صلاح المراكبي يدهشني ما يشيع من تصريحات الذين لا يزالون يحكمون المراحل االانتقالية في بلدان الثورات العرية من اوهام يتم تناسخها وانتشارها بشكل يجمع بلا شك حالة من الضحك والبكاء.
فشيوع ادعاء البلطجية، والشبيحة، والعناصر المندسة، والايادي الخارجية، والصور المفبركة، تترسخ اعلاميا، ويتناولها بعض اصحاب الرأي والنخبة، مصدقين او متسائلين، وهى عوامل تزيد عقول البسطاء وانصاف الواعين، وربما الكثيرين بحكم تناولها وانتشارها.. فسادا وجهلا وضلالا.
وكنت افكر تفتيشا في صفحات التاريخ، متشككا في ان اعثر على حالات مشابهة.. فوجدت بعضها بالفعل في جلسات وفكاهات السكارى والحشاشين لكنني تنبهت الى انها بالفعل ظاهرة حديثة، نشأت في عصر الدكتاتورية الجاهلة، والتي تواكبت مع حكم التسلط والقهر العسكري والبوليسي، حيث العقليات التي اعتادت على السمع والطاعة وتخوين الذين لا يسمعون ولا يطيعون. وتوصلت الى ان معمر القذافي لم يكن هازلا وهو يدعو نفسه قائدا وزعيما للامة العربية، ثم قائدا وزعيما للقارة الافريقية، لأنه بالفعل كان فيلسوف ذلك العصر العربي الساقط، ومفكره ومبدع اوهامه، واستاذا لهؤلاء الزعماء الذين سقطوا ولا يزالون يسقطون.
ولعلها فرصة افتح عندها واحدا من ملفاتي القديمة، ومعايشتي لشخصية القذافي وبداياته في اوائل السبعينيات من القرن الماضي، ومواهبه الفذة في هذا المجال.. بما يدل على ان مواهبه كانت فطرية، منذ ايامه الاولى.
ولقد عشت نحو خمس سنوات اعمل في صحيفة كان اسمها ‘البلاغ’ تصدر في طرابلس، استدعاني للعمل بها صديقان، كانا من زملاء الدراسة في مصر، هما المرحوم على وريث، وابراهيـم الغويل.. وخلال ايام العمل، وبينما نستعد لطباعة الجريدة، فوجئت بالمانشيت الرئيسي القادم الينا من وكالة الانباء الليبية، وكان ذلك خلال الحرب مع اسرائيل اوائل السبعينات يقول: ‘الطائرات الامريكية تضرب دمشق ‘وكان من المعروف ان القذافي نفسه يكتب المانشيت الرئيسي لكل الصحف الليبية.. وعلى الجميع ان يلتزم بالفكرة، مع حرية تغيير بعض الكلمات.
وكان معنى العنوان الذي تبثه وكالة الانباء ان الولايات المتحدة قد دخلت الحرب مع اسرائيل، وهو خبر خطير، الطريف ان سطور الخبر تقول، ان اسرائيل قصفت بعض المواقع في دمشق بطائرات امريكية الصنع وكان صعبا ان انشر الخبر على هذا الشكل فاتصلت بمكتب العقيد ليرد علي سكرتيره الرائد احمد.. شرحت له الموقف.. ليحيلني الى القذافي نفسه.. الذي سألني بطريقته الساخرة: ماذا تقول يامصري؟ قلت له: ان امريكية الصنع لا تعني ان الهجوم هو هجوم امريكي، فكلنا لدينا طائرات امريكية.. لم يفكر القذافي طويلا، بل ظل يقاطعني قائلا.. صحيح، صحيح، صحيح اذن لا تنشره وتصرف.. لماذا تسألني؟
هذه واحدة.. ولدى الكثير.. منها: ان معارضا سودانيا يقيم في ليبيا، تم الاتفاق معه على ان يطبع كمية كبيرة من المنشورات التي تهاجم جعفر نميري الذي كان رئيسا ايامها للسودان، وعلى ان يتم ارسالها داخل ثلاجة في اطار طرد دبلوماسي باسم سفارة السودان بطرابلس وتم التنفيذ، وشحنت الثلاجة الى الخرطوم، ليقوم القذافي بنفسه بالإتصال بالنميري، ليخبره بالموضوع فيتورط المعارض السوداني، وتتورط السفارة، ويسعد القذافي باللعبة.
وهذه ثالثة.. جاء الى طرابلس الزميـــل الصحفي المرحوم يوسف الشريف، في رحلة صحفية ولاجراء حديث مع الاخ العقيد.. فسألني اذا كان لدي اسئلة اراها مناسبة بحكم معايشتي للاحداث.. قلت ليوسف: هذا قرار اصدره القذافي منذ يومين، بأن تتصدر الاوراق الرسمية في ليبيا بجملة على شكل ‘حكمة’ تبدو في هدفها بريئة، لكنها تعبر بالاشارة الى معنى في مسار علاقاتها السياسية العربية وبالفعل تم تنفيذها كل شهر واعطيت ليوسف الجريدة وقد تصدرها هذا القرار الذي اريد به الاشارة الى علاقة ليبيا بمصر، وكان القذافي قد قدم لمصر عددا من الطائرات المقاتلة لتشارك في المواجهة مع اسرائيل.. ثم طلب سحبها.
ذهب يوسف للقاء القذافي، وسأله عن هذا القرار والحكمة التي بدأ بها لتنفيذه، وكعادة القذافي في التجاهل والاستعباط، دق جرس مكتبه، وطلب واحدة من هذه الاوراق وتظاهر بالمفاجأة، فاخرج له يوسف الجريدة وفي صدرها القرار الذي صدر باسمه.. ليفاجئه القذافي بقوله: هل تكذبني وتصدق الورق هذه صحف لاتدري ماذا تنشر! الطريف ان هذه الحكمة هى من اقوال على بن ابي طالب وهي كاملة تقول ‘اتق شر من احسنت اليه، بالمزيد من الاحسان اليه’. واضيف رابعة واخيرة.. وهى كثيرة لا تنتهي.. في تلك الفترة كانت الحرب والمناوشات التي كانت دائرة بين شمال السودان وجنوبه، قد توقفت بهدنة نجح النميري في تحقيقها مع جارنج، في مؤتمر ضم جميع الاطراف في طرابلس، بعد انتهاء المؤتمر، التقى القذافي مع كل طرف على انفراد فتحدث مع الجنوبيين يحثهم على التعاون مع الخرطوم مع الاستمرار في احتفاظهم بتوجهاتهم السياسية ضمانا وحذرا من العودة الى الصدام، وقدم لوفد الجنوبيين وكانوا خمسة شيكات بمبالغ مالية كبيرة.
ثم اجتمع بالشماليين، وتحدث معهم نفس الحديث، وعبرعن استعداده للمعاونة في اي مشاريع تساعد على تاكيد التكامل بين الشمال والجنوب.. وتبرع باقامة مسجد كبير في الجنوب كان له الاثر في استفزاز الجنوبيين، وتعرض لكثير من الهجمات والتدمير.
تلك بعض الحكايات التي عاينتها والتي اسس بها القذافي فكره الذي مارسه داخليا وخارجيا، واراه يشيع في منطقتنا بما يؤكد انهم كانوا لا يزالون يعيشون في جلباب القذافي.’ كاتب مصري