العناد اللبناني

حجم الخط
0

العناد اللبناني

محمد كريشانالعناد اللبنانيأجواء التوتر والصدامات بين أنصار السلطة والمعارضة التي حصلت في الشوارع اللبنانية يوم أمس هي بالضبط ما كان كثيرون يحذرون منه منذ أيام، فالنزول إلي الشارع شيء والتحكم في تقلباته اللاحقة شيء آخر مختلف تماما، خاصة عندما تطلق النيران من هذه الجهة أو تلك ويسقط قتلي وجرحي ويعتقل آخرون، وكذلك عندما يقدم بعضهم قطع الطرق علي أنه ببساطة رد علي قطع السلطة طرق الخروج من المأزق الحالي.منذ البداية كانت الإشكالية هي مدي إمكانية التوفيق بين حق المعارضة في التظاهر والإضراب العام وبين حق من يختلف معها في التنقل من منطقة إلي أخري والالتحاق بعمله إن لم يكن راغبا أو مقتنعا بالإضراب الذي دعت إليه المعارضة لاسيما وأن كل طرف يبدو مستميتا في التمسك بموقفه ويريد أن يقدم الحقيقة التي لديه علي أنها كامل الحقيقة، مما دعا مثلا البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله صفير إلي انتقاد تشبث كل من الموالاة والمعارضة بموقفيهما سواء أكان صوابا أم خطأ فيما البلد يتفتت ويذوب والناس كادوا يكفرون به وبالمسؤولين عن مقدراته مع إشارة كثير من المعلقين اللبنانيين، وقد بات كلهم بالمناسبة مصنفين تقريبا مع هذا المعسكر أو ذاك، إلي أن ما يجري في لبنان حاليا هو أوسع تحرك شعبي احتجاجي علي الحكومة وسط انتشار أمني وعسكري هو الأوسع في تاريخ لبنان التي تبدو للمرة الأولي أمام خطر المواجهة الشاملة بين فريقين يمثل كل منهما وجهة نظر في مستقبل البلاد، وفق التعبير الذي اختارته جريدة الأخبار اللبنانية اليومية قبل أن يضيف أحد أبرز كتابها بأنه لن ينتهي يوم الثلاثاء إلا وقد ازداد الشرخ الوطني وتعمق وامتد إلي قطاعات جديدة بينها الهيئات الاقتصادية والاجتماعية والأهلية. المفارقة الغريبة حاليا أن كلا الفريقين المتصارعين الآن لا يتركان فرصة إلا ويلحان فيها علي أن لبنان لا يحكم إلا بالتوافق وأن لا أحد قادرا علي إقصاء الآخر أو هزمه فيما يتصرفان عكس ذلك حيث أن كل تصريحاتهما الأخري لا تعني شيئا سوي أن كلا منهما يعتقد أنه الوصي الأمين الأوحد علي مصلحة البلاد العليا وأن الآخر لا يعدو أن يكون ملحقا بحسابات إقليمية أو دولية تضحي بالوطن كله لمصلحة هذه الحسابات. ما يجري تجاوز بكثير مرحلة اختلاف الرأي والتنافس الديمقراطي ودخل مرحلة عناد لا أفق لها وفي هذا يستوي الطرفان رغم أن كليهما يتغني بالعكس. وفيما يزعم كل طرف أنه الأحرص من البقية علي ضمان استقلال البلد فإن مجريات الأمور لا يمكن لها في النهاية سوي مزيد من تعبيد الطريق لعودة مختلف أنواع الوساطات وحتي الوصايات، المعلن منها والمخفي، القديم والجديد، لأنه عندما تبدي الأطراف اللبنانية كلها هذا القدر من العناد والمكابرة وزعم احتكار كامل الحقيقة والصواب ونفي ذلك بالمطلق عن الآخر لا يصبح المجال مفتوحا إلا لتدخلات أجنبية ليست كلها بالضرورة منزهة عن أهواء في هذا الاتجاه أو ذاك، خاصة وأن الشرخ الذي قسم اللبنانيين بهذا الشكل القائم حاليا لم يترك مجالا لمساعي خيرة من حكماء محليين لأن الكل تقريبا تخندق هنا أو هناك وأخذت الكل العزة بالرأي مما سيصعّب نزول أي منهما من الشجرة التي تسلقها طوال هذه الأشهر بحيث يخشي ألا يبقي لأحدهما أو كليهما من مخرج سوي السقوط من هذه الشجرة الشاهقة قريبا أو بعد لأي إضافي. كل الأمل الآن أن تكون رضوض هذا السقوط بسيطة وممكنة الشفاء.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية