فاروق يوسف
قال لي: ‘ما أن تخرج من محطة سانت لازار حتى تجدني واقفا في انتظارك’ كدت أشكره على أنه وهبني فرصة لرؤية هذه المحطة التي لم أغادر الميترو فيها من قبل. ولأني أهوى التنقل في باريس عن طريق المترو فإن الذهاب إلى محطة جديدة يعد بالنسبة لي اكتشافا يزيد من سعة معرفتي بالمدينة التي أنا مغرم بقاعها مثلما أنا مغرم بفضائها. فرشت خارطة المترو وصرت أمشي بدلالة اصبعي على الخط الذي يؤدي إلى تلك المحطة. كنت في قمة نشوتي وأنا أغادر قطار الانفاق، لكنني بعد دقيقتين أو ثلاث شعرت أنني قد وقعت في فخ معقد. لم تكن تلك المحطة سوى متاهة متشعبة ومتشابكة الدروب. وسط الاف الناس الذين كانوا يركضون ذاهبين إلى أهدافهم المحددة كنت الوحيد الذي أخطأ الطريق إلى هدفه. بعد عشر دقائق من المشي تحت الأرض تأكدت من أنني لن أعثر على منفذ للخروج. كلما شعرت بأني اقترب من الفرج تأخذني قدماي إلى مكان مغلق. حين تأكدت من ضياعي صرت أتسلى في النظر إلى العابرات، مهتما بالتعرف على ذائقتهن الجمالية في الملبس والمكياج وقصات الشعر وحين يخلو المشهد من عابرة مميزة كان بصري يذهب إلى الجدران المزينة بصور مشوقة، حيث المكائد البصرية المتنوعة. رسوم واعلانات واشارات ذات دلالات ثقافية، غاية في السعادة. اخيرا قررت أن أجلس على مصطبة لا لانني كنت متعبا بل رغبة مني في نسيان صفة (ضائع) التي صارت تلح على مخيلتي. بالنسبة لي لم يكن الوقت ضاغطا. كان لدي من الوقت الفائض أكثر من نصف ساعة. ولكن ما أن جلست حتى صرت أتخيل نفسي وقد حبست وقتا طويلا تحت الأرض من غير أن تتاح لي الفرصة للوصول إلى صديقي في الموعد المحدد. حينها فقط شعرت بالاحباط. صار الوقت يقرصني ويقوض نشوتي. أنظر إلى الساعة في معصمي وأتخيل أميالها تركض. الوقت عدو. يبطىء حين نريده مسرعا ويسرع حين نرغب في أن يكون بطيئا. في وضعي كان الوقت يركض مثل عداء افريقي. ‘لن أسبقه مهما فعلت’ قلت لنفسي. وقفت مستقيما مثل جندي في حالة تأهب ومشيت واثق الخطوة. بسبب تلك الثقة قررت أن أغير عادتي في عدم السؤال أثناء السفر. كانت تلك العادة قد أخذتني إلى أماكن ما كنت أحلم في الوصول اليها. فجأة كنت أقف أمام تمثال بلزاك الذي نحته رودان. ذات مرة عثرت على يدي لويزا بورجوا عن طريق الصدفة. في حدائق توليري رأيت اعمالا لكارل اندريا لأول مرة. كان المشي من غير سؤال يتيح لي الوصول إلى مناطق مدهشة. لكنني هذه المرة كنت محاصرا بالوقت. صديقي الذي لم اره منذ ربع قرن قد يشعر باليأس إن لم أحضر في الوقت الذي اتفقنا عليه ويذهب متهما اياي بأنني لا أزال انتسب إلى شعب لا يحترم الوقت. كنا في الماضي نقول: ‘ موعد انجليز’ للتثبت من أن الموعد لن يكون عراقيا، أي ممطوطا ومرتخيا وسائبا. وبالرغم من توتر أعصابي فقد قررت أن لا أستعرض لوعتي إلا في حضرة فاتنة. ومن حسن الحظ أن أول الجميلات العابرات كانت تجيد الانجليزية. قالت لي بصرامة: ‘اتبعني’ تبعتها كمن يذهب إلى غيبوبة. كانت الممرضة التي نشرت المخدر في جسدي تسبقني بإيقاع خطوتها الذي صار يتسلل إلى جسدي بحيوية اعضائه. مباركة أيتها الارض وأنت تقودين إلى السلالم التي صار ضوء النهار يسترخي على درجاتها العلوية. حين تركنا السلالم الكهربائية التفتت إلي وفتحت ذراعيها وكأنها تقول: ‘كل هذه الأرض المقدسة سانت لازار’ أنحنيت لها وتمنيت لو أني قبلت يدها. غير أن عيني الهمتني اشتباكا بصريا آخر، جعل من مؤخرتها مشهدا ماضويا. كانت ساعات (ارمان) أمامي. كم أنت كريمة يا باريس. ارمان كله هنا. ابن تاجر الانتيك، المغامر الذي بعث الحياة في المواد المهملة، المواد المنفية من وظيفتها الأصلية، ليصنع منها نفائس تهب الزمن لمعان الموشح الاندلسي. يا زمان الوصل. ساعات ارمان تطوق الزمن بجيوش من الأحبة، الشعراء العشاق المثاليين، البنائين، الحراس الساهرين على الرقة، الأرقين في لحظة اشراق، المجانين وقد تم الاستغناء عن العقل في سباق الخيل، الجالسين إلى جوار البجعة النائمة. كان الوقت يهذي وقد أمسك ارمان بقرنيه ليهمس في أذنه كلاما عما تبقى من العمر.’أهبك شيئا من المدينة من أجل أن تكون عاقلا’وإذا ما رأيت رجلا عند ارمان (الفنان الفرنسي الذي عاش بين عامي 1928 و 2005) فلا تسأله عن الوقت. سيشير بسخرية إلى الساعات. ساعات ارمان التي تقول أن للوقت معنى واحدا، لكنه غير محدد. الأوقات متشابهة، بعضها يدخل على البعض الآخر كما يفعل اللاجئون في مخيمات اللجوء. ما من وقت في إمكانه أن يستغني عن الأوقات الأخرى. وقت للمغول وآخر لقياصرة روما ولك أن تجتزىء وقتا للخلفاء العباسيين وآخر لأباطرة الصين. لن نهبط ثانية إلى العالم السفلي. للوقت شبابيك وأبواب وحقول شاسعة وقوارب ومناطيد واجنحة ومناديل بيضاء للوداع وقطارات وأفئدة وعيون مائية وزرقة وفساتين للسهرة وكعوب عالية وحوريات يصلحن لجلسة شاي بعد القيلولة. كان هناك رجل اكاديمي يغني لشارل ازنافور. صوته معتق غير أن النبيذ الرخيص افقد ذلك الصوت القدرة على التحكم برقبة الناقة. كان الرجل يلوي الكلمات كما لو أنها كانت حبالا للشنق. اجبرني ارمان وأنا أنظر إلى منحوتته على أن أقيم صلحا مع الوقت. ‘صلحا نهائيا’ صرت أقول لنفسي. يقع الوقت خارج النسيان. وهو إذ يمر بالذاكرة فلا لشيء سوى أن يتخيل. الوقت صديقنا. كنا سذجا حين اعتبرناه عدوا. لا يليق بنا ولا به ان نعتبره عدوا سابقا. ارمان يمكر بنا. ابن جامع التحفيات يلقننا درسا في الخيال. لك أن تنسى كل شيء. لكن عليك أن تتذكر ما تخيلته. أنت هناك. يوما ما سيكون لك حصة مثالية في ما تخيلته. ولأن الوقت لا يُسمى إلا مجازا، فليس هناك أمس ولا غد وما بينهما ما من يوم، ذلك لاننا لا نعيش إلا يوما واحدا. تطلع شمسه حين الولادة وتغرب حين نموت. هي ذي كل أوقاتكم أيها الفانون. ‘في أي وقت نحن الآن؟”في كل الأوقات’ألأنني عثرت على أرمان، صار صديقي يقيم في وقت سائل؟’اتبعني’ قالت الفاتنة وتبعتها. يدي على قلبي وعيني على مؤخرتها وقدمي على السلم الكهربائي وفي اذني طنين أعشاب منقرضة. وحين ودعتني سلمتني لملائكة صارمين وظفهم ارمان لصيانة فكرته. كان الهواء لينا، وكنت قد اكتسبت خفة الطائر الذي فوجىء بقدرته على الطيران. هناك قوة غير متوقعة تسللت إلى اعضائي. أنا حي في زمن هو كل الازمنة. أنظر إلى ساعات أرمان وأمزج عصير الرمان بأبخرة المانكو وحساء السمسم. لقد وقعت على الفكرة. اهتديت إلى سلم روحي. كنت كلما دخلت إلى المقهى البرليني يستقبلني فيفالدي بفصوله الاربعة وها أنذا أجلس الفصول الاربعة كلها على ركبتي وابكي. ‘كان الجمال يهذي’ قلت لصديقي الذي لم يحضر حين اتصل بي معتذرا. ولأنه كان مرتبكا فانه لم ينتبه إلى أني شكرته لأنه أهداني فكرة عن الوقت الأبدي.