ايتها الشعوب الثائرة ان لم تدحروا الثورة المضادة دحرتكم

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي

في مثل هذا اليوم من العام الماضي عبرت قوات ‘درع الجزيرة’ جسر البحرين السعودية في ذروة ثورة الشعب البحراني التي كانت قد انطلقت قبل شهر واحد من ذلك اليوم. كانت تلك القوات في معظمها قوات سعودية تحركت تحت الغطاء المذكور، وبدأت دورها في الانتشار في المناطق الساخنة بالاضافة لحماية قصور العائلة الحاكمة. وبعد عام من ذلك الاجتياح ما تزال التساؤلات تطرح حول العديد من القضايا المثيرة للجدل ذات الصلة بمبدأ السيادة والحدود والعلاقات ضمن منظومة التحالف الخليجي، بالاضافة لمواقف الدول الغربية خصوصا الولايات المتحدة ودورها في الاجتياح السعودي. فلا يمكن النظر للتدخل السعودي بمعزل عما يجري في الجزيرة العربية سواء على صعيد الحراك السياسي المطالب بالتغيير ام على مستوى الاستخلاف خصوصا في ضوء الانباء عن تدهور’صحة الامير نايف بن عبد العزيز، الذي لم يمض على تعيينه لولاية العهد سوى شهور. وفي الصورة الكبرى، يتطلب استيعاب ذلك التدخل قراءته في اطار الثورات العربية التي انطلقت العام الماضي والتي تواجه الآن على كافة الصعدان من قبل قوى الثورة المضادة. وثمة تساؤلات اخرى عن مدى نجاح التدخل السعودي في انهاء التحدي الشعبي لحكم العائلة الخليفية في البحرين، وانعكاسات ذلك التدخل على شعوب دول الخليج الاخرى التي قد تسعى يوما للتحرك السياسي والمطالبة بانظمة ديمقراطية بديلة لما هو قائم من انظمة حكم قبلية. ويوازي السجال حول هذه القضايا اطروحات اخرى حول دور المال النفطي الهائل في صياغة سياسات الدول الغربية من جهة ومواقف المنظمات السياسية والحقوقية الدولية ازاء مشاريع التغيير الديمقراطية من جهة اخرى، وهل ان الانفاق الهائل على مجموعات الضغط وشركات العلاقات العامة قادر على اخفاء واقع المنطقة خصوصا على صعيد منظومات الحكم والعلاقات في ما بين دولها وشعوبها.

في الرابع عشر من فبراير 2011 انطلقت الثورة البحرانية على ايدي شباب يافع اندفع متأثرا بثورتي تونس ومصر، وراغبا في تحقيق تغيير في بلد ما برح يعاني من اشكالات الحكم الوراثي المستعصي على التطوير والاصلاح. فالتوتر السياسي في هذا البلد الخليجي الصغير ليس ظاهرة نادرة الحدوث بل انه حراك يكاد يكون يوميا بدون انقطاع منذ عقود. فسجون ذلك البلد لم تخل يوما من المعتقلين السياسيين منذ منتصف الخمسينات. كما ان اجهزة امنها تدار منذ قرن من الزمان من قبل ضباط بريطانيين بدون انقطاع. فمنذ ان اصبحت تدار من قبل حكومة الهند بوزارة الخارجية البريطانية في منتصف القرن التاسع عشر كان المعتمد السياسي البريطاني يمارس دوره كحاكم فعلي للبلاد. وتعمق التدخل البريطاني بعد استقدام تشارلز بلجريف في 1926 كمستشار مالي للحاكم، اصبح بمرور الوقت الحاكم الفعلي للبلاد. وكان رحيله مطلبا اساسيا للانتفاضة الوطنية في منتصف الخمسينات، وبعد رحيله جيء بضباط آخرين من بينهم شور وسميث اللذان توليا ادارة الشرطة والتعاطي مع العناصر السياسية المعارضة. وكان استقدام ايان هندرسون في 1966 خطوة لضمان الهيمنة البريطانية على البحرين بعد الانسحاب من المنطقة في 1971. وبعد الانتفاضة الشعبية في التسعينات استقدم آخرون من بينهم المحامي البريطاني ديفيد جامب كمستشار قانوني لوزارة الداخلية. وطوال هذه الفترات كان التعذيب هو لغة التعامل مع المعارضين في المعتقلات، واشتهر هندرسون بانه مهندس التعذيب في البحرين حتى تقاعده قبل عشرة اعوام. وحتى بعد انطلاق الثورة لم يتراجع التدخل الغربي في ادارة اجهزة الامن والشرطة. وقبل بضعة شهور استقدمت العائلة الحاكمة ضابطين، الامريكي جون تيموني الذي وصفته صحيفة ‘ميامي نيو تايمز’ في 2007 بانه ‘أسوأ شرطي في امريكا’، وجون ييتس الذي يقدم هذه الايام شهادته امام لجنة تحقيق في قضية التنصت على الهواتف المرتبطة بصحيفة ‘نيوز اوف ذا وورلد’ التي كانت تابعة لامبراطورية روبرت مردوخ. هذه التركة البريطانية الثقيلة من اجهزة الامن والاستخبارات كانت احد العوامل التي دفعت شباب البحرين للثورة العام الماضي، وهي الثورة الكبرى في تاريخ البحرين المعاصر. وشهدت البلاد تظاهرات يومية انطلقت من دوار اللؤلؤة على مدى شهر كامل، اتسمت بالانضباط والتحضر وقوة الموقف كذلك. كان مشهد شعب خليجي يثور على غرار ما فعله شعبا تونس ومصر اللذان اطاحا برئيسيهما مظهرا مقلقا جدا لعائلات حاكمة اعتادت الحكم المطلق المؤسس على الموروث القبلي في انماط الادارة. باكورة الثورات فاجأت قوى الثورة المضادة فلم تستطع التصدي لها ابتداء، ولكنها ما لبثت ان تحركت على وجه السرعة لاحتواء آثارها’ومنع انتشارها. لا شك ان ثورة تونس كانت ذات قيمة معنوية كبيرة لشعوب خضعت للتخدير عقودا. فكانت انطلاقتها تمردا على واقع سيىء وايذانا بعهد جديد من التغيير والتحرر. واعقبتها ثورة مصر التي كانت تنطوي على مخاطر اكبر للنظام السياسي العربي الذي جثم على صدور الجماهير عقودا. وبرغم اهمية تلك الثورتين، ولكن من وجهة النظر السعودية فان ثورة البحرين لها معنى آخر، فهي عنوان لتمرد على منظومة سعت الرياض على مدى ثلاثين عاما للحفاظ عليها في اطار مجلس التعاون الخليجي. ذلك الكيان انما تأسس لتوفير حماية للعائلات الحاكمة التي كانت تخشى من وصول لهب ثورة ايران الى حدودها. تأسس المجلس في ذروة الحرب العراقية الايرانية ليوفر درعا للمشيخات الخليجية وليشعر عائلاتها الحاكمة بقدر من الامن الذي يوفره التضامن الخليجي. وقد تعاونت حكومات دول مجلس التعاون امنيا برغم عدم اتفاقها على ما سمي ‘الاستراتيجية الامنية’ او ‘الاستراتيجية العسكرية’. فقد تم تسليم مواطنين بحرانيين من دول مجلس التعاون الى الحكومة البحرينية مرارا، وما تزال قوائم الممنوعين من البحرانيين معمولا بها في بقية الدول. هذا الترابط الامني لم يوقف حركة النضال الوطني في البحرين التي استمرت عقودا بمشاركة كافة الفصائل الوطنية على اختلاف انتماءاتها الايديولوجية والمذهبية. ومن المؤكد ان التعاون الامني يساهم في تحجيم التحديات الامنية لهذه الحكومات، ولكن ما يقلقها بشكل اكبر ظاهرة الحراك الشعبي خصوصا اذا كان باهداف وطنية ومطالب واضحة، كما هي ثورة شعب البحرين. اعتبرت الرياض تلك الثورة تهديدا استراتيجيا للعائلة المالكة السعودية يتربص بها من الشرق. وفي الوقت نفسه اعتبرت الثورة في اليمن تهديدا للنظام السعودي من الجنوب، كما اعتبرت ان ثورة مصر في الغرب، فيما لو انتصرت، ستكون تهديدا من الغرب. ولذلك’عملت، بالتنسيق مع الولايات المتحدة بشكل خاص لمواجهة هذه الثورات جميعا. في 12 مارس 2011 قام وزير الدفاع الامريكي السابق، روبرت غيتس بزيارة الى البحرين والتقى الحاكم ونجله لينقل اليهما الدعم الامريكي في مقابل الثورة الشعبية. وفي غضون أقل من 48 ساعة كانت الدبابات والمدرعات السعودية تعبر الجسر بينما كان جنودها يرفعون شارات النصر. وبرغم ان الامريكيين حاولوا ايهام الكثيرين بانهم لم يكونوا على علم بالخطوة السعودية، الا ان احدا لا يصدق ذلك، فالسعودية لا تستطيع ان تتخذ خطوة كهذه بدون موافقة امريكية صريحة، لان ذلك اختراق لحدود دولية معترف بها وتهديد لشعب أعزل لم يرتكب جرما. فواشنطن والرياض هما اللتان اتخذتا قرار الحرب ضد القوات العراقية التي اجتاحت الكويت في 1990، بدعوى انها اخترقت الحدود واستهدفت سيادة ذلك البلد. الغربيون يقولون ان الغزو السعودي جاء بناء على امرين: اولهما طلب حكومة البحرين من السعودية بشكل مباشر التدخل لانقاذ الوضع، ثانيهما: ان ميثاق مجلس التعاون الخليجي ينص على ضرورة تقديم الدعم لاية دولة خليجية اذا تعرضت لتهديد خارجي. وهنا تجدر الاشارة الى ان الغربيين وقفوا ضد التدخل السوفياتي لافغانستان في 1980 برغم انه جاء بناء على طلب من الرئيس الافغاني آنذاك، بابراك كارمل، ودعموا مجموعات ‘المجاهدين’ على مدى ثمانية اعوام. وقبل ذلك دعم الغربيون جهود مواجهة التدخل السوفياتي في تشيكوسلوفاكيا في 1968 وفي المجر لقمع ربيع براغ في 1956، وكلا التدخلين جاءا بطلب من حكومتي البلدين. الغرب لم يعترف بذلك الطلب واعتبر التدخل السوفياتي غير مشروع. والشعب البحراني لم يطلب التدخل السعودي الذي جاء لقمع ثورته وليس لدعم تطلعاته. اما التدخل وفق نصوص ميثاق العمل الخليجي المشترك، فقد ثبت عدم وجود تدخل خارجي يستدعي التدخل السعودي. والملاحظ ان المسؤوليين الحكوميين تحدثوا بوضوح قبل الاجتياح السعودي بان ايران ليس لها دور في الثورة، ولكن سرعان ما تغيرت تصريحاتهم بعد ذلك واصبحوا يتحدثون عن استهداف ايراني للبحرين. ثم جاء تقرير لجنة التحقيق المستقلة برئاسة شريف بسيوني، التي اكدت عدم وجود ادلة على دور ايراني في ما جرى.

في ضوء هذه المعطيات كان على القوات السعودية الانسحاب الفوري من البحرين لعدم وجود مبرر لتدخلها بعد اسقاط مقولة التدخل الايراني. ولكن الحكومتين لم تفعلا ذلك، ولم تتخذ واشنطن اية خطوة لاجبار القوات السعودية على الانسحاب. هذا برغم ان التدخل السعودي لم ينجح في كسر شوكة المحتجين الذين استمروا في حراكهم المتواصل الذي بلغ ذروته الجمعة الماضية عندما شارك اكثر من ثلث سكان البلاد في اكبر تظاهرة شهدتها البلاد في تاريخها. السعودية تشعر ان تدخلها في البحرين كان ضروريا لردع اي شعب خليجي’آخر عن التحرك على طريق الاصلاح، وان هذا الاصلاح خيار امام الحكومات، تطرحه متى شاءت، بعيدا عن اهتمامات العالم. وكان للصمت الدولي عن التدخل السعودي انعكاساته السلبية على الرأي العام العالمي الذي كرر اعتراضه على ازدواجية السياسة الغربية وعدم حماسه لثورة البحرين. وبعد الاعتراضات الواسعة على التدخل السعودي بدون وجود مبرر قانوني لذك وفقا لميثاق مجلس التعاون الخليجي، طرح السعوديون امرين: اولهما اقامة اتحاد كونفيدرالي يضم دول المجلس الست، ولكن اصبح واضحا ان ايا من دول الخليج الاخرى لا تريد ان تكون تحت مظلة الحكم السعودي. وحتى هذه اللحظة لم يحظ هذا الاقتراح بموافقة اي من الدول الاعضاء. الثاني طرحت السعودية مشروع التوحد مع البحرين، الامر الذي اعترض عليه البحرانيون، اذ كيف يتوحد بلد محتل مع بلد آخر يمارس ذلك الاحتلال؟ وكيف يمكن التحاور مع الدبابات والمصفحات حول شأن مدني؟ وفي القمة الاخيرة لدول مجلس التعاون في ديسمبر الماضي جاء في البيان الختامي تغيير لمنطوق المادة التي تنص على تقديم الدعم لحكومة البحرين.. ورحب الزعماء في في ذلك البيان بالعائلة الحاكمة في البحرين ‘مؤكدين دعمهم الكامل للمملكة والوقوف صفا واحدا في مواجهة أي خطر تتعرض له أي دولة من دول المجلس وأن مسؤولية المحافظة على الأمن والاستقرار هي مسؤولية جماعية بناء على مبدأ الأمن الجماعي’ وهنا يلاحظ استعمال مصطلح ‘مواجهة اي خطر تتعرض له اي من دوله’ لتوسيع دائرة التدخل السعودي في شؤون بقية الدول. جاء ذلك بعد ان تمت تعرية التدخل السعودي وانه تم بدون ارضية قانونية.

ان مبدأ التدخل الخارجي لقمع الثورات الشعبية خطير جدا، فهو يكشف الشعوب المطالبة بالتغيير لمخاطر خارجية، ويقوي مواقف الانظمة الاستبدادية المتحالفة في ما بينها. واذا أقر تدخل السعودية في البحرين فسوف يكون ذلك مبررا لتدخلها في اية دولة خليجية اخرى ينتفض شعبها من اجل الحرية والديمقراطية. كما ان السعودية اليوم تتصدر قوى الثورة المضادة وتستهدف بقية الثورات لمنع التحول الديمقراطي المنشود من قبل الشعوب الثائرة. فبالاضافة لقمع الثورة في البحرين قمعت الثورة اليمنية وتم التحايل على مطالب الشعب وكرر سيناريو التغيير في مصر، بازاحة شخص علي عبد الله صالح مع الابقاء على نظامه ضمن مبدأ ‘التغيير الموجه’، كما ازيح حسني مبارك وتم الابقاء على نظامه، فاصبح العسكر هم الذين يحكمون مصر اليوم بدلا من حكم الشعب. وحتى اذا اجريت الانتخابات الرئاسية فما يزال الجيش يصر على ان يقبل اي مرشح للانتخابات الرئاسية بشروط الجيش التي تضمن بقاءه لاعبا اساسيا في النظام. الامر الذي اثبتته ثورة البحرين انها بقيت وفية لمطالبها الوطنية، بعيدا عن الطائفية او الحزبية، وانها استطاعت البقاء والاستمرار برغم التواطؤ الانكلو امريكي الداعم للتدخل السعودي، وبقيت وفية لمبادئها وقيمها ولم تساوم عليها، وحافظت على قداسة قضايا الامة في تصورات قادتها ونهجهم، ومن ذلك قضية فلسطين ورفض الاحتلال الصهيوني وعدم الانصياع لضغوط قوى الثورة المضادة. الامريكيون بذلوا وما يزالون يبذلون جهودا لاجبار المجموعات السياسية على القبول بحلول شكلية، ولكن شباب الثورة يصر على نقاء ثورته واهدافها. التدخل السعودي’في شؤون البلدان الاخرى كارثة ليس على ثورة البحرين فحسب، بل على ثورات الربيع العربي كافة وعلى وحدة الامة ومدى استعدادها للتصدي للاستبداد والطغيان والاحتلال. وان من اخطر الظواهر الوقوع في فخ الدعاية المدفوعة الثمن، ففي ذلك هلاك الشعوب وثوراتها وضياع حقوقها واهدافها. ‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية