علي بيانعام 2011، كان عام الميادين العربية بإمتياز، حيث نزلت الجماهير العربية إليها، مطالبة بالإصلاح هنا، وبالتغيير هناك، ولم تكد أيام هذا العام تطوى، حتى كانت الصورة السياسية تنجلي عن تغيير سلطوي في أربعة نظم عربية وأن بمواصفات مختلفة.
هذه الميادين التي صدحت فيها أصوات المطالبين بالتغيير، ما تزال تشهد حراكاً بدوافع مختلفة. بعض هذا الحراك يستمر في تعبيراته المختلفة للحاق بركب التغيير كحد أعلى، أو الإصلاح كحد أدنى، وبعضها يستأنف حضوره، لإعادة تصويب المسار السياسي، بعدما شعرت الجماهير المنتفضة ان محاولات تجري للالتفاف على مطالبها، ان من قوى داخلية، وأن من قوى خارجية. وهذا ما يجعل المشهد السياسي العربي مفتوحاً على كل الاحتمالات. ولهذا تجد القوى السياسية والشعبية نفسها في حالة تأهب، وحضور يمتاز بدينامية غير مسبوقة في معطى الوضع العربي طيلة الحقبة السابقة للانتفاضات.
ولهذا فإنه بعد عام على انطلاق الانتفاضات الشعبية العربية، فإن التشخيص الموضوعي يدفع للقول، بأن الحراك الشعبي ما زال في مرحلة مخاض، وأن الولادات السياسية التي حصلت حتى الآن، هي في بداية المسار، بانتظار أن تتم إعادة الهيكلية السياسية للمجتمعات العربية التي شهدت تلك الولادات. وإذا كانت البدايات الأولية للمظهرية السياسية التي برزت حتى الآن في مصر وتونس، قد أسفرت عن تصدر قوى الإسلام السياسي للمشهد السياسي، فهذا ليس ناتجاً عن كون هذه القوى هي الأكثر شعبية، بل لأنها الأكثر تنظيمياً، والأكثر امتلاكاً للإمكانات والخبرة فضلاً عن استفادتها من حالة التدين العام في المجتمع العربي. وأنه عندما تتم إعادة هيكلية الحياة السياسية، وتعيد القوى الوطنية والديموقراطية تنظيم صفوفها وأوضاعها، فإن الصورة السياسية سوف تتغير حكماً، لأن الساحة لا تعود واقعة تحت تأثير القوى التي استفادت من الغياب التنظيمي والتأطيري للقوى الوطنية والديموقراطية.
هذا في الجانب الداخلي، أما في جانب التعامل مع الخارج، فإن منطقة، كالمنطقة العربية ذات التميز الخاص بالموقع، والأهمية والامكانات هي منطقة مفتوحة دائماً على شهية القوى الإقليمية والدولية التي تعمل للتدخل، تأميناً لمصالحها وأهدافها.
ولهذا، فإن هذه القوى، تجد فرصها للتدخل، كلما وجدت قوى داخلية تسعى للاستقواء بها، وكلما كانت المواقع العربية مفرغة من مشروعها الوطني ذي الأبعاد القومية.
من هنا، فإن الذي يحد من تأثيرات هذه القوى الخارجية إقليمية كانت أم دولية، هو توفير حالة امتلاء سياسي داخلي، وحضور مؤثر وفعال لقوى المشروع الوطني القومي ذي المضماين الديموقراطية وهنا تكمن مسؤولية القوى الوطنية على مختلف أطيافها وأطرافها، في العمل لأجل تحقيق حالة الامتلاء الوطني والذي لن يحصل إلا بوجود فاعل على الأرض وبين الجماهير التي تحتاج إلى توفير العامل الجاذب، كي تستطيع من خلاله تأدية دورها وتصويب دوار حركها بالاتجاه الذي يخدم أهدافها في التغيير الوطني والديموقراطي.
هذا في المواقع التي استطاع فيها انطلاق الحراك الشعبي أن يفتح كوة في جدار النظم ويساهم في حصول ولادات سياسية، بعضها ما يزال ملتبساً في تكوينه بسبب تداخل تأثيرات الخارج مع معطى الوضع الداخلي.
اما المواقع التي تشهد استمرارية هذا الحراك الشعبي، مع تعثر في ولادة الحلول السياسية التي تلبي المطالب الشعبية من جهة، وتصون المقومات الأساسية للمكون الوطني من جهة أخرى، فإن الأزمات في هذه المواقع تندفع إلى مدارات جديدة لعدم حصول التقاطع الإيجابي عند نقطة التلاقي الوطني. وهذا ما يدلل بأن المخاض عسير، والولادة لن تكون سهلة، والنزف يؤثر على الجميع، نظراً لارتفاع فاتورة التكلفة البشرية والاقتصادية والسياسية.
من هنا، فإن الولادة الطبيعية للحل السياسي لأزمة اتخذت أبعاداً متعدد الأوجه، لا تكون باستدرار تدخل من هنا، أو من هناك، ولا باستقواء من هنا أو من هناك. بل بالاعتراف أولاً، بأن ثمة أزمة قوية باتت أشبه بالزلزال الذي تصيب هزاته الارتدادية الجميع دون استثناء.
إن القاعدة أو المبدأ الذي يؤكد بأن من يكون طرفاً في الأزمة يكون طرفاً في الحل، يوجب ان ينطلق أطراف الأزمة أولاً من الاعتراف المتبادل، بحيث يصبح أي اتفاق بينهما شرعة سياسية، يفرض على الجميع التعامل معها بأنها الشرعة الوطنية، والتي بالاستناد إليها يتم التعامل معها من الخارج واستقبال أي دعم أو تغطية أو مساعدة في الاتجاه الإيجابي لها.
أما إذا لم يتم الاعتراف المتبادل وبقي الأنكار المتبادل هو لغة التخاطب، فإن الأمور تزداد تعقيداً، والأزمة تصبح مفتوحة على أكثر الاحتمالات خطورة.
نسوق هذا الكلام لنقول، أن انعدام قدرة أطراف الأزمة الأساسيين على وضع ركائز داخلية للحل السياسي، يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، مع يترتب على ذلك من استنزاف سياسي واقتصادي وتكلفة بشرية. والأكثر خطورة هو أن انسداد أفاق الحلول السياسية، سيدفع أطراف الأزمة إلى خيارات أخرى، وأولها إطلالاً هو الخيار الأمني. وإذا كانت الأزمة بتعبيرتها السياسية تفترض وجود طرفين، فإن الأزمة بتعبيراتها الأمنية تفترض أيضاً طرفين من موقع الفعل ورد الفعل.
وعندما يبدأ العمل بأسلوب الحل الأمني لمعالجة أزمة سياسية، فهذا تدليل على حجم المأزق الذي وصلت إليه آليات العمل السياسي، وبالتالي فإن هذا التطور النوعي في قواعد الاشتباك لا يشكل حلاً لأزمة، هي سياسية بامتياز.
إنه من الثابت، أن الحلول الأمنية، ما كانت يوماً لتشكل حلاً لأزمة داخلية، خاصة إذا كانت المسألة الديموقراطية هي العنوان الأبرز للحراك الشعبي، وأنه بغض النظر عن حيثيات وتبريرات طرفي الأزمة، فإن الحل الأمني الذي تعتمده السلطة، هو حل سلطوي، والحل الذي تلجأ إليه قوى الاعتراض الشعبي، يؤدي إلى عسكرة هذا الاعتراض، وبالتالي فهو ليس ديموقراطياً سواء مارسته السلطة اوالمعارضة.
من هنا فإن الحلول الأمنية ما كانت يوماً مطلباً جماهيرياً، بل العكس هو الصحيح، إذ أن أول من يكتوي بنار هذه الحلول هي الجماهير سواء كانت محسوبة على هذا الجانب أو ذاك. وعليه أن من يفكر باجتراح الحل السياسي على قاعدة الحل الأمني، يكون مخطئاً في التقييم، ومخطئاً في الأداء، لأن العنف يستولد عنفاً والدم يستولد دماً، والأزمة التي لا تسلك طريقها للحل عبر الآليات السياسية تؤسس لأزمة أكثر تعقيداً، وعندها سيكتشف الذين قمعوا الحراك الشعبي أو الذين دفعوا باتجاه عسكرته أنهم أنزلقوا إلى آتون صراع ستفتح فيه مسالك لتدخلات الخارج.
إن الحل السياسي، انطلاقاً من الرؤية الوطنية والمصلحة القومية وأمن الجماهير الاجتماعي يتطلب تقديم تنازلات متقابلة، وهذه التنازلات لا تكون لمصلحة فريق ضد آخر، بل لمصلحة المكون الوطني الذي إذا ما سقط، فلن تبقى هناك سلطة، ولا معارضة. إنها نقطة التقاطع السياسي بين أطراف أزمة يفترض فيهم أن يضعوا المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار ولو اقتضى الأمرتقديم ما يمكن اعتباره تضحيات شخصية.’ ناشط سياسي سوري