حازم مقدادي تشكل المصائر المجهولة التي تتجه لها دولٌ إجتاحتها ثورات الشعوب العربية أو تلك التي ما زالت شعوبها مرتابة ومتربصة بأنظمتها، تشكل هاجسا مقلقا وفزاعة تعرقل مسيرة الثورات التي إندلعت أو تلك التي باتت وشيكة. إذ ما زال الطغاة يُذَكِّرُون شعوبهم بنِعَم الأمن التي تسود بلدانهم وما إنفكوا يحثونهم على مقارنة واقعهــــم المُرّ بواقع أكثـــــر مرارة ســيؤولون إليه إذا ما إتبعوا سُنَّة الشــــعوب التي آثرت مخاطر المجهول على نِعَمِ الواقع الآمن وإن كان ذاك الواقع مُذِلّا. وفي دول كرّست كل الإمكانات لإختصار الأوطان ومنجزات الشعوب بشخص فريد فَرْدٍ لا مثيل له ولا غنى للوطــــن والرعيــــة عنه، وعمدت إلى إثقال المواطن بكل أعباء ومتطلــبات العيش بما تبقى من كرامة، يصبح الحلم تَرَفَاً لا قِبَلَ للرعية به، خصوصا إذا ما أيقظ ذاك الحلم أمل الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية. إن النظرية البالية عن الأمن والأمان التي توظفها الطُّغَمُ الحاكمة وأبواقها لا تعني ولا بأي حال من الأحوال أمن الوطن والمواطن، بل هي أمن الطغاة وزبانيتهم، ذاك الأمن الموجه نحو الشعوب المغلوبة والمقهورة والتي كانت ولا زالت بحاجة لمن يحميها ويُجنبها ويلات النظام وبطش سَدَنَتِهِ. فلا أمن لمن يُعَبِّرُ عن رأيٍ مخالف لرُؤية سيّد البلاد والعباد، ولا أمان لمن يبث الوعي بين أبناء جِلْدَتِهِ من شعبه المضطهد والمغلوب على أمره، ولا كرامة لأولئك الذين يكشفون الفساد والإفساد الذي تمارسه طُفَيْلِيَّات الحُكَّام. فنرى كيف أخذت الأنظمة الآيلة للسقوط بتوجيه الأنظار نحو تلك البقاع من الوطن العربي التي تعاني من إرهاصات ما بعد الثورة أو تلك التي ما زالت تكابد مشاق وويلات الطريق نحو الحرية والديمقراطية.
فالدول التي بلغت في عصرنا هذا ما بلغته من قوة ومَنَعَةٍ على الصُّعُدِ العلمية والإجتماعية والإقتصادية، ما كان لها أن تبلغها لولا تكريسها للحريات بمختلف أشكالها، وإيمانها العميق بمفهوم تعدد الأطياف والتداول الديمقراطي للسلطة عبر أنظمة تعددية وديمقراطية للمواطن البسيط فيها السلطة العليا والحرية المطلقة المحكومة بقوانين تعزز تلك الحريات وعدالة ممارستها. غير أن هذا الإنجاز الديمقراطي في تلك الدول لم يتحقق إلا بعد أن آمنت شعوبها بِنَفْسِهِا وبواجبها تجاه الأجيال القادمة والتاريخ، فأخذت على عاتقها في مرحلة من المراحل مسؤولية التغيير والحفاظ على الأوطان من التحاصص والتآكل. وليس أدلُّ على ذلك مما شهدته دولٌ عدة في أوروبا أواخر حقبة العصور الوسطى، كفرنسا وبريطانيا والنمسا وغيرها. وتشكل الثورة الفرنسية، في إطار ثورات الشعوب، تجربة محورية لابد من التوقف عندها طويلا بالتحليل والفهم لإسقاطها على الواقع العربي الراهن.
إذ يُشكل قيام الثورة الفرنسية في أخريات القرن الثامن عشر الميلادي نقطة التحول الأولى من حقبة العصور الوسطى والتوجه نحو العصر الحديث في أوروبا، عصر كان للشعوب فيه الكلمة الفيصل في كل أمر عظيم، يُدْلِي بها عبر القنوات الدستورية التي أنتجتها التجربة الديمقراطية في تلك الدول. فكانت تلك الثورة هي السبيل الذي أفضى إلى فرنسا اليوم بكل ما لها من قوة وحضارة وحرية. غير أن الطريق لم يكن ممهدا وسلسا كما تُعَبِّر عنه هذه الكلمات، إذ يستذكر المؤرخون حجم الصعاب والدماء والتحديات التي واجهت تلك الثورة الشعبية، على الصعيدين الداخلي والخارجي. فكان على الثورة أن تتحمل الإرث الثقيل من العهد الملكي البائد الذي تخللته صراعات مع ممالك أخرى كبريطانيا والنمسا، ناهيك عن الحرب الأهلية التي ألقت بظلالها على البلاد إبان الأعوام الأولى لإندلاع تلك الثورة المباركة، ما أدى إلى ظهور الكثير من أولئك الذين شككوا بجدوى الثورة، بل وذهبوا نحو الإنتصار للعهد الملكي والتأكيد على أفضليته لما كان يحققه من إستقرار، بل والتشكيك في قدرة الشعب الفرنسي على إدارة الدولة وإفراز قيادات مؤهلة لإمساك زمام الأمور في البلاد على إعتـــبار أن النظام الساقط هو الوحيد الذي كان قادرا على تجديد نفسه وتجديد قياداته بينما يعاني الشعب الفرنسي من العقم وإنعدام الرُّشد واليوم وبعد أكثر من قرنين، لا يختلف إثنان على صواب تلك الثورة وأهميتها، بل وأثرها الكبير في إحداث التحول الديمقراطي والإجتماعي ليس في فرنسا وأوروبا فحسب، بل في كل أنحاء العالم، بينما ذهبت نظريات التشكيك والإحباط التي أطلقها أعدؤها من زبانية النظام المنخلع وقوى الرجعية، ذهبت أدراج الرياح هي وعرابوها. وما أشبه اليوم بالأمس ونحن نرى النسخة العربية من أولئك البائسين يُطِلُّون على الشعوب المتململة لإقناعها بالشكر والرضى وهم يؤكدون لهم أن طغاتهم أكثر رحمة من طغاة غيرهم، وأن الثورات لن تقودهم إلا إلى ما هو أسوأ. ومن المؤسف هنا أن نرى الكثير من أبناء الشعوب العربية التي تدرك حجم الظلم والفساد والتخلف الذي تعانيه بلدانهم جراء سياسيات الإستبداد والتفرد والتوريث التي كرستها الأنظمة العنكبوتية الجاثمة منذ حين على صدور العباد، وقد بدؤوا بالتأثر بهذه الأبواق التي تتسلح بما يجري في الدول الثائرة من إضرابات، وحالهم يؤكد ما دأب البعض على قوله: ‘إن الدرس الذي يتعلمه الإنسان من التاريخ، هو أن الإنسان لا يتعلم من التاريخ’. نعم، إن قيام ثورة ضد طاغية ما لا يعني أبدا أن دولة ديمقراطية يسودها القــــانون سترى النور في اليوم التالي لإندلاع الثورة تلك، ولا يعني أن مجتمعا تسوده العدالة والحرية ويعُمُّه الأمان وتكافؤ الفرص سيحل محل المجتمع المتخلف والمتآكل خلال ساعات فقط بعد سقوط ذاك الطاغية الذي إفتعله، ففي حين أن عملية التحول الدستوري يمكن إنجازها في أقل من عام، تتطلب عملية التحول الإجتمــاعي والسياسي عقودا بل وأجيالا متعاقــــبة على التجربة الديمقراطية والمفاهيم التعديية، حتى تؤتي الثورة الشعبية ثمارها وترسي دعائمها، فقيام الثورة يعني بالضرورة أن التوجه نحو مستقبل أفضل قد بدأ، وأن حدا فاصلا بين الظلم والحرية قد إنتصب وإلى الأبد.
إن نظرية الربح السريع التي تحاول أبواق الأنظمة المتساقطة ترويجها بين شعوبها ما هي إلا وسيلة لإحباط تلك الشعوب وتضليلها وإجهاض عزيمتها، فمما لا شك به أن الثورات الشعبية في أي مكان أو زمان تشكل ولادة جديدة لمجتمع جديد وأجيال حرة، ولكل ولادة آلامها، غير أن محصلة التغيير برغم أوجاعها هي بكل تأكيد أفضل من القنوط والسقوط في فخ الخوف من المجهول والوهم. ‘ كاتب اردني مقيم في امريكا