاء للمشاركة في رحلات فضائية ايرانية خاصة، الامر الذي من شأنه احداث اختلال في موازين القوى بالمنطقة. هذه التطورات العلمية قد تبدو عادية ولكن يجب ملاحظة انها تتم في ظروف مقاطعة وحصار اقتصاديين غير مسبوقين. وهكذا يبدو الملف النووي مرتبطا بالملف العلمي والتكنولوجي، ولذلك عمدت الاستخبارات الاسرائيلية لاغتيال العديد من العلماء الايرانيين في اطار السعي المتواصل لابقاء العالمين العربي والاسلامي خارج السباق العلمي. اما المشروع النووي الاسرائيلي فيمثل المحور الثالث من هموم الايرانيين. فلماذا لا يتوجه العالم للتخلص من هذه الاسلحة بشكل كامل خصوصا ان المخزون منها يكفي لتدمير الكوكب الارضي وما عليه مرات عديدة؟ لماذا يتم التغاضي عن السلاح النووي الاسرائيلي؟ ما المبرر الاخلاقي للضغط على ايران والتغاضي عن ‘اسرائيل’ في المجال النووي؟ لماذا لا يضغط على الكيان الاسرائيلي للسماح بتفتيش منشآته النووية؟ ولماذا لا ترغم على توقيع اتفاقية منع انتشار السلاح النووي (ان بي تي)؟ التساؤل الثالث: لماذا يسمح للاسرائيليين بقرع طبول الحرب والتهديد المستمر لبلد آخر؟ ما هو هذا العالم الذي يسمح بالبلطجة والعدوان من قبل كيان ما يزال يعتبر محتلا لاراضي الغير من وجهة النظر الدولية؟ كيف تستهدف ايران برغم توقيعها اتفاقية (ان بي تي) وسماحها لفرق التفتيش الدولية بزيارة منشآتها بشكل دروي شبه منتظم؟ ولماذا يتم التغاضي عن التصريحات والفتاوى الدينية التي تؤكد حرمة تصنيع الاسلحة النووية وحرمة اقتنائها وحرمة استعمالها على اساس ديني؟ واخيرا: اين هو الموقف العربي والاسلامي الضاغط بشكل فاعل لاخلاء منطقة الشرق الاوسط كلها خالية من السلاح النووي؟ ألا تستطيع هذه الدول مجتمعة، باستعمال امكاناتها السياسية والمالية وعلاقاتها مع دول الغرب ان تحقق منطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل خصوصا السلاح النووي؟ لماذا تتم معاقبة من يطرح تصريحات او تصورات او مواقف باسلوب سلمي لا يتوافق مع النظرة الصهيونية حول الاحتلال الاسرائيلي؟ ما مبررات التصدي للنائبة البرلمانية البريطانية عن حزب الديمقراطيين الاحرار، البارونة تونج، عندما قالت ان ‘اسرائيل’ لن تبقى الى الابد؟ الامر المؤكد ان التحريض ضد ايران ومشروعها النووي ينطلق من تل أبيب عبر ما تمتلكه من مجموعات ضغط في الغرب، وبالتالي كيف يسمح لكيان غاصب بتوجيه السياسات الغربية على طريق الحرب والصراع الحضاري المدمر؟ وهنا يلاحظ تقاعس الدول العربية عن التصدي للمشروع النووي الاسرائيلي، واكتفاء الزعماء بالاشارة اليه عن بعد مع العلم انه يمثل حجر الزاوية في اي مشروع صهيوني لمواجهة العالمين العربي والاسلامي. فبدلا من اخضاع الكيان الاسرائيلي للرقابة الدولية ومحاسبتها على عدم القيام بذلك، اصبحت ‘اسرائيل’ هي التي تقرر الموقف ازاء ايران التي ما تزال تتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وليتصور احد ماذا سيحدث لو ان ايران هي التي تهدد الكيان الاسرائيلي بقصف منشآتها النووية! هذا الانقلاب في المعايير والاستخفاف بعقول البشر يمثل ازمة اخلاقية وقيمية لعالم اليوم الذي تقوده امريكا والذي تدفع البشرية اثمانا باهظة لبعده عن المنطق والانسانية.

