د. يوسف ربابعة
يبدو أن الأردن سيأخذ وقتا أطول من الوقت الذي يستغرقه قطار الربيع العربي للوصول إلينا، ذلك أن آليات الإصلاح لا تعدو كونها كومة قش تطفو على السطح، وتلامس وجه الحقيقة دون الولوج في عمقها، بل تبدو الأمور أقرب إلى حراثة الغشيم، ضربة هنا وضربة هناك، ومحاولات للترميم غير المقنع وغير المجدي، ومن الواضح أن الشعب الأردني لا يملك الوعي الكافي لإنجاز مشروعه الإصلاحي، إذ إننا اليوم وفي العالم الحديث نحتاج لبناء دولة قادرة على استيعاب اللحظة الحضارية التي تمر بها الإنسانية، دولة لكل المواطنين بحقوقهم وواجباتهم، بعدالة وقانون، ولا يمكن أن نبقى نتحدث عن مضارب ومناطق وجهات، وأصول ومنابت.
إن من أهم المشاكل التي تجعل المشروع الإصلاحي في الأردن صعبا هي مشكلة الانقسام الذي يعاني منه المجتمع الأردني بين من هم من أصول شرقي النهر ومن هم غربيه، وهي مشكلة ليست جديدة ولا قديمة كذلك، وليست صعبة في نفس الوقت، لكن هناك تاريخ غير مريح في التعامل بين الطرفين، ويبدو أغلب الفلسطينيين اليوم منسحبين من المشاركة في الاحتجاجات والمظاهرات التي تحدث، وذلك ليس رفضا للإصلاح أو عدم الرغبة فيه، لكن لأن الفلسطيني يخشى أن يُتهم بعدم الانتماء، وأنه يسعى لتخريب البلد، لأنها ليست بلده، كما كان يُتهم على الدوام، فالفلسطيني الذي كان يخرج في مظاهرات قبل عشرات السنين كان يُقمع ويُضرب، ولا يجد من يفزع له، ولذلك تعلم درس الانسحاب بعد أن واجه الاتهام الجاهز بنقص المواطنة والانتماء، بل يُتهم بأنه باع وطنه وأنه مع المشروع الصهيوني لإقامة الوطن البديل.
ومن جهة أخرى فإن الشرق أردنيين ما زالوا – في الغالب – ينظرون إلى الإصلاح من وجهة نظر محاصصة وتقاسم للمناصب والمغانم على أسس عشائرية ومناطقية، ولا يستطيعون تقبل فكرة المشاركة مع الآخرين، خوفا من المنافسة التي يعتقدون أنها لن تكون عادلة، ذلك أن رأس المال بيد الأغنياء من الفلسطينيين، والاقتصاد هو الذي يحكم في زمن انسحاب الدولة وحرية السوق، ذلك أن الأردني الذي عاش في الوظيفة عشرات السنين وتربى عليها لا يجرؤ على دخول السوق مجردا من العزوة والعشيرة والربع والواسطة، فالأردنيون كانت تمنح لهم الوظائف المدنية والعسكرية على شكل مكارم ومعارف ومناطق، ولم يدخلوا إلا متأخرين في سوق الكفاءة والمنافسة، وهم اليوم يريدون استعادة تلك اللحظة التي يعتقدون أنهم فقدوها، فهل يمكن للتاريخ أن يعود للوراء؟ بالطبع لا. واذا كان كذلك فإن على الأردنيين يدفعوا ثمن ولائهم القديم والرضاعة المتأخرة، وأن يقتنعوا أن الدولة لم تعد قادرة على رعايتهم، كما كانت سابقا، وأن مكونات المجتمع بكل أطيافه هي جزء من الدولة، وليس هناك غريب وقريب، فكل المواطنين لهم نفس المقدار من الحق والحقيقة.
كل هذه الظروف التي يعيشها الاردني والفلسطيني بكل ما فيها من عدم ثقة وتفاضل في الموالاة والانتماء تجعل من السهل على كثير من المنتفعين والفاسدين كذلك اللعب على هذه الأوتار، ولذلك حتى المتهمين بالفساد، والمطلوبين للمحكمة تجد من ينصب له الخيم ويسكب فناجين القهوة للوقوف خلف ابن العشيرة المستهدف، وإذا قيل هذا فاسد، قالوا لأنه فلسطيني، وإذا قيل ذاك سارق، قالوا لأنه أردني، وإذا قيل ذاك خائن، قالوا لأنه جنوبي، وإذا قيل ذاك فاشل، قالوا لأنه شمالي، فمن أين يمكن أن نبدأ إذا؟
والأغرب من ذلك فإن أي مُطالب بالمواطنة والعدالة يُتهم بأنه مع الوطن البديل، وأنه يخدم المشروع الصهيوني الأمريكي، وأنا أعتقد أن مصطلح الوطن البديل هو مجرد مصطلح غامض، ويقوم على تكهنات وأحلام، قالها أحد اليهود المتطرفين، حين صرح أن الأردن هو وطن الفلسطينيين، وكلنا صرنا نرجف خوفا، وكأن مصير العالم مرتبط بهوس أحد المتطرفين، والأسوأ من ذلك أننا في الأردن نعيش هذا الهوس، وبعضهم يريد ان يتحدد مستقبلنا بناء على ذلك وأنا أتساءل هنا: هل تجنيس او عدم تجنيس آلاف الفلسطينيين معناه الوطن البديل؟ وهل فك الارتباط وقوننته ستمنع المشروع الصهيوني المزعوم؟ وهل فرز الناس حسب أصولهم ومنابتهم سيخدم مشروع التحرير ووحدة الأمة؟ وهل شرخ المجتمع عموديا سيخدم الدولة وفكرة الإصلاح؟ في الحقيقة أنا أتساءل عن كل ذلك لأنني أرى في الأفق ما هو مرعب أكثر من مجرد البحث عن الهوية ومقاومة الوطن البديل، لأن بناء الدولة والحرية واحترام حياة الإنسان وكرامته وتأمين عيشه ليكون عزيزا هو الذي يحمي المجتمع، ويقف في وجه كل المشاريع والمخططات الخارجية مهما كانت كبيرة وخطيرة، والعكس هو الهزيمة والفوضى.’ كاتب اردني