نصر جميل شعث أنْ أتصوّرَ ذاتي في تلك المسافة، غير المقاسة، بين مطرقة الإسكافي والحذاء، أنْ أتمنّى هذه المسافة وطنـاً (زمكاناً) لذاتي؛ فإنّ هذا لا يعني، قطعاً، أنّ معاييري الأخلاقية والجماليّة نكصت إلى هذه الصورةِ الوضيعة. أو أن طموحاتي في أفق الحياة تردّتْ إلى هذا الحدّ المضحك والمخجل. إنني أتطلّع إلى علاقة نبيلة توظّف فكرتي في إصلاح الذات وتبسيطها؛ يكونُ فضاؤُها هذه المسافة المرنة التي تتجلّى خلالها سرعة الإصلاح. المسافة التي لا يعملُ فيها القياس بوحداته الثابتة المختلفة، كالـ( قدم) مثلا، الذي هو غائب، هنا، لتعطيلي عملية تسييج المسافة وتحجيمها بوحدات القياس. ولكنه الحاضر من حيث هو مجازٌ مرسلٌ علاقته بالجسد جزئية؛ حيث إرتباطه الحتمي والبراغماتي بحماية كالحذاء. والقدم ما يَملأ الحذاء. لو نظرنا في حضور الحذاء متجلياً في (يد) الإسكافي، ولـ (يد) الإسكافي متجلّية في حذاء لمتضرّر من بسطاء الناس؛ سنرى كيف أنّ كلمة (يد) تنطوي على إرادةَ عمل وإصلاح. فمع هذه الرؤية تفيض (يد) الإسكافي عن معنىً يُحيلُ على حالة الأرض، وما لإرادة الأقدام من حاجة ماسّة للمعالجة والإصلاح وتخطّي الخلل والعراقيل والصعاب.
وأنا، كلّما تأملتُ رشاقة يد الإسكافيّ وخفّة المطرقة لحظة صيانته لفردة حذاء؛ تمنيت لو لديّ المقدرة على صيانة ذاتي بالرشاقة والسرعة ذاتها. ليس مَسخـاً أنْ أزحزحَ الحذاءَ وأمكّن الذات. وليس تجسيداً لفكرة الضحية! بالعكس، فالذات والأشياء ضحايا الوجود، وأعلى أماني طرفي الجدل الفلسفيِّ هو العدمُ.
ولكنني أرغبُ في سكنى المرونة بين المطرقة والحذاء؛ لأنني أرغبُ في أن أشتمَ مسافة الوطن المقاسة بالحذاء! على نحو ما أبداه شاعر من بلدي مِن سخطٍ وهو يحشرُ المضمونَ في الشكل، في قصيدةٍ.. راكلا بقدمه اليسرى عُلبَ وأكوامَ الوضاعة في شوارع الصحافة والوطن!
فلنشتمَ الصورةَ أوالهيأةَ التي تنتعلها علاقة المثقف بالسياسي! إنه المثقّف، هنا، حذاءٌ لـ( قدم) السياسي. وإنها الـ (قدم )، هنا، أبعد من القياس، هي ‘إرادة القوة ‘ والجري وراء المصلحة الشخصية، والدعس على كل مَنْ وما هو أدنى المصلحة! إذاً: ‘وطني حذاء’! وأما عن ‘وطني حقيبة’، فحين يَؤول الوطن مَصلحةً ملتبسة، ستُغادرُ الحقيبةُ دلالة الحقيقة، ولن تقيم بين يَدَيْ المنفيُّ في كلامه عن المأساة. بل سيثبت أن (يدا) تحملها كوسيلةٍ وكملهاة، بعد اكتسابها الشهرة والمال.. ولا تنفكّ تملأها تلك اليد بالبضاعة الوطنية البائرة بصراخ المقاومة! وهنا، بالضبط، سيسودُ تناغم كانَ متوقعاً بين الحذاء والحقيبة. فالآن، تكشف الحقيقة عن أن أُولِي التناغم من جلد الثعبان. وهذه الشياكة مع القناع تحرّض الآنَ (يدَ التفكيك) على تفكيك التواصل بين الحقيبة والحذاء!
إنني أرغب في سكنى المسافة بين المطرقة والحذاء. فثمة إرادة إصلاح لدى الإسكافي أَودّ لو تشحنُ الذاتَ والعالم بالقدرة وهي تعمل في هوّة المجاز، وفي الهوة بين الحقيقة والمجاز؛ لتتحوّل عبرَها الذوات في الأرض قوىً تحتقب إرادة إصلاح الأشياء مستلهمةً سرعة عمل الإسكافيّ النبيل.