وفي الحديث عن المحور الرابع لا تستطيع ايران، وهي تخوض انتخاباتها البرلمانية ان تكون بمعزل عن الظروف والعلاقات الاقليمية التي اصبحت مرتبطة باستحقاقات ثورات الربيع العربي التي دخلت في دهاليز السياسة الدولية من اوسع ابوابها وتزداد تعقيدا بمرور الوقت. وتشعر طهران ان هذه الثورات عندما انطلقت كانت امتدادا لثورتها ولكن قوى الثورة المضادة تخطط ليلا ونهارا وتبذل اموال النفط الهائلة لمنع تحول البلدان العربية الى دول ديمقراطية لان ذلك يؤثر سلبا على توازن القوى مع الكيان الاسرائيلي. هذه الثورات في نظر طهران لا بد ان تفضي الى اسقاط الانظمة التي تمارس سياسات محلية ودولية شبيهة بما كان نظام الشاه السابق يمارسه خصوصا في علاقات التبعية للولايات المتحدة و’اسرائيل’. ولكن دخول الغرب خصوصا الولايات المتحدة على الخط اصبح حائلا دون تحقق ذلك. الانتخابات الايرانية جاءت على خلفية صراع المصالح والمبادئ في منطقة ما تزال تبحث عن هوية تؤسس وفق رغبات ابنائها وليس باملاءات القوى التي ما فتئت تعمل ضد مصالحهم. وتعتقد ايران، التي تجد نفسها محرجة ايضا في موقف صعب ازاء الوضع السوري، ان الصراع على مصر سيكون عنوان المرحلة المقبلة، لان الثورة المصرية لم تكتمل بعد خصوصا مع تركز القوة بأيدي العسكر. وترى نفسها كذلك في مواجهة مشروع الطائفية الذي يتناقض في جوهره مع المشروع الديمقراطي الذي يرفع معنويات الشعوب ويجمعها على ارضية التوافق والتفاهم والبناء ومواجهة تحديات الخارج. العلاقات مع الربيع العربي كانت واضحة منذ انطلاق الثورات العام الماضي، ولكن الربيع العربي نفسه خضع لهندسة سياسية خطيرة حرفت مساره واوقفت عجلاته في غضون اسابيع من تفتح ازهاره. وتشعر ايران ان من مصلحتها تغير انظمة الحكم الاستبدادية في المنطقة لانها عانت كثيرا من الانظمة التي تحالفت مع الغرب وسعت للتطبيع مع ‘اسرائيل’، ولذلك فالصراع على الربيع العربي وثوراته لا يخلو من ابعاد مرتبطة بالصراع بين الظاهرة الايرانية والهيمنة الغربية. وسيظل هذا الصراع قائما في الفترة المقبلة حتى يتم حسم مستقبل العالم العربي خصوصا في مجال الحريات والديمقراطية.

اما العلاقات مع الغرب فهي الوجه الآخر للمشكلة الايرانية. والغرب هنا يتمثل بالمنظومة السياسية في الولايات المتحدة واوروبا التي ربطت مصالحها بالكيان الاسرائيلي. ومنذ الثورة الاسلامية أصرت ايران على التعامل مع الغرب على قدم المساواة، وعلى استقلال القرار. وكان للبرلمان الايراني دوره في تحديد معالم تلك العلاقة وحدودها، واحتفظ لنفسه بدور المحافظ على الثورة وقيمها، فيما كانت الحكومات المتعاقبة تسعى لتطوير علاقاتها مع المحيط الاقليمي ومع الشريك الدولي خصوصا في اوروبا. ونجحت طهران في تحقيق شراكة اقتصادية مع العديد من الدول الاوروبية مثل ألمانيا وايطاليا، ولكن علاقاتها مع بريطانيا اتسمت دائما بالتشكيك في النوايا ومحاكمة المواقف، واستحضار التاريخ كشاهد على المواقف. ومع صعود الدور الاقليمي لايران، اصبح الغربيون امام مشكلة حقيقية، خصوصا انهم احتاجوا الدعم الايراني في بعض الحالات، ولم يستطيعوا استثناء طهران من اية صيغة للتعايش والتعاون. الغربيون تقلص حماسهم للعلاقات مع ايران، اما بسبب اقتناعهم بان ايران لم تعد لقمة سائغة بل تصر على التعامل بالمثل وترفض الانصياع للاملاءات والسياسات الغربية، او لايمانهم بان عجلة الزمن دارت باتجاه لا يناسبهم، وبالتالي لم يعودوا قادرين على فرض الواقع الذي يريدونه، ولا يتذوقون طعم التعايش المؤسس على المعاملة المتساوية بالمثل والاحترام المتبادل والاعتراف للشعوب بحق تقرير مصائرها. واذا كان الغربيون يهدفون لتصميم سياساتهم الجديدة تجاه ايران على ضوء نتائج الانتخابات الاخيرة، فقد جاءت نتائجها بغير ما يشتهونه، واصبح التوجه اكثر ميلا لمشروع الاسلام السياسي. فقد اجريت الانتخابات التي شارك فيها قرابة ثلثي الناخبين، وفاز فيها العديد من المرشحين المحسوبين على خانة المرشد العام على خلفية تحديات وتهديدات عديدة منبثقة من الغرب. واذا كانت حظوظ الرئيس احمدي نجاد قد انخفضت نتيجة الانتخابات، فانه لن يتضرر كثيرا لان فترة رئاسته الثانية اقتربت من نهايتها ولن يستطيع الترشح للمنصب مرة ثالثة. طهران تبدو واثقة من نتائج انتخاباتها، واصبح على الغربيين التعاطي مع الطروحات الايرانية بجدية واهتمام اكبر. لقد كانت الانتخابات تنافسا محموما بين تيارين غير متباعدين، يختلفان احيانا على النظرة العامة لسير الامور، ويتفقان في اكثر الاحيان على ما يعتبرانه توجهات مشتركة على طريق تحكيم صناديق الاقتراح. ولكن تلك الانتخابات ايضا كانت عرضا سياسيا ‘مبدئيا’ من وجهة النظر الايرانية الدينية في مقابل الليبراليات الغربية التي فشلت في امتحانها الاصعب عندما تخلت عن دعم التحول الديمقراطي السلمي في دول الربيع العربي.’ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية