أحمد عمرقبل اسبوعين، فوجئنا بشبكة مراسلين شباب للجزيرة تنبت، مثل نبات الحرشوف، نصبتهم الجزيرة من غير حفل، أو مسابقة، في مختلف الأماكن الثائرة في سوريا، والتي لا يجرؤ سوى أبنائها على وطئها، وبزغت أسماؤهم وصورهم على الخريطة السورية مكان المدن. المراسلون متطوعون، أو استشهاديون بالحري، وهم قليلو الخبرة لكنهم كثيرو التضحية، ويفترض أنهم تدربوا عبر التجربة الخاصة، أو عبر التلقين السريع هاتفيا. المراسلون لهم أسماء، وليسوا شهود عيان مجهولون، معرّفون بكنياتهم الحركية، أو مضطرون إلى لثم ووجوههم مثل شيماء البوطي من دمشق، لزوم التقية. لقد مرت سنة كاملة حتى اهتدت الجزيرة، بالحاسة السابعة، إلى هذا الحل الذي فرضته الحاجة.. أم الاختراع وخالة المراسلين وجدة الثورات.
واظب كاتب هذه السطور متابعة مناقشات ‘مفلترة’ للدستور السوري، في فضائيات التبن، كما داومت ‘إحدى المشرعات الدستوريات’، على الالتقاء بشباب مختارين ومنتخبين، على الغالب، في ‘كليبات’ سياسية. وقد سألها احدهم عن معنى نص الدستور: أنّ الانتخاب حق وواجب، وهما نقيضان. فهددت بحسم يوم من أجر العمل، في حال تقاعس الناخب عن حقه ‘المقدس’ كما في بلجيكا التي اقتبس عنها هذا ‘العقاب الراقي’، أما في أمريكا فلا يحق للمواطن ترشيح نفسه إلا بعد إقامة متواصلة مدتها أربعة عشر عاما وهذا يعني أنّ المشرعين الدستوريين كرماء لتهاودهم في المدة التي جعلوها عشر سنوات عجاف. المقارنة، بوعزيزي القارئ، تجري ليس مع أرقى الدساتير العالمية، وإنما مع مواد متفرقة ومختارة منها، على انفراد، وثالثهما الشيطان، مع تجاهل فروقات الدول جغرافيا وتاريخيا وتكوينيا. تمنى كاتب هذه السطور لو تجري مقارنة مع دستور سوريا في عام 1952، أولى بهم فأولى، لكنّ فضائيات التبن تتجنب الماضي و.. الذكريات. وثمت معلومة في منتهى الأهمية وهي أن أمريكا مجتمع مهاجرين والمقارنة ظالمة معها، من جبهتين: الجبهة الأولى هي أن السوري لم يصبح مواطنا حتى الآن، في وطنه، أو انه يوشك أن يصير مواطنا إذا ما استطاع الدستور أن يصبح ‘سيد الوطن’، بعد أن كان لاجئا سياسيا. أما في أمريكا فيكتسب المهاجر حق الجنسية بعد خمس سنوات لا تنقص ساعة، الجبهة الثانية هي أن قسما من السوريين الاصلاء المنفيين طوعا أو كرها، محكومون بالإعدام، أو بالسجن هم وذراريهم، ولا نعرف فيما إذا كان الدستور الجديد قد عفا عنهم.
جرى كما يقول الإعلام السوري – الاستفتاء ‘بنزاهة وشفافية ‘ صحيح إننا سمعنا عن إجبار بعض المارة على الاستفتاء لكن لم ينقل لنا أحد صادقا أو كاذبا، أخبارا عن الاستفتاء بالدم وهذا انجاز تاريخي غير محسوب، لأول مرة منذ الحركة التصحيحية ‘المباركة’! لكن الشعب السوري، مخترع الأبجدية، وصاحب أول برلمان، عربي، ‘طماع’؟! لقد عاش السوريون نصف قرن من غير حقوق مواطنة، غرباء في أوطانهم، وها هم يريدون العيش كسكان سويسرا! ويبدو أن الطريق طويلة إلى المواطنة فإعلاميان سوريان شجاعان صرحا قائلين أن الدستور ليس أكثر من حبر على ورق، وعلى السوري، الذي لم يصبح مواطنا بعد – انتزاع حقه وتحويل الدستور من ورق إلى نمر في بلد تمتلئ بالنمور الأمنية. الدستور سيصبح قانونيا بعد فترة انتقالية ستطول سنتين، حتى يتم إقرار قوانين جديدة بدلا من قوانين ‘حليمة’ القديمة!! سأل المذيع في قناة الدنيا نقيب الصحفيين، صاحب نظرية البشمركة في الدوس والإذلال، في موقعة البيضا، عن ضمانات حماية المواطن، فأخرج الدستور من جيبه، كراسا مكرمشا، تداخل ريشه بعظمه، وقال مطرنبا: الدستور!
تاريخيا، وميثولوجيا، لا يمكن بدء مرحلة جديدة، أو خلق نظام سياسي جديد إلا بالتضحية بكبش بشري كبير، بعفو كبير، بكرم كبير، بانجاز كبير، ببرنامج – على ادنى تقدير في التلفزيون الرسمي يستضاف فيه معارض مثل حسين العودات من هيئة التنسيق، أو حسن عبد العظيم الناصري.. وهو ما لم يتم حتى الآن. وثمت معارضين يزعمون إن تغيير الدستور كان حيلة ذكية و’خبيثة’ للقفز فوق المادة الثامنة، التي لو أسقطت لكان إزراء بالحزب الموقر الذي حصل على ‘عفو’. لم يكن الدستور السابق سيئا. المشكلة التي نظل نكررها هي: كيف يمكن جعل الدستور حاكما على الناس وخادما لهم. كيف يمكن الانتقال بشعب من استوديو الوطن المحكوم ‘ بسيناريو’ إلى شعب محكوم بالقانون.
أغان والحانكانت الأغنية السائدة في سوريا وفضائياتها سابقا هي: أنا سوري واه يا نيالي، أي هنيئا لي: على حزب البعث الاشتراكي، واسترجاع القدس و الجولان، وعزّ بطاقات التموين، والكهرباء، والانترنت، وفزع السفارات للمواطن المغترب، واعداد افروع الامنية التي لا يحدها حصر.. وقد تم استبدالها بأغنية لم تلحن بعد هي: أنا سوري وهذا دستوري. لقد صار لسوريا دستور ‘عصري’، لولا المادة الثالثة التي حمل عليها الجميع، وهي التي تخص دين رئيس الدولة. فالمتصلون كلهم علمانيون أكثر من فولتير. أما المادة التي أعجبت الضيوف فهي التي تخص الأيتام، فالمتصلون عاطفيون يحنون على أبناء الشهداء. يبقى تعريف الشهداء صعبا جدا.
هل هو الميت على جبهة الجغرافيا أم على جبهة الحرية؟
مفارقات فضائيةمن طرائف الفضائيات ومفارقاتها في الأسبوع الفائت أن فيصل القاسم استغل البرنامج الذي جمع وليد الحسين مع شريف شحاته ليفثأ وجعا قديما و يتظاهر مستغلا احد شعارات الموالين، على الهواء. وان عبد الرزاق عيد اعترف اعترافا نبيلا بأنه من جيل الهزيمة، وان حسن الظن به وبجيله المهزوم إفراط في الأمل، كما استمتع المشاهدون بالمباراة الجدلية الذكية بين قدري جميل وجورج صبرة في برنامج مع مارسيل غانم على قناة ال بي سي في رالي سباق البغال: أيهما أسرع: البغال البشرية التي جرت عربة غودو الفرنسي ام البغال التي تجر عربة الاستبداد المرصعة بالوطنية، أما أطرف الشيوخ فهو شيخ حلبي معمم موال للنظام زعم في مسيرة حاشدة أن العناية الإلهية (وهو مصطلح غير اسلامي) معه، وأضاف: وعناية الأنبياء معنا، ولا عناية للأنبياء في الإسلام!! كاتب من كوكب الأرض