ولي عهد البحرين بين واجبين احلاهما مر

حجم الخط
0

يوسف مكي في إثر موت ست شابات دفعة واحدة في حادث مروري بتاريخ 25/2/2012 تدور حوله ملابسات وشكوك كثيرة، قام سلمان بن حمد ولي عهد البحرين بزيارة الى عوائلهم لتقديم واجب العزاء، مواساة منه لأهالي الأموات من جراء الفاجعة التي اصيبوا بها، واظهار ذلك على انه حرص من العائلة الحاكمة، ممثلة في ولي العهد على مدى اهتمامها باحزان الشعب البحريني ومصائبه، ومشاركته في السراء والضراء، والأهم من ذلك تأكيد ولي العهد من خلال هذه الزيارة على مدى ارتباط الحكم بشعبه والاحساس بأحاسيسه، والتألم لما يصيبه، ومن باب اولى اذا كان الحدث هو فقدان ست شابات في عمر الزهور، فالأمر جلل. الى هنا والأمر عادي جدا، ولي العهد يعزي الاهالي في فقيداتهم. ولكن المرء عندما يتعمق فيما تحت العادي او فوقه، لا يسعه الا ان يتساءل، لماذا التعزية في هؤلاء الفقيدات الشابات، فقط؟

، والبحرين على امتداد سنة يقتل فيها الناس بدم بارد تارة تحت التعذيب، وتارة بالدهس بالسيارات، ومرة ثالثة بالرصاص، ورابعة بالشوزن، وخامسة بمسيلات الدموع والغازات الخانقة والسامة والطلقات المطاطية، والحبل على الجرار. وقد وصل عدد من قتلوا من الاطفال والشباب والشابات والنساء والرجال من جراء تجاوزات قوات النظام اكثر من 70 شخصاً، ومع ذلك لم يتقدم احد من رجالات النظام ومن بينهم ولي العهد، ولو عن طريق الخطأ الى تعزية عائلة أي واحد ممن قتلوا، ولا حتى ببرقية تعزية او اعتذار. فأينَ ولي العهد من هذا الكم من القتلى / الشهداء، والذين كانت مشاهد موتهم تدمي القلب وتهز الضمير، وهي موثقة با لصوت والصورة؟: . بل كان النظام يحاول وباستمرار ان يصم اذنه ويغمض عينه عما يجري من عمليات قتل، ويفـــــبرك روايات وحكايات حولها لإخفاء الحقيقة (عن القتل الممنهج)، وولي العهد يعرف مايدور على الساحة بالتأكيد ويعرف ضحايا نظامه، ويعرف ان آلة القمع هي من قتلهم، لكنه مع ذلك لم يتقدم بتعزية لأهـــالي القتلى. وللتعمية على حقيقة القتل، كان النظام يحاول جاهدا تصوير قتله للناس وكأنه وفاة عادية وبأسباب من قبيل: مات فلان الفلاني بسبب السكلر (فقر الدم المنجلي)، ومات فلان العلاني غرقاً، او مات المعتقل الفلاني بسبب الفشل الكلوي، او بالضغط وهبوط في القلب، او بالسكر، وما شابه ذلك من اسباب ومبررات، لا تنطلي على الحس السليم. وعليه اذا كان ولي العهد حريصا الى هذا الحد على مشاركته لأهالي الشابات الفقيدات وتأثره من جراء الحدث الأليم، واذا كان ما قام به تجاه اهالي الفقيدات الست يمثل واجباً، فلماذا لم يتأثر لمقتل اكثر من سبعين شخصاً، وفيهم من الشباب كثيرون وبالتأكيد يستحقون اهاليهم التعزية والمواساة من لدنه، وهم يمثلون فاجعة لكل اهل البحرين وموزعين على مختلف مناطق البحرين، بقدر ما يمثل موت الشابات فاجعة لشعب البحرين. فأينَ الموساة، وأينَ الواجب. لكنه لم يفعل ذلك تجاه هؤلاء الشهداء السبعين، فهل دماء الشابات الست غير، ودماء السبعين شهيدا تعتبر ماءً، ولا يستحقون لفتة من سموه، او واجب العزاء، وهل الشابات الست مواطنات وسبعين شهيدا ليسوا مواطنين، فالواجب هو واجب تجاه الجميع، وليس لأناس دون آخرين.

اذن الموضوع فيما يبدو هو نوع من السيناريو، للمرحلة المقبلة، بحيث يكون موت الشابات الست هو الفرصة المناسبة لظهور ولي العهد على مسرح الاحداث مرة اخرى بعد ان توارى الى الخلف منذ دخول ما يسمى بقوات درع الجزيرة في مارس 2011 . واقتراب مرور سنة على قمع حركة 14 فبراير الاحتجاجية في دوار اللؤلؤة العتيد في صبيحة 17/3/2011 . وبناء عليه فأداء الواجب تجاه اهالي البنات الست لا يستقيم ضمن اداء واجب العزاء فقط، فهذا آخر ما يفكر فيه رجالات النظام، انما يأتي ذلك ضمن اجندة ابعد ما تكون عن اداء واجب العزاء، وستظهر بعض ملامحها في المستقبل المنظور، خاصة اننا على ابواب مسابقات الفورمولا في ابريل القادم.

ولكي يظهر ولي العهد في الصورة باعتباره الرجل المقبول، فإن الفرصة المناسبة في ذلك هو التعزية في موت الشابات الست، باعتبار ذلك مدخلا جديدا لمرحلة قادمة، او لعبة سياسية جديدة قد يقودها ولي العهد بالاتفاق ربما من تحت الطاولة مع بعض اطراف المعارضة كما حدث قبل سنة، وبرعاية امريكية هذه المرة (حيث يخطط الامريكان لطبخة سياسية تخرج النظام من ورطته دون تنازلات جوهرية). نعود الى سؤالنا: لماذا التعزيــــة إذن في موت ست فتيات، ونكران اكثر من 70 قتيلا، ولم يكلف احد من قادة النظام نفسه لتعزية اهل أي واحد من هؤلاء، والأصح في سياسة النظام انهم لا يستحقون تعزية، فهؤلاء عملاء للخارج بمنطق النظام. ونحن نتساءل اليس لهم اهل، اليس لهم آباء وامهات وزوجات واخوة واخوات يتحسرون عليهم، ويستحقون التعزية واكثر من ذلك. اجل، ولكن رجالات النظام يعزون من يموتون في حوادث المرور فقط باعتبارهم مواطنين، اما من يقتلهم النظام من المحتجين المطالبين بالحرية والكرامة والعدالة، فهؤلاء ليسوا مواطنين وفقا لأعراف النظام، انهم محتجون خارجون عن قانون الاستبداد واعراف القبيلة، ولا عزاء لهم. انها مفارقات النظام الحاكم في البحرين لدرجة التمييز بين مواطنيه حتى في الموت وفيما بعد الموت، وفي واجب العزاء، يعزي من يشاء، ويطنش من يشاء ويتشفى فيمن يشاء، وينكل فيمن يشاء، ويسجن من يشاء، إنه النظام الذي يحاول الإيحاء بأن قلبه على شعبه، في الوقت الذي يقتل فيه ابناء شعبه، وبدون حرج اخلاقي. نظام يخادع ويحاول اللف والدوران على شعبه وعلى العالم، ودون رغبة جادة في التصالح مع هذا الشعب وبدء مرحلة جديدة تقوم في الحد الأدني على اساس نظام ملكي دستوري بالمعني الحرفي والمحدد، لا بالمعنى القبلي وحسب قياس الحاكم، ومنطق الفتح. لذلك فهو لا يتردد ان يستخدم حتى احزان الناس لخدمة مخططاته وسياساته المعادية للشعب، وفي مواجهة لمن يدعي انه يتحدث بإسمه / الشعب.’ باحث في علم الاجتماع – البحرين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية