إسرائيل والحقوق الفلسطينية في ظل واقع متغير

حجم الخط
0

د. يوسف نور عوض

كنت أتابع قبل أيام خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما حول العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وسمعت في هذا الخطاب إطراء كثيرا من جانب الولايات المتحدة تجاه إسرائيل كما سمعت ذما أو تشكيكا في مواقف كثير من الدول التي تقف في الجانب الآخر، وعلى الرغم من طول ما أورده الرئيس أوباما فإنني لم أسمع شيئا عن حقوق الشعب الفلسطيني الشرعية سوى قول الرئيس في آخر خطابه إن حل الدولتين هو الذي يجب أن يتوجه إلية النظر، وهو الحل الذي لم تقبل به إسرائيل ومازالت تراوغ استخفافا بحقوق الشعب الفلسطيني، والغريب ـ حقا- هو أن إسرائيل والولايات المتحدة ظلتا منذ عقود تتحدثان عن القيم العليا التي تمثلانها لكن هذه القيم لا تحتكم إلى منطق العقل أو الأخلاق، ومع ذلك يريد البلدان من العالم أن يصدقهما في دعاواهما الكاذبة، فهل يعقل أن يتحدث الرئيس أوباما عن أرض فلسطين كوطن تاريخي لليهود ولا يتحدث عن وطن الفلسطينيين؟ فأين كان الفلسطينيون إذن إذا لم تكن الأراضي المحتلة هي أرضهم؟

يحدث هذا في وقت لم تعد فيه إسرائيل قادرة على استخدام القوة من أجل الحفاظ على أمنها، أو الاعتماد على حكام باعوا قضايا شعوبهم من أجل الاستسلام لرغباتها، ذلك أن الربيع العربي وإن لم يحقق كل أهدافه فهو بكل تأكيد قد أوجد مناخا جديدا لا بد أن تتنبه له إسرائيل من أجل أن تسعى بدورها لإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية. وهنا أود أن أتوقف عند المقالة القيمة التي كتبها ‘تورجير فجايرتوفت’ والتي تساءل فيها إن كانت إسرائيل ستبدأ جديا التفكير في تغيير إستراتيجيتها الأمنية انطلاقا من الظروف الجديدة التي تحيط بها.

ويرى: تورجير’ في ضوء ذلك أن السياسة الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط اعتمدت على ثلاثة منطلقات:

أولا: إنها دولة يهودية ديموقراطية ثانيا: هي تحافظ على وجودها كقوة عظمى في المنطقة ثالثا: هي قادرة على ردع أي تحرك يهدد وجودها إذا رأت ذلك ضروريا ولاشك أن هناك تحديات تواجه هذا الواقع الذي اعتمدت عليه إسرائيل دائما، بحسب ما يرى ‘تورجير’ إذ هو يرى أن الواقع الجديد يدخل إيران كلاعب أساسي في المنطقة من خلال برنامجها النووي، وينبه هذا الواقع في نظره إلى ما تتمخض عنه قوى الربيع العربي من تحديات ضد الوجود الإسرائيلي، ويركز ‘تورجير’ من جانب آخر على المقابلة التي أجرتها ‘دير شبيغل’ مع ‘هنري كيسنجر’ حول سياسات الرئيس أوباما، والتي ركز فيها على منطقة الشرق الأوسط بصفة خاصة، وقد ركز هنري كيسنجر في هذه المقابلة على أن هناك عاملين من أجل إقامة علاقات مستقرة بين الشعوب، العامل الأول يتعلق بوجود توازن في القوى بين الدول بحيث لا تستطيع دولة أن تقضي على وجود دولة أخرى بسبب ضعفها، والثاني أن تتحلى الدول بعوامل الاستقرار والثبات، ويرى كيسنجر في ضوء ذلك أن إسرائيل لا تتحلى بأي من هاتين الصفتين في الوقت الحاضر وذلك ما يفرض عليها من وجهة نظره أن تتأقلم مع التغيرات الضرورية التي تفرضها ظروف المنطقة.