إنني أنشد، عبر مخيلتي الضاحكة هذه، مكانة رفيعة للذات في سعيها لإصلاح ما خربته مناسبة الوجود في هذا العالم الوضيع. فلستُ بأفضل حالٍ مِن هذا الإسكافي النموذج البسيط المثالي في تجريبيته النبيل المتصالح، حدّ السعادة والإمتنان وامتداح الهيأة وعفوية الضحكة، مع ما يقوم به. وبين الإصلاح السريع وبالخطوات السريعة ثمة حياة بأشكالها ومجرياتها، علاقاتٌ ضابطها التكيّف واقتصاد البسطاء والأمناء.
وإنّ كلّ الإسكافيين الذين قابلتهم كانوا يحرضون على الضحك، وربما هذا ما يدعو للتوقف مع برغسون و’فلسفة الضحك’ .. فرزق الإسكافي متوقف على إلحاق الأرض والوقت وحركة الضرورة في العالم الضررَ بالأحذية. ويرى برغسون أن الكوميديا لا تقع على الفردي، بل على النمط الكلي.. لذلك، فالمضحك خارج نطاق المجال الإستطيقي؛ لأن مجتمع العقول لا يبكي، وإنما يضحك. المضحك لا يتوّجه إلى القلب، وإنما يخاطب العقل. وهذا، كما يفسّره نقاد برجسون، أقرب إلى النقد الإجتماعي الذي يحكم العقل، ويجعله أداة لإصلاح التصلّب والجمود والانعزالية التي تصيبُ الإنسان.
وهو ما يتماشى مع العبارة القائلة ‘إن العالم كوميديا لهؤلاء الذين يفكرون، وتراجيديا لهؤلاء الذين يحسّون’. إلا أنّ هذا الفصل لا يصمد طويلا، بشكله الذهني التجريدي؛ لأننا تلقائيّا سنوصل المنفصلين لأجل تزويج أو توريط الوصف في تراكيب من قبيل: ‘الكوميديا السوداء’ و’ضحك كالبكا’! حقـّا، الإسكافيّ مدعاة للضحك كونه يَرى رزقه في خراب أحذية السائرين على الأرض، وفي الوقت العصيب. غير أنّ نظرته إلى هكذا خراب تكون عامرة بالبساطة بالنبل البراغماتي، وشرف المقصد، وجلال الإبقاء على الحبّ كوشيجة بين الأرض والمهنة التي تحرّض على التواصل الإنساني.
الإسكافي إخاله ماو تسي تونغ يقول: ‘أليس من السهل أن تعدّ على أصابع يديك عشرين ألفـاً من الأميال قطعناها؟!’. ولا يمكن لإسكافي أنْ يكونَ برجوزيا بالمستوى الذي يمكنه، لا سمح الله، من إمتلاك مصنع أحذية! إنّ أفكار المهنة وسقف الكفاية لا ترغبه ببلوغ ذلك. أولاً، لأنّ هذا الانسلاخ يفسد علاقته بالأرض والبسطاء. إنه صديق البسطاء والأرض. وهو الراديكالي. وهو صنو الفلاح والطبيب؛ إذ يصلّح الأحذية بزرعها بالمسامير وضربها بالمطرقة. إنه ليتلطّف بالحذاء وهو يغرزه. وأما الفلاح، في ضوء ذلك، فيضرب الأرض بأدوات الفلاحة.. يزرعها بالحبوب، وحصيلة الجهود كلها، أو شعرية العمل، سوف تفضي، إذاً، إلى رزق كريم. ولأنّ الشيءَ بالشيء يذكر؛ فمع هايدغر في تأويله للوحة فان جوخ ‘حذاء الفلاحة’ نقول: ‘في الحذاء يتردد النداء الصامت للأرض.. وعطاؤها الصامت للغلة. فهذا الحذاء ينتمي إلى الأرض، وفيه تنكشف العلاقة بينه وبين مرتديه بالنسبة للأرض’. ومعي تنكشف العلاقة بيني وبين الإسكافيّ الذي، بدوره، تنكشف بينه وبين الحذاء والأرض والناس البسطاء علاقة حب ومرح استرعت تأملي. إنّ الإسكافي بكل زحزحات الوصفِ والتسمية وإبدالاتهما، لهُوَ دليل على وجود الشاعر العفويّ، والفيلسوف بشقيه الأرضي والسماويّ. في الإنسان البسيط، وفي عمل الإنسان البسيط، وهو دليل على وحدة فكرة الكفاح وتعددها بالتمثل والتمثيل كما اتضحَ أعلاه!!. ت