د. حسين علي شعبانتسحر فضائية فلسطين ببرامجها المهنية المتنوعة المشاهد الفطن والذويق؛ صحيح ان للفلسطينيين باعا في تأسيس وتطوير الاعلام العربي كما النهضة العمرانية والحضارية في الكثير من الدول، الا ان الظروف السياسية والنكبات المتصلة حرمتهم لعقود طويلة حق التمتع باطلاق العنان لطاقاتهم وابداعاتهم. فضائية فلسطين الحديثة المنشأ والتي مقرها مدينة رام الله، العاصمة المؤقتة لدولة فلسطين حققت خلال الاشهر المنصرمة قفزات تنموية تشكل نموذجا بعتد به. الميزانية المحدودة والمتقشفة زادت شريط الانباء، نشرات الاخبار، الاعلانات الوطنية والتجارية، البرامج السياسية والاجتماعية كما المسلسلات الدرامية مهنية، اتزانا وشمولية في عجينة ذاب فيها الشكل بالجوهر لينتجا خبزا او خبرا لا فرق يخلو من التهييج والتحريض. أخبار الرئيس والحكومة ليست الوجبة الباردة ‘المحمضة’ التي يعاد تكرارها كل ساعة ولمدة ساعة. شريط الانباء مكتوب بهدوء العربية المدبج بعبارات الرصانة. البرامج السياسية ‘نظرة من الداخل’ مثلا تتسم بالتوازن المشتغل بتقريب وجهات النظر قي حوار معمق يصون حق الاختلاف كما التعبير عن الرأي. البرامج الوطنية التعبوية ‘قصة نجاح’ و’بلدك اولى فيك’ مثلا تنبش كنوز السلف لتقدم مأثر اصحابها على طبيعتها وكما هم. الاعلانات الوطنية جذابة؛ غصن الشجرة واوراقه المتطايرة لتحط الى جانب بعضها لتنسج علم فلسطين مصحوبة بعزف بهدهد الروح. الاعلانات التجارية قصيرة ومتباعدة. لا يتسع المكان للحديث عن هذه البرامج والقائمين عليها لأسباب نعفي القارئ منها. نعتقد جازمين ان مقارنة مهنية تعتمد مقاييس ومعايير الحياد ستضع تلفزيون – فضائية فلسطين في مكانة مرموقة بين الفضائيات العالمية. فالمعيار الاهم أن فضائية فلسطين اثبتت انها لشعب فلسطين مجتمعا، كما انها لكل فلسطيني بغض النظر عن موقعه الطبقي، مركزه الاجتماعي، السياسي او الحزبي. صرح اعلامي ينبض بألم اهل البلاد وتطلعاتهم، يوحد لا يفرق، يجمع لا يشتت. شيخ العرب محمد بكري في برنامجه ‘وجها لوجه’ يرحل بديوانه، حاشيته واباريق قهوته الى ضيوفه في البيوت المتواضعة الدافقة بتضحيات وبطولات اهلها وقاطنيها. لا يرتاح بكري في الاماكن المغلقة هربا من الرتابة وتفهما لذوق المشاهد العاشق ابدا للتجديد. مساء الخامس من آذار/ مارس 2012 نصب محمد بكري خيمته على تل في مدينة الناصرة ليتحف مشاهده برحلة سياحية تستحضر التاريخ الراقد عند قدمي مدينة شامخة. راح بكري على عادته يستدرج ضيفه الى حديث القلب للقلب، اسئلة بسيطة هي ابنة لحظتها، تختلط العامية بالفصحى يحبها العامة وتسحر الخاصة. قبل ذلك بأيام او اسابيع نصب بكري خيمته المتنقلة في مدينة نعم مدينة ام الفحم ليحكي رحلة اهلها من الامية الى العلم ومن مشاغل الحرف الى مجالس التشريع.
النسر محمد بكري يأبى ان يحط رحاله الا على القمم الشاهقة والنواصي من الرجال. رئيس بلدية الناصرة رامز جرايسي هو امتداد وتواصل تاريخي وحضاري لابن الناصرة وكل فلسطين البار توفيق زياد. رامز رجل عمل ومثابرة، يغدق في التواضع ونكران الذات، لكن بكري يوجه صاري الحديث كأن كلماته نور الشمس المنبعث من خلف الجبال صباحا فتضيء السماء ثم الارض وما عليها. قبلها حط بكري ضيفا خفيف الظل وادع الروح على الفلاح عفو اغبارية فاستنطقه بحديث مجبول بصدق والوفاء. نعتذر لتقصيرنا في اعطاء شخصيات و’ضيوف’ ‘وجها لوجه’ حقهم وتضحياتهم لكن تقديرنا واحترمنا لما يحملون ويمثلون من قيم هو عزائنا.
حلقات برنامج ‘وجها لوجه’ ليست الا نماذج ومساطر لتحف، ايقونات كنسية، نبيذ اديرة عتيقة، فلسفات فلسفية، لوحات تاريخية وحضارية تتجلبب بثوب كنعاني طرزته ايدي عجائز وصبايا فلسطينيات لم يقهرهن الظلم ولا الاحتلال ولا الانقسام. بكري يحترف ارتداء هذا الثوب في رحلات السير على الحبال المشدودة فوق منعطفات سحيقة، ثقتة مجبولة بحنكة الشيوخ الحكماء البسطاء واحلام الاطفال. كلماته، حديث بكري وضيوفه بلسسم للروح التواقة لكوز تين او صبر وعنقود عنب صباح نهار آبي في قرية فلسطينية نائية الا من اهلها. محمد بكري يحترف تدليك اعصاب مشاهده المتوترة الى حد الانقطاع. فيدلكها بزيت زيون الخوابي العكاوية العتيقة ثم يتبعها بكأس ‘دقة الزعتر’، ‘زيزفون’ ‘قش بلاط’ ‘شاري برى’ فيسترخي صاحبها مطمانا لهدهدة الكلماته القادمة من سر كاتب الاحجبة – الاحرزة او قارئ افكار محترف. حب الانسان والنصف الملآن من الكوب هو سر نجاح محمد بكري وبرنامجه ‘وجها لوجه’ فالاثنين وصفة لكل من شق عصا الطاعة عن نمط استهلاك الوجبات السريعة، ومن لم تروض جسدهم قسوة حنود الاحتلال وافاعي الانكوند الفاغرة افواهها لابتلاع ارض سيختنقون بها وبصبر وجلد اصحابها. كلام محمد بكري يبلسم جراح كل من اعتصم بتلابيب الصبر والنظر الى البعيد بعين الماضي، الحاضر والمستقبل، انه يبنى الوطن على طريقته. محمد بكري ليس فنانا ولا صحفيا ولا اعلاميا ولا شيخ عرب، ولا استاذا، اذا كانت الفلسفة ام العلوم فهو حقا فيلسوف يبحث عن الحقيقة على طريقته وبأدواته.
كاتب من فلسطين