خالد محمد الشامي* ‘الجزيرة الثقافية’ حلم ثقافي مشروع، سواء لمحبي (الجزيرة) ومتابعيها، أو حتى للقائمين عليها، ذلك أن (الجزيرة) خلال مسيرتها الإعلامية استطاعت أن تعيد تشكيل الوعي السياسي العربي والدولي، وفعلت أكثر من هذا على مستوى الأداء الإعلامي.
وقد يستغرب البعض هذا الاقتراح أو (الحلم)، بحجة أن الفضاء الإعلامي يمتلك عددا من القنوات الثقافية، أو تلك التي تخصص جزءا من خارطتها البرامجية للشأن الثقافي، وهذا صحيح؛ لكن الصحيح أيضا أن هناك قنوات إخبارية ورياضية كثيرة تملأ أجهزة الاستقبال في منازلنا، لكنها تقف عاجزة عن اللحاق بما تقدمه قنوات (الجزيرة) أو منافستها، ذلك أن (الجزيرة) – بنفَسها العربي الإسلامي الأصيل- استطاعت أن تستولي على وجدان المشاهد العربي وثقته، وما تقدمه له مذاقه الخاص ونكهته الفواحة، وإذا كنت لا أجد الكلمات المناسبة التي تستطيع أن تعبر عن حقيقة المشاعر التي يحملها المشاهد العربي، فيمكنني القول إنها أقرب إلى مشاعر محمود درويش وهو يحن إلى خبز أمه وقهوتها، أو هي أقرب ما تكون إلى ذلك الإحساس الروحي الذي عبر عنه محمد المخزنجي في (رائحة الشمس)، لكن قصيدة درويش وقصة المخزنجي تشتركان في أن موضوعيهما يدوران حول مذاق كل ما تقدمه الأم أو تصنعه، إذن قد يكون ما أردت إيصاله قريبا من هذا، فالجزيرة هي (الأم)… وكل ما تقدمه هو بنكهة وجمال ما يأتي من يد الأم، حتى وإن اعتوره بعض العوج أو القصور. لكن هناك من يختلف مع ما تقدمه الجزيرة ومع منطلقاتها، ومن ثم فهم يرون فيها (خالة) لا (أما)، والحق أقول لكم: لا تعولوا كثيرا على ما يطرحه هؤلاء، فهم في قرارة أنفسهم يدركون مكانة الجزيرة ومصداقيتها، وهم في خلواتهم لا يتحولون عن (الجزيرة) إلا لفاصل قصير مسرعين بالعودة إليها.
وهؤلاء حينما تلتقي بهم أو تراهم يظهرون على وسائل إعلامية عديدة وقد احمرت عيونهم، وانتفخت أوداجهم، وأزبدت أشداقهم، حنقا على ما تقدمه هذه قناة (الجزيرة)، إنما يحدث ذلك فقط حينما تُظهر (الجزيرة) شيئا من حقيقة أنظمتهم أو اعوجاج أفكارهم، لكنهم بالتأكيد يصدقونها في كل ما عدا ذلك.
حسنا كدنا أن ننسى موضوع (الجزيرة الثقافية)، وعودا على بدء فإن ما سبق ليس المبرر الوحيد لضرورة وجود هذه القناة، فهناك الكثير مما يحتم ليس فكرة وجودها فحسب، بل سرعة وجودها، فهي القناة التي يمكنها أن تتناول الشأن الثقافي بشمولية وشفافية وجرأة وتنوع، لأنها لن تجعل في صدارة اهتماماتها التنقيب عن المنجزات الثقافية التي تدعي الأنظمة وجودها، وتزعم أن بالإمكان رؤيتها بوضوح دون الاستعانة بأي مجهر لرؤية أكبرها، أو حتى دون الاستشهاد بتأكيدات وزراء الدفاع والداخلية والزراعة عن عظمة هذه الإنجازات الثقافية.
وهذه القناة لن تكون مجبرة أيضا على متابعة تحركات وزير الثقافة ورصد لقاءاته وتصريحاته عن توجيهات عليا صارمة بالاهتمام بأوضاع المثقفين بعد الإفراج عنهم، أو تخصيص برامج حوارية وندوات للبحث في دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة التي تتضمنها أحاديث رئيس النظام وخطاباته.
هذه (الجزيرة الثقافية) تعد ضرورة ثقافية لأنها ستنطلق من رؤية واسعة مفتوحة على كل الأفكار ولها، ملتزمة بشعارها الصادق (الرأي والرأي الآخر)، ومن ثم فإنها ستكون ساحة مفتوحة لكل المثقفين والكتاب والفنانين وعموم المفكرين، ولن يكونوا ملزمين بالضرورة بتبني تلك الأيديولوجية أو وجهة النظر التي تحبذها الأنظمة والمتمثلة في شعارها الوحيد: (من كان يقدس الوطن فإن الوطن قد يزول، ومن كان يقدس القائد فإن القائد لن يزول)، كما أنها لن تكون مقيدة بالأطر الفكرية لحزب أو جماعة.
قناة (الجزيرة الثقافية) ومن خلال شبكة مراسليها المتواجدين في كثير من الدول العربية والعالمية يمكنها أن تتابع وتنقل لمشاهديها أهم الأنشطة الثقافية التي تحتضنها تلك الدول، سواء ما تعلق منها بالفعاليات الرسمية التي ترعاها الدول اوالمؤسسات، أو تلك الفعاليات التي يسعى المثقفون المهمشون أو غير المرضي عنهم لإقامتها وإيصال صوتهم وأفكارهم إلى الآخرين.
كما أن هذه القناة قد تتبنى بل ستتبنى ذلك فعلا باعتبار وجودها أصبح حقيقة ماثلة عددا من الندوات والمهرجانات والأنشطة الثقافية المختلفة، بل قد تمضي (الجزيرة الثقافية) إلى ما وراء ذلك من خلال تخصيص جائزة أو عدد من الجوائز القيمة ماديا ومعنويا، لعدد من فروع الثقافة والمعرفة، والأهم في ذلك أن هذه الجوائز يمكن أن لا تكون حكرا على تلك الوجوه الثقافية والإبداعية التي تستأثر بكل شيء مستغلة سمعتها ومكانتها قبل إبداعها، ومن ثم فإن أمام المبدعين الشباب أو المغمورين فرصة للفوز بإحدى هذه الجوائز، دون الحاجة إلى شهادة تزكية من أجهزة الاستخبارات، والأمن السياسي، والأمن القومي، بل إن هؤلاء المثقفين والمبدعين وكثير منهم يعيشون حالة الكفاف- يمكنهم أن يستبشروا بأن القيمة الإسمية والفعلية للجائزة ستصلهم كاملة، دون وجود اتفاقات سرية لتقاسم الجائزة بين الجهة المانحة وبين المثقف، أو بينه وبين أحد المقربين من وزارة الثقافة أو لجنة التحكيم.
وبجانب ذلك يمكن (للجزيرة الثقافية) أن تتبنى نشر كثير من الإبداعات، خاصة تلك التي عجز أصحابها عن نشرها بسبب صداقتهم للفقر أو عداوتهم للنظام.
وفي انتظار مشروع قناة (الجزيرة الثقافية) يمكن أن نستبشر نحن محبي الثقافة وكل المثقفين بانتظار أن يرى هذا المشروع النور قريبا، كما يمكن لإدارة (الجزيرة) أن تأخذ هذه الرغبة والتطلع لقطاعات ثقافية عريضة بعين الاعتبار، مع أن هذه الفكرة قد تكون قيد الدراسة أصلا لدى إدارة القناة، وربما هي قيد التنفيذ، ذلك أن الهموم العربية والإسلامية التي تحملها دولة قطر على عاتقها تجعلها غير متجاهلة لهذا الجانب الهام في الحياة الفكرية العربية والإسلامية عموما، وإن غدا لناظره قريب. [email protected] كاتب من اليمن