ويذهب ‘تورجير’ إلى أن السياسة التي اعتمدت عليها إسرائيل دائما هي سياسة القوة، لكن هذه السياسة من وجهة نظره قد تكون فعالة في مواجهة دول يسيطر عليها الدكتاتوريون بيد أنها تفقد فعاليتها في مناخ سياسي آخر تسيطر عليه قوى ثورية جديدة مثل قوى الربيع العربي التي لا تكترث بمثل القوة التي تهدد بها إسرائيل، وتبدو هذه السياسة من وجهة نظره فعالة في مواجهة الواقع الإيراني وذلك ما يجعل إسرائيل تعلي من لهجة التهديد في هذه الأيام. ويذهب ‘تورجير’ إلى أن إسرائيل في ظل هذا الواقع قد تكون فقدت شرعية دعاواها المزدوجة بكونها دولة ديموقراطية ويهودية في الوقت ذاته لأنها فشلت في دمج واقعها الإثني والديني مع متطلبات الدولة التعددية في العصر الحديث، ويظهر ذلك بشكل خاص في أساليب السيطرة التي تفرضها على الواقع الفلسطيني خاصة بعد عام 1967، وهو ما يقلل من وجهة نظره دعاوى إسرائيل بأنها دولة ديموقراطية بينما هي في حقيقة أمرها لا تقبل أي تعامل ديموقراطي مع الواقع الفلسطيني كما بين ذلك ‘توم سيغيف’ في كتابه عن حرب عام 1967، وهي الحرب التي جعلت إسرائيل تدخل في وهم التفوق العسكري دون اعتبار للمتغيرات التي يمكن أن تحدث في المنطقة كما هو الشأن بعد ثورات الربيع العربي وهو ما يفرض على إسرائيل أن تعيد النظر في كل استراتيجياتها السابقة لأن الإستراتيجية القديمة ربما لا تكون فعالة في المرحلة المقبلة. ويذهب ‘تورجير’ إلى أن تهرب إسرائيل من فكرة الدولتين قد لا يكون في صالحها مستقبلا، لأن الحقيقة هي أن العرب الفلسطينيين في داخلها وفي الضفة الغربية سيزدادون بصورة طبيعية وذلك ما سيجعل من الصعب على إسرائيل التحكم في هؤلاء بينما سكانها يشكلون أقلية بالنسبة للفلسطينيين وإذا استمرت إسرائيل تسوق نفسها على أنها دولة ديموقراطية في الوقت الذي تعترض فيه على حقوق الآخرين في داخل نظامها فإن ذلك بكل تأكيد سوف يفقدها مستقبلا أي دعم من قبل الدول الغربية التي يصدق الكثيرون في داخلها في الوقت الحاضر أنها دولة ديموقراطية بينما هي تنطلق من منطلقات دينية وعنصرية في الوقت ذاته.

وعلى الرغم من أن ‘تورجير’ يطالب بأن تغير إسرائيل إستراتيجيتها التقليدية في المنطقة فهو يتجه في الوقت ذاته إلى بعض الأفكار التقليدية مطالبا بأن تبحث إسرائيل لنفسها عن حلفاء جدد في المنطقة من أجل مواجهة الخطر الإيراني، دون أن يتساءل أي من الدول في المنطقة يمكن أن تتحالف مع إسرائيل دون أن تعطي إسرائيل الفلسطينيين حقوقهم كاملة، ومن الغريب أن يطالب ‘تورجير’ إسرائيل بأن تحسن علاقاتها مع الصين بصفة خاصة، فهل ستقبل الصين أن تضحي بمصالحها في المنطقة لمجرد أن ترضي إسرائيل أو تقيم علاقات خاصة معها؟

في حقيقة الأمر إذا توقفنا عند هذا النوع من الفكر الذي يحاول معالجة الواقع الجديد الذي تواجهه إسرائيل في المنطقة العربية وجدنا أن كل ما يفعله المفكرون في العالم العربي هو محاولة الإبقاء على الواقع الإسرائيلي في موقع القوة دون حدوث تغييرات جوهرية في سياسات إسرائيل التي درجت عليها، وهذا أمر يعكس فقرا فكريا سواء من الجانب الغربي أو من الجانب الإسرائيلي لأنه لا يتعرض بصورة مباشرة لمصالح الآخرين في ظل الوجود الإسرائيلي، ذلك أن الأزمة التي سببتها إسرائيل في هذه المنطقة هي أزمة احتلال أرض لم تكن ملكها بدعوى أن لها حقا تاريخيا فيها ولم يقبل الإسرائيليون أن يعيشوا مع غيرهم فوق هذه الأرض كأي مجموعة مهاجرة بل عمدوا إلى طرد السكان الأصليين من أرضهم منكرين عليهم أي أمل في استعادة حقوقهم، وربما ساعدت بعض الظروف التاريخية والسياسية في الماضي على استمرار هذا الوضع، لكن هل ستضمن إسرائيل أن هذا الوضع سيستمر طويلا؟ سؤال لم تقف هذه الدولة عنده لأنها ظلت دائما تعتقد أن القوة وحدها هي التي يمكن أن تؤمن لها واقعا فرضته على الآخرين، وذلك ما تبين الآن أنه غير ممكن في ظروف إقليمية ودولية متجددة، ونحن لا نتوقع من هذا المنطلق أن كل ما ينظر إليه العالم العربي هو أن تغير إسرائيل مواقفها وتتعطف بحل المشكلات العالقة، بل ننظر إلى ما هو أبعد من ذلك وهو أن تدرك إسرائيل أن اكتساب الحقوق في المرحلة المقبلة لن يكون من خلال السياسات التي تتبعها الحكومات، بل سيكون من خلال التحركات الشعبية الضخمة التي ستفرض واقعا جديدا في هذه المنطقة.’ كاتب من السودان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية