د. كمال الهلباويجاءت الثورات العربية – التي لم يتوقعها إلا القليل من أبناء الأمة- أقول جاءت، لتغير الأوضاع السيئة، وتبدل الأنظمة الفاسدة ولكي تبدأ مسيرة التصحيح متمثلة في تطهير المجتمع مما وقع فيه تمهيداً لعملية البناء والتنمية والنهضة ثم المشاركة الفاعلة في النظام العالمي. هكذا كنا نحلم أو نتوقع وكان من المفترض أن تستمر أعمال الثورة على الأقل عدة سنوات في مصر حتى تكتمل مسيرة التطهير، إلا أن العقبات بل الأخطاء الاستراتيجية والتخبط الواضح، تمثل في الشعار الجميل الخادع الذي رفعه الثوار وهم صادقون: الشعب والجيش إيد واحدة. وتمثلت خطورة هذا الشعار الصادق الجميل في أن الثوار خلعوا كامل المسئولية من أعناقهم ووضعوها في أعناق المجلس العسكري، وتفرقوا دون أن يكون لهم قيادة ثورية، ولا من يتحدث بإسمهم، ثم تحول الثوار تدريجياً إلى شحاذين يستجدون ما يريدون من صانعي القرار. وإنفرد المجلس العسكري بصناعة القرار في مصر في فترة من أخطر فترات تاريخها، وإنشغل الثوار متفرقين ومخترقين أحياناً بإحياء الثورة حتى دخلت مرحلة الإنعاش، وباءت محاولات التوحيد والانعاش حتى اليوم بالفشل الذريع. وأحياناً إختلط البلطجية بصفوف الثوار، فأساؤا كثيراً إلى الثورة والثوار وإرتكبوا من الأعمال السيئة مالا يرضي عنه عقل ولا نقل. إنشغل الثوار كذلك بما أسموه وزارات الإنقاذ أو مجلس قيادة الثورة أو حقوق الشهداء والمصابين دون أن يقتربوا من دائرة صناعة القرار التي إبتلعت بعض الثوارأو خففت من ثوريتهم و شعاراتهم.
ومن أهم التحديات الحالية التي تواجه مصر والثورة والثوار تظهر ثلاث تحديات خطيرة. أول هذه التحديات وأبرزها اليوم معركة الرئاسة التي يخوضها أو من المتوقع أن يخوضها مواطنون شرفاء من التيار الإسلامي والوطني ويخوضها أيضاً عسكريون سابقون، ومرشح توافقي للجيش و قد يدعمه الإخوان بعد أن دخل المسرح أخيراً هو السيد/منصور حسن رئيس المجلس الاستشاري المقرب جداً من دائرة صناعة القرار وهناك أيضاً مرشحون من بقايا العهد البائد. ومن العجيب أن يحظى المرشح التوافقي الذي طال انتظاره بدعم الكنيسة فور الترشح وقد يسحب حزب الوفد دعمه لموسى ويوجهه إلى منصور حسن الذي حظى أيضاً بدعم بعض الفلول المصريين في بريطانيا. وهناك بعض من أعلنوا عن ترشيح أنفسهم لمنصب الرئاسة ممن لا يعرفهم الشعب وليس لهم قبول شعبي عام ولا خاص، وقد يشترون بذلك فقط الصفة حتى تحمل كروتهم وأوراقهم في المستقبل صفة مرشح سابق لرئاسة الجمهورية في مصر وهذا وحده شرف كبير، وهم يدركون ذلك جيداً. فمنهم الكمسري والميكانيكي واللواء السابق. الكل يبحث عن صفة في المستقبل وليس بالضرورة منصب الرئاسة. أما لجنة المائة أو هيئة المائة التي نذرت نفسها للإسهام في حل هذا التحدي فقد طرحت مفهوماً جديداً يتمثل في مؤسسة للرئاسة أو هيئة للرئاسة تتكون من الرئيس ونوابه و ربما المستشارين وليس الرئيس فقط. وقد وضعت هذه الهيئة التي من المتوقع أن يزداد عدد أعضائها كثيراً بحيث يشمل كل من آمن بهذه الفكرة أو هذا المشروع، وضعت عدة معايير لاختيار الرئيس المقبل، وبدأت بالاتصال بالمرشحين للرئاسة بالفعل. أما المعايير المطروحة فتتلخص في: القبول الشعبي العام، وتبني مطالب وأهداف الثورة بالكامل، والاستعصاء على الاستقطاب، والتاريخ النضالي المشرف للمرشح ضد الظلم والاستبداد والفساد، وكذلك المحافظة على الثوابت الوطنية محلياً وإقليمياً، فضلا عن قبول مراجعة البرنامج الانتخابي ليتفق مع هذه المعايير. وهذا كله بالإضافة إلى الصفات العامة الأخرى مثل الأمانة والقوة وطهارة اليد وحسن إدارة الحملة الإنتخابية والحياة الخاصة بشكل عام.
وفي هذا الصدد لابد من الإشارة إلى تخبط قيادة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة في موضوع الرئيس المنتظر لمصر رغم أهمية الأمر. أقول تخبطت القيادة منذ أن أعلن الإخوان أنهم لن يرشحوا أحداً للرئاسة ذو مرجعية إسلامية، ومن حقهم ألا يرشحوا أحداً للرئاسة، أما النص على صاحب المرجعية الإسلامية فهو أمر مخالف للديموقراطية ومناقض لدعوة الإخوان. ولم يكن المرشد موفقا عندما أعلن أنه لن ينتخب د.
أبو الفتوح وكأن ذلك تهمة يجب أن يتبرأ منها. وبعد إنتقادات شديدة لهذا الموقف أعلن المرشد العام للإخوان المسلمين د. محمد بديع أخيراً أنهم سيقفون إلى جانب مرشح له خلفية إسلامية. واليوم يقف الإخوان موقفاً حرجاً بسبب هذا التخبط والعقلية التنظيمية المضطربة الضاغطة والمتعارضة أحياناً، أوبسبب المرشح التوافقي الذي بحث عنه الإخوان فلم يجدوه حتى أعلن منصور حسن عن ترشيح نفسه يوم الأربعاء 7مارس2012. أما التحدي الثاني الخطير فيتمثل في استمرار الضغط الأمريكي على مصر، والضعف الواضح في مواجهة هذا التحدي أو الاستجابة له. فبعد أن أعلن الجميع بما فيهم المجلس العسكري وحكومة الجنزوري أنهم لا يريدون المعونة الأمريكية، ولن يخضعوا للضغط الأمريكي، وجدنا الجميع يركعون للأمريكان ويسبحون لهيلاري كلينتون وطلبها الافراج عن الأمريكان المتهمين في قضية التمويل الخارجي لمنظمات المجتمع المدني في مصر، ووجدنا القاضي المختص يتنحى عن المحكمة برمتها وتتشكل محكمة أخرى بأسرع من البرق تفرج عن المتهمين وتنقل الطائرة العسكرية الأمريكية الرابضة في مطار قاهرة المعز أولئك المتهمين إلى أمريكا، وليس هناك من أحد يتحمل المسؤولية بشفافية ومسؤولية. ثم ضاعت المسؤولية وسط حملة الترشيحات للرئاسة وبقية التحديات ومكلمة مجلس الشعب. كما نقلت الأخبار يوم الثلاثاء 6/3/2012 أخبار إشادة رئيس مجلس الشعب الدكتور الكتاتني بملك البحرين لحكمته والاصلاحات التي قادها مع حكومته الرشيدة والمبادرات الشجاعة التي أقدم عليها، وسرعة التفاعل والتجاوب المسؤول في احتواء الأزمة التي مرت بها مملكة البحرين، ساهمت في القضاء على المؤامرة ومعالجة الأزمة بكل حنكة وخبرة ودراية’إنتهى كلام الكتاتني ممثل الشعب المصري العريق خلال لقائه مع خليفة الظهراني رئيس مجلس النواب البحريني في إجتماع البرلمانيين بالكويت. صحيح أن الأدب مطلوب فضلاً عن الاحترام، ولكن المدح في غير محله لا يليق بمن يمثل شعباً عريقاً حضارياً مثل الشعب المصري، ولا يليق بأحد قيادات الإخوان المسلمين، وخصوصاً أن ملك البحرين قمع المظاهرات السلمية وقتل شعبه مثل أي ديكتاتور آخر، كما أن أهم أركان حكومته الرشيدة التي أشاد بها الكتاتني على علاقة ود ومحبة مع الصهاينة المعتدين. هذا كله فضلاً عن قوات الاحتلال والقواعد الأمريكية القائمة في البحرين خصوصاً والخليج عموماً، واستمرت بلا أدنى سبب حتى بعد ذهاب صدام حسين، ولا يدري أحد متى تغادر تلك القوات المحتلة بلادنا، ولا يوجد جدول انسحاب واضح لتلك القوات. وياليت الكتاتني أشار إلى هذه المشكلة الكبيرة ودرس مع المختصين والبرلمانيين في الخليج موعد مغادرة القوات الأمريكية من الخليج، لأن دعوة الإخوان فضلاً عن الوطنية لا تقبل هذا الاحتلال البغيض. ثم ما هي المؤامرة التي أشار إليها الكتاتني في حديثه عن ملك البحرين المعظم وهى إحدى دويلات الأمة الممزقة وفق إتفاقية سايكس بيكو وليس وفق القرآن أو السنة!
أين هذا الحديث من موضوع وحدة الأمة التي هى من ثوابت الإخوان المسلمين؟
أما التحدي الثالث فيتمثل في محاولات الاصلاح التي تتبناها أطراف عديدة في مصر ما بعد الثورة، وقد لفت نظري أن مبادرة المجلس الوطني للإعلام، وهى مبادرة جيدة لعلها تحل مشاكل وزارة الاعلام التي لا معنى لها وخصوصاً بعد الثورة، أقول لفت نظري أن البيان الصادر عن تلك المبادرة، يطالب بتوفير الحماية للاعلاميين من تحكم رأس المال وبطش السلطة وكل أنواع الوصاية سواء السياسية أو الدينية أو الأخلاقية. وقفت كثيراً عند فقرة الوصاية الأخلاقية وتمنيت ألا يكون ذلك يعني التحلل من الأخلاق بل من الوصاية فقط. كما ساءني في هذا الاطار أن ترسل مصر عينة من لحوم الأنعام والطيور النافقه التي أصابها مرض الحمى القلاعية للتحليل في إنجلترا، ولا يكون لدينا معامل مناسبة ولا إتفاقيات مع العالم العربي أو الاسلامي تؤدي هذه المهمة. كل هذا والجميع مشغول بمشكلاته بعيداً عن صناعة القرار التي لن يتخلى عنها المجلس العسكري بسهولة، ولعل هذا هو الدور المرتقب من الرئيس التوافقي الذي عليه أن يرضي الجميع وأن يقر الجميع على ما هم عليه مهما كان ومن ورائه صناعة القرار، حماية للمسار الديموقراطي حتى تتخلص مصر من المسار الثوري. وأرجو أن أكون مخطئاً في فهمي وتوقعاتي.’ كاتب مصري