بين الاتحاد السوفييتي وروسيا .. شتان بين القوتين والمرحلتين

حجم الخط
0

عبد الحميد صيام على ضوء إستخدام روسيا للفيتو مرتين في مجلس الأمن حماية للنظام السوري راح بعض الكتاب، حتى من أنصار الثورة السورية، يتغنى بالدور الجديد لروسيا في كبح جماح الهيمنة الغربية ووضع حد للعنجهية الأمريكية بعد انتهاء الحرب الباردة وراح هؤلاء الكتاب يتغنون بأمجاد الاتحاد السوفييتي الذي دعم حركات التحرر في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ووقف مع العرب تسليحا وحماية وتأييدا سياسيا وفتح أبواب الجامعات السوفيتية للطلبة العرب ليغرفوا من علومهم ما شاؤوا دون مقابل، وأعتبروا أن روسيا الحالية هي وريثة ذلك الإرث العظيم وهي نسخة طبق الأصل أو أقرب إلى الأصل ناسين أو متناسين أن روسيا اليوم ليست الاتحاد السوفييتي سابقا وأن القوى الأساسية في العالم اليوم تختلف عن قوى الأمس وأن الحرب الباردة إنتهت بمنتصر ومنهزم وأن أيديولوجيات الحرب الباردة لم تعد تتصارع بنفس الأسلوب ولنفس الأهداف كما أن طبيعة الصراع اليوم تختلف عنه فيما مضى. وراح هؤلاء الكتاب، إنطلاقا من الفيتو المزدوج، يتغنون بعودة روسيا قوة عظمى صديقة للعرب غير الموالين لأمريكا تضرب كعبها في الأرض فتهتز لها الدنيا ويقف خلف الدب الروسي العظيم التنين الصيني الضخم وهاتان القوتان ستجـُيران لصالح العرب الممانعين والرافضي للأحلاف الغربية وعملائها في المنطقة. وأود أن أراجع في هذا المقال مواقف روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وأضع بين يدي القراء رزمة من المواقف الروسية والتي لا يجمعها مبدأ ولا تندرج تحت أية استراتيجية بل ترى الموقف ونقيضه والتقلب في المواقف حسب المصلحة أو المزاج أو المساومة التاريخية مع الطرف الأساسي صاحب المصلحة. السيد سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي قال تبريرا للموقف الروسي من إستخدام الفيتو ضد مشروع القرار العربي في مجلس الأمن يوم الرابع من شباط/فبراير إنه إنطلاق من موقف مبدئي ووقوف مع شرعية النظام والتزام بالقانون الدولي كما ينص على ذلك البند 7 من الفصل الثاني من ميثاق الأمم المتحدة الذي لا يجيز للأمم المتحدة التدخل في الشؤون الداخلية للدول، علما أن حماية المدنيين من طاغية يلغ في دمهم أصبح قانونا دوليا حتى لا يتكرر ما حدث في رواندا عام 1994 حيث إعتمدت الجمعية العامة بدولها ال 192 عام 2005 وثيقة تاريخية مهمة تدعى ‘المسؤولية الدولية في حماية المدنيين’ والتي تنص على مسؤولية المجتمع الدولي في حماية المدنيين من المذابح في حالة عجز الدولة عن القيام بهذه المهمة أو في حالة تورط الدولة نفسها في تلك المجازر بعد تفويض من مجلس الأمن. ومن الواضح أن النظام السوري إستغل هذا الفيتو المزدوج لاستبدال الحل الأمني بالحل العسكري والإيغال في دم الشعب السوري، مما يحتم تفعيل تلك الاتفاقية والتي وقعت عليها كل من روسيا وسورية. هذا لا يعني أن وقف المجازر يتم فورا عن طريق التدخل العسكري بل يسبق ذلك العديد من الخطوات والمراحل قبل اللجوء للعنف.

روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفييتيإن المراقب للمواقف الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي داخل مجلس الأمن وخارجه والمتابع لعينات التصويت في الأمم المتحدة يستنتج أن الموقف الروسي لا ينضبط لمبدأ ولا يحتكم لموقف ثابت بل يتقلب حسب هوى النظام ومصالحه الآنية وقوى الضغط في الجانب الآخر. وقد تابعت رزمة من مواقــف روسيا والتي يعرفها أي متتبع لتطورات الصراعات بعد نهاية الحرب الباردة فوجدتها متذبذبة متغيرة لا تدوم على حال، يمانع في البداية ثم يعود غالبا في آخر لحظة لينتظم مع السرب الذي تقوده الولايات المتحدة.

روسيا مثلا إعترضت في البداية على كل القرارات التي فرضت عقوبات على إيران ثم تراجعت وأيدت القرارات. إعترضت على ملف السودان في مجلس الأمن وفرض عقوبات على نظام البشير وإحالة ملفه إلى المحكمة الجنائية الدولية ثم عادت وأيدت القرارات تحت حجة توفير الإجماع الدولي داخل مجلس الأمن. روسيا كانت تعتبر الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش حليفا إستراتيجيا ولكنها تخلت عنه بعد إدانته عام 1999 بارتكاب جرائم حرب في البوسنة وكرواتيا وكوسوفو. ومع أول مظاهرات خرجت ضده من الشعب الصربي في انتخابات أيلول/سبتمبر 2000 تخلى عنه الجميع بمن في ذلك الروس وتم بعد ذلك إعتقاله وتسليمه لمحكمة الجنيات الدولية الخاصة بيوغسلافيا. لقد وقفت روسيا خارج الإجماع الدولي في مذابح كوسوفو عندما شنت قوات ميلوسوفيتش الصربية عام 1999 حرب إبادة وتطهيرعرقي أدت إلى تهجير كافة سكان الإقليم البالغ عددهم نحو تسعمائة ألف مواطن إلى ألبانيا والدول المجاورة وبقيت روسيا بالمرصاد لمنع المجلس أي تفويض لحماية المدنيين فاضطرت دول أوروبا والولايات المتحدة مدعومة من الدول الإسلامية وخاصة تركيا أن تتصدى لقوات ميلوسوفيتش وتهزمها وتعيد سكان البلاد إلى ديارهم. عاد مجلس الأمن وشرعن الوجود الدولي بإصدار القرار 1244 (حزيران /يونيو 1999) الذي دعا إلى عودة المهجرين وإقامة نظام حماية في كوسوفو. الغريب أن روسيا صوتت مع القرار بينما امتنعت الصين عن التصويت. وبناء على القرار المذكورإعطيت روسيا دورا في الحماية الأممية لكوسوفو والتي ظلت مستمرة إلى أن استقرت الأوضاع تماما وجرت إنتخابات حرة في الإقليم وأعلنت الأمم المتحدة عام 2007 أن الإقليم أصبح جاهزا للاستقلال. وعندما أعلن الإقليم استقلاله فعلا في آب (أغسطس) 2008 رحب المجتمع الدولي بهذا الاستقلال إلا روسيا التي حاولت وما زالت تحاول إبتزاز المجتمع الدولي في موضوع استقلال أبخازيا وأوسيتا الجنوبية في جمهورية جورجيا مقابل إستقلال كوسوفو.

أما موقف روسيا داخل اللجنة الرباعية التي تشرف على عملية السلام في الشرق الأوسط فهو أقرب لدور ‘شاهد ما شافش حاجة’. موجودة وغير موجودة دون تأثير يذكر حتى دعوتها لعقد مؤتمر دولي حول الشرق الأوسط في موسكو لم يأخذها أحد على مأخذ الجد بينما ظلت أمريكا تلعب الدور كله مستخدمة شماعة اللجنة الرباعية وممثلها الأكثر خدمة لمصالح إسرائيل توني بلير، كي تعطي إسرائيل الفرص اللازمة لتهويد القدس وإبتلاع أراضي الضفة الغربية وتوسيع الاستيطان واستكمال بناء جدار الفصل العنصري وإغلاق آخر فرص إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

وماذا عن العراق في الحربين اللتين شنتهما الولايات المتحدة وحلفاؤها: عملية عاصفة الصحراء عام 1991 وعملية حرية العراق عام 2003 والتي نفذت خارج إطار مجلس الأمن. صحيح أن روسيا وقفت إلى جانب الدول التي عارضت الحرب مثلها مثل فرنسا وألمانيا وباكستان وتشيلي والكاميرون لكنها عادت بعد الاحتلال وصوتت لصالح جميع القرارات المتعلقة بالعراق ولم نسمع يوما أنها تجرأت وأدانت الممارسات التي أدت إلى مقتل أكثر من مليون عراقي. حتى القرار 688 (1991) الذي أجاز التدخل في شمال العراق لحماية الأكراد، وهو أول قرار من نوعه وسابقة خطيرة تحت حجة التدخل الإنساني، وأثار جدلا كبيرا وصوتت ضده ثلاث دول (كوبا واليمن وزمبابوي ) وامتنعت عن التصويت كل من الصين والهند، إلا أن روسيا صوتت مع القرار رغم إستهجان الجميع الذين توقعوا على الأقل أن تمتنع عن التصويت لا أن تصوت بنعم. أما في الحالة الليبية فقد صوت المندوب الروسي لصالح القرار 1970 الذي فرض العقوبات على نظام القذافي لكنه آثر الامتناع عن التصويت على القرار 1973 الذي أعلن ليبيا منطقة حظر جوي من أجل حماية المدنيين مما أعطى فرصة للناتو ليدمر ما يشاء ويقتل من يشاء.

بقي أن نذكر أن روسيا تصدت للشيشان بالحديد والنار والموت عندما طالبوا بحقوقهم كبقية الشعوب التي كانت منضوية تحت عباءة الإتحاد السوفييتي حين إنفرط عقده في نهاية 1991 وفرخ 14 دولة مستقلة بالإضافة إلى روسيا، وتم تدمير العاصمة غروزني تماما بين عامي 1994 و 1996 بينما انتصرت لحركة الانفصاليين في جمهورية جورجيا من إقليم أبخازيا وأوسيتا الجنوبية ودخلت بالدبابات لتضرب بيد من حديد قوات الدولة المركزية وتحمي بنيرانها الحركتين الانفصاليتين عام 2008. فكيف لمن يسحق الإنفصاليين في بلده ينتصر لهم في البلد المجاور؟

إذن أين هي المبادئ التي يتغنى بها لافروف؟ وهل روسيا حقيقة تتصدى للهيمنة الأمريكية الأوروبية كما يدعي أنصار الدكتاتورية الكاسرة في سورية؟ بوتين ومحاولة إسترداد هيبة روسيامن المعروف أن روسيا فقدت هيبتها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي نهاية عام 1991 وما لبثت أن تحولت في أواخر أيام ميخائيل غورباتشوف وفترة رئاسة بوريس يلتسين إلى ‘ملطشة’ للولايات المتحدة وحلفائها كالأسد الهرم الذي خسر أنيابه ولم يبق من مظاهر قوته إلا الشكل. ومنذ أن تسلم السلطة فلاديمير بوتين، الرئيس السابق لجهاز المخابرات:

كي جي بي، ونائبه ديمتري ميدفيدف في 31 كانون الأول/ديسمبر 1999 وحتى الآن، وبعد تبادل الأدوار بينهما في فترة الرئاسة الثانية، وهما يحاولان أن يعيدا الهيبة لروسيا التي كانت مجسدة في ما مضى في الدولة العظمى الثانية في العالم حتى ولو كان ذلك على حساب دماء الأبرياء. يستند الرجلان على مجموعة عوامل أهمها تورط الولايات المتحدة في حروب خاسرة في العراق وأفغانستان، وتحسن الاقتصاد الروسي بعد إرتفاع أسعار النفط بينما يعاني الاقتصاد الأمريكي من أزمة خانقة. لقد جاء الربيع العربي مفاجأة للعالم وخاصة الولايات المتحدة وروسيا. ففي الوقت الذي تعددت فيه مواقف الولايات المتحدة من هذه الثورات بين مؤيد وصامت ومتحفظ، ظلت روسيا على الهامش غير سعيدة بهذه الثورات خاصة وأن بوادر ربيع روسي ظهرت واضحة ومرشحة للتصاعد. يريد الثنائي بوتين- ميدفيدف أن يظهرا بمظهر المتصدي للغطرسة الأمريكية الأوروبية ليثيرا في نفوس الروس ذكريات القوة والعظمة التي كان يمثلها يوما الاتحاد السوفييتي لتأمين بطاقة جديدة للرئاسة حيث يخطط الرجلان في لعبة تبادل الكراسي لغاية عام 2024 وكأن روسيا لا يوجد بها رجلان يحميان مصالحها إلا بوتين وميدفيدف. وكما تقول مجلة الإيكونومست (عدد 11 شباط/فبراير) إن الهجوم على أمريكا يكسب المرشح شعبية أكبر. وهل هناك الآن أفضل من ورقة سورية ليظهر بوتين بمظهر المتشدد ضد الغطرسة الأمريكية والأوروبية؟

وأكاد أجزم أن هذه القيادة البراغماتية في روسيا ستعيد مراجعة حساباتها بعد الانتخابات وتتخلى عن نظام الأسد كما تخلت عن الفلسطينيين في اللجنة الرباعية وعن ميلوسوفيتش من قبل، فالقوى الكبرى هذه لا تجري وراء المبادئ بل تـتبع مصالحها لأنها تعرف أن الشعوب إذا ما قررت أن تنتفض لكراماتها وتثور لاسترداد حريتها فلا قوة في الأرض تستطيع أن تهزمها. وسيأتي يوم، ليس ببعيد، سنرى فيه روسيا تعيد حساباتها وتباعد بنفسها عن نظام آيل للسقوط بفعل ثورة شعب شجاع مصمم على إستعادة حقوقه في الحرية والكرامة رغم حجم التضحيات. وعندما ستعود روسيا وتفتح ذراعيها للثورة السورية المنتصرة سنكتشف أن الصين قد جاءت معها على متن نفس الطائرة دون إعلان لتقدم التهاني للشعب السوري بمناسبة انتصار ثورته. ‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية