الجولة انتهت.. المعركة مستمرة

حجم الخط
0

القطاع لا يزال برميل بارود وفي الجولة القادمة اذا كانت اوسع واشمل فسيكون دم كثير هنا واكثر هناكيوآف ليمورخلف كواليس جولة القتال الاخيرة في الجنوب دار في اسرائيل الجدال: الى أي حد، اذا كان ينبغي على الاطلاق، تعميق القتال في غزة. أمام أصحاب القرار كانت ظاهرا ثلاث امكانيات. الاولى الاكتفاء بما تم والسعي الى انهاء سريع للمواجهة؛ الثانية استغلال الزخم والمس ببضعة اهداف هامة اخرى، حتى بثمن تصعيد المناوشات؛ والثالثة الدخول في حملة واسعة تضرب البنية التحتية للارهاب والتي بنيت في القطاع. الامكانية الثالثة استبعدت على الفور. على الورق الخطط كانت جاهزة، ولكن لم توصي أي جهة أمنية بتنفيذها ولم تفكر أي جهة سياسية فيها بجدية؛ لم يكن لاحد في اسرائيل رغبة في الخروج في مغامرة معقدة في غزة، نهايتها غير معروفة. مثل هذه الحملة، كان واضحا ستكلف دما كثيرا على جانب الجدار، ستؤدي الى نار كثيفة من الصواريخ حتى على غوش دان، ستجر انتقادا دوليا شديدا على اسرائيل وستصرف الانتباه والطاقة عن الجهد الاساس التهديد النووي الايراني. الخيار الثاني كان مغريا أكثر. في السنوات الثلاث الماضية منذ حملة رصاص مصبوب يجري في غزة سباق تسلح غير مسبوق. بتمويل وتوجيه ايراني تتدفق الى القطاع جملة من الوسائل القتالية والخبراء الذين يعملون على رفع مستوى القدرة العسكرية لعموم منظمات الارهاب. رغم نشاط اسرائيل في البحر الاحمر والبحر المتوسط، فان طوفان التهريب الى القطاع لم يتوقف بل تعاظم؛ انهيار الحكم المركزي في القاهرة سمح بنقل مسار التهريب من 500 نفق (!) محفورة تحت محور فيلادلفيا الى ما فوق الارض. للسلاح الذي يتدفق من طهران انضم ايضا سلاح تم شراؤه وسرقته من مخازن الجيش في ليبيا، في جزء منه سلاح تعتبره اسرائيل ‘محطم للتعادل’. في المخابرات والجيش الاسرائيلي يتابعون بقلق هذا التعاظم، الذي يتراكم سرا كل السنة ويرمي الى ردع اسرائيل ووضع ميزان رعب امامها في الشكل الذي يوجد مع حزب الله في الشمال. رئيس الاركان ورئيس المخابرات (بتشجيع من قائد المنطقة الجنوبية ورئيس المجال الجنوبي في المخابرات) اعتقدا بانه يجب الضرب، كجزء من الحملة، بالاشخاص وبالوسائل ايضا، حتى بثمن عدة ايام اخرى من القتال النازف. في نهاية الاسبوع الماضي اخذ بموقف غانتس وكوهين وصدرت الاذون، ولكن عندها دخلت مساعي الوساطة المصرية التي اعادت الخطط الى الجارور. وهكذا سمحت القاهرة لاصحاب القرار في القدس أن يختاروا الخيار الافضل لهم منذ البداية الاول للوصول السريع الى وقف للنار. على أي حال الهدف الاول للحملة تحقق: العملية التي خططت لها لجان المقاومة لاطلاقها من غزة، عبر سيناء، تشوشت وعلى ما يبدو احبطت. ما حصل بعد ذلك لم يؤخر ولم يقدم في صورة الوضع المعروفة التي بموجبها غزة هي برميل بارود معالجته الافضل (صحيح للسياسة الاسرائيلية الحالية) هي تحقيق ردع فاعل بما فيه الكفاية يؤجل الحاجة الى التصدي له فورا. حرج حماس66 ساعة استمرت جولة العنف الاخيرة. اكثر بقليل من الجولتين السابقين (8 ايام في نيسان 2011، ثمانية ايام ايضا في آب الماضي بعد العملية على طريق 12)، ولكن اكثر عنفا. نحو 300 صاروخ اطلق من غزة باتجاه الاراضي الاسرائيلية؛ 169 اجتاز الخط الاخضر (الباقي سقط في اراضي القطاع)، منها 103 سقط في اراضي مفتوحة في اسرائيل او في البحر. الباقي هدد بضرب مناطق مأهولة، وضد معظمها عملت ثلاث بطاريات قبة حديدية في اسدود، في عسقلان وبئر السبع. ثمانية صواريخ فقط تسللت عبر دفاع القبة وضربت مراكز المدن، ولكن لشدة الحظ الحقت ضررا قليلا فقط: جريح واحد بجراح خطيرة، بضعة جرحى بجراح طفيفة وعشرات قليلة من اصابات الصدمة. في الطرف الغزي قتل ثلاثة مواطنين لا صلة لهم بالقتال (اب وابنته وفتى ابن 14 كان بجانب حفرة اطلاق صاروخ غراد). ولا يزال، محظور الخطأ. رغم النتائج الطيبة نسبيا من ناحية اسرائيل، ورغم نجاح الاعتراض للصواريخ، سجلت هذا الاسبوع بضع سوابق مقلقة. لاول مرة نجحت الجهاد الاسلامي في ان تبقي وحدها جولة عنف كاملة: رغم حقيقة أن 18 خلية اطلاق صواريخ لها تعرضت للهجوم و22 من نشطائها قتلوا، نجحت في أن تطلق كل يوم عشرات الصواريخ نحو عمق اسرائيل والابقاء على مخزون كاف لايام قتالية اخرى. الاسوأ من هذا، لاول مرة وضعت الجهاد الاسلامي تحديا زعاميا حقيقيا لحماس، التي اعتبرت في غزة كمن خشيت من مواجهة بينما الجهاد وحدها كافحت في سبيل الكرامة الفلسطينية. بتشجيع واضح من ايران التي تخشى بان في يوم الامر، لن تتمكن من الاعتماد على حماس، بينما الجهاد ستعمل تلقائيا بتعليماتها وفي صالحها بدأت تثبت نفسها كبديل، يجمع بمثابرة المؤيدين والوسائل ويحتفظ هو ايضا بقدرة حقيقية على المس باسرائيل، من خلال صواريخ فجر التي تهدد غوش دان. هذه المسيرة لم تخفى عن ناظر حماس. قيادتها، الممزقة بين ضغوط الادارة اليومية للشارع الفلسطيني (مصر أوقفت مؤخرا ضخ الوقود زهيد الثمن من سيناء وأحدثت على الفور أزمة طاقة حادة في غزة) وبين ضغط النشطاء الميدانيين للقتال، أرادت تهدئة سريعة خوفا من أن تدفع ثمنا بفقدان التأييد الفلسطيني الداخلي وفقدان ذخائر امنية بسبب توسيع الاعمال الاسرائيلية. المصلحة المصريةمن جاء لمساعدة حماس، بدوافعها هي، كانت مصر. القيادة في القاهرة ضعيفة أكثر من أي وقت مضى، ولكنها ترى الوضع بشكل واعٍ. وقد فهمت فورا بان تصعيدا في غزة وقتلى فلسطينيين في جانبه من شأنه أن يشعل ايضا ميدان التحرير الذي سيتوجه بداية ضد اسرائيل ولكن لاحقا ضد الحكم نفسه ايضا مطالبا بالعمل ضد اسرائيل وقطع العلاقات معها. للحكم المصري، رغم نتائج الانتخابات الاخيرة التي أعطت القوة في البرلمان للاحزاب الاسلامية، لا توجد أي نية لعمل ذلك: فهو يعرف بان البقايا الاخيرة لسواء العقل في مصر متعلقة بتأييد الغرب، بالمساعدة الامريكية وبالسياحة ثلاثة عناصر من شأنها أن تختفي ما أن يحل شرخ في العلاقات مع اسرائيل. الدور المصري في مساعي التهدئة بدأ يوم السبت، وبلغ ذروته الاحد والاثنين. في البداية طلب المصريون تعهدات واضحة من الطرفين من اسرائيل الا تصفي المزيد في غزة، ومن الفلسطينيين الامتناع تماما عن اطلاق الصواريخ والقذائف. الطرفان رفضا وطلبا أن يبقيا في ايديهما حرية العمل والرد. النتيجة كانت في اتفاق غير مكتوب وصفه رئيس الاركان بانه ‘الهدوء سيستجاب بالهدوء، والنار بالنار’. هذه الصيغة فرضها المصريون، ليس بسهولة، على عموم الفصائل في القطاع. حماس، كما يذكر، استجابت فورا، حتى بضغط قيادتها السياسية التي ضعفت جدا منذ هجرت دمشق. لجان المقاومة الشعبية، التي فقدت قائدا ثانيا في غضون نصف سنة، كانت هذا الاسبوع مشوشة من أن تنتج سياسة مستقلة واضحة، وخضعت للضغط من القاهرة. الجهاد الاسلامي واصلت التمسك بالقتال، الى أن خضعت هي ايضا ووافقت على التهدئة. وخائبة الظن من عدم نجاحها في جباية ثمن دموي من الطرف الاسرائيلي، واصلت الجهاد اطلاق النار حتى بعد ساعة التهدئة التي قررها المصريون، بما في ذلك صواريخ غراد على نتيفوت وبئر السبع، وان كان كيف تتمكن من الادعاء بانها كانت آخر من اطلق النار. في اسرائيل اختاروا التمتع بعودة الهدوء والتجلد.

وسائل اعلام جديدة قيد العملاربعة انجازات برزت في الطرف الاسرائيلي في جولة القتال الاخيرة: اثنان عمليان (قبة حديدية وجودة الاصابة لاهداف الارهاب) واثنان بالوعي: المناعة الجماهيرية وادارة الاعلام. عن قبة حديدية كتب حتى الان كل شيء. ومع ذلك: ليس معقولا ان يكون لدى اسرائيل (بعد بضعة اسابيع) أربع بطاريات تنفيذية فقط. بالضبط مثلما في ذروة الانتفاضة الثانية وجدت مليارات الشواكل لبناء جدار الفصل مطلوبة اليوم ميزانية طوارىء لست حتى ثماني بطاريات اخرى اضافة الى الاثنتين اللتين توجدان في سياقات الانتاج وستكونان تنفيذيتين في 2013. في حرب حقيقة، لن تشبه على الاطلاق ما جرى هنا هذا الاسبوع، ستصرف البطاريات الاولى للدفاع عن مواقع استراتيجية وعن حرية عمل سلاح الجو. المعنى: اذا لم يكن لاسرائيل 10 15 بطارية، لن يكون من يحمي المواطنين من عشرات الاف الصواريخ من الشمال ومن الجنوب.

في الجانب الهجومي صعد الجيش الاسرائيلي درجة في اغلاق الدوائر الناجعة بين الاستخبارات والنار. الغرف الحربية في فرقة غزة وفي قيادة المنطقة الجنوبية نجحت في أن تخلق في الزمن الحقيقي معلومات توقعية، الكترونية وبشرية، جمعتها شعبة الاستخبارات والمخابرات وتحويلها الى اهداف عملياتية متوفرة. يدور الحديث عن قدرة بنيت على مدى السنين وتم تطويرها في جولات القتال الاخيرة منذ رصاص مصبوب. ووصلت هذه المرة الى ذروة (مؤقتة) من النجاعة. الحرص على الامتناع عن اصابة المواطنين المدنيين سمح للجيش الاسرائيلي ليس فقط بهدوء عملياتي بل وايضا بتفوق من حيث الوعي والاعلام: في حالتين على الاقل زعم ان الجيش الاسرائيلي قتل مواطنين ابرياء. في الحالة الاولى اصدر مدون في البحرين صورا لمنازل تحترق، دليل على أن غزة تشتعل بسبب القصف الاسرائيلي، وفي حالة اخرى ادعت مدونة بان الجيش الاسرائيلي قتل اطفالا في الطريق الى المدرسة. الادعاءات بشأن المنازل المحترقة اتضحت بانها صورة قديمة وفي الحالة الثانية لم تحصل ببساطة. ونقلت المعلومات الى المدونين فسارعوا الى ازالتها بل والاعتذار عن الخطأ.

في مجال نشر المعلومات ايضا سجل تقدم: الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي نجح في أن يجمع وينشر في الزمن الحقيقي معلومات وافلام سمحت في تلقي الجبهة الداخلية صورة وضع نزيهة عما يجري في الجبهة. ومع ان الحديث يدور عن قتال على نطاق ضيق، دون اصابات في الجبهة الداخلية او في اوساط المقاتلين، ومع ذلك اعتاد الجيش على أن عليه ان يرفع تقارير للجمهور، الذي من جهته منحه مرة اخرى هذا الاسبوع ريح اسناد لمواصلة العمل. هنا ايضا، يجب أن نأخذ بالحسبان الخلفية العامة: لم تكن هذه حربا، لم يكن قتلى، قبة حديدية انتشرت ومنحت حماية ذات مغزى، ثلاثة عناصر مشكوك فيه أن توجد في مواجهة واسعة. ولكن من يتابع النظام والهدوء اللذين اتخذت فيهما القرارات واديرت فيهما الامور على المستوى الوطني والبلدي، يعرف بانه قطع طريق طويل منذ القصور الكبير في حرب لبنان الثانية. متان فيلنائي، الذي ينهي قريبا نحو خمس سنوات كمسؤول عن الجبهة الداخلية، بالتأكيد يحق له ان يبتسم كل الطريق الى بيجين؛ ينبغي الامل في أن يحتل وزارة حماية الجبهة الداخلية وزير جديد ومتفان بقدر لا يقل (يوسي بيلد محبوك للمنصب). في الاشهر الاخيرة حذر رئيس الاركان بيني غانتس من أن الوضع حول قطاع غزة قابل للانفجار، وان التصعيد قريب. اقواله ساعدت في الردع وهذا أجل القتال الذي بدأ هذا الاسبوع بمبادرة اسرائيل مع تصفية الامين العام للجان المقاومة زهير القيسي. وهكذا ‘عزت’ اسرائيل للحكم في غزة المسؤولية عما يجري في سيناء ايضا. المعنى: عملية مرسلوها ومنفذوها يوجدون في غزة ستؤدي الى رد في غزة او ستحبط فيها، دون صلة بمكان تنفيذها. من يعرف صورة الاستخبارات عن نشاط الارهاب في سيناء (وفي غزة) يفهم بان العملية التالية باتت على الطريق، وضمنا الاحباط ايضا. الحكم المصري الذي كان ناجعا في التهدئة غير قادر على منع طوفان العمليات التخريبية في سيناء، ويفهم بان الحدث التالي من شأنه أن يشعل نارا كبيرة، قصدها غانتس عندما توقع مواجهة واسعة في الجنوب في 2012. في هذا المنظور، فان احداث الاسبوع الاخير كانت تجربة للادوات فقط، بل ليست مقدمة حقا، لما سيحصل عندما سيكون في الجنوب تصعيد حقيقي. قد يبدأ هذا في سيناء او في غزة بل وحتى في طهران في حالة هجوم على مواقع النووي الايرانية او بالذات بسبب محاولة من آيات الله لشل اسرائيل في المنطقة عن طريق تسخين مبادر اليه للجبهة الجنوبية (او الشمالية او كلتيهما معا). مثل هذه المعركة، التي فحص الجيش الاسرائيلي استعداده لها في جملة من المناورات، ستضع تقريبا كل مواطني الدولة في خط النار. التحدي الزعامي والامني الذي ستفرضه سيكون كبيرا، ربما غير مسبوق، على خلفية الحاجة للقتال في نفس الوقت في لبنان وفي غزة، وربما ايضا في سوريا والتخوف على مصير اتفاقات السلام مع مصر ومع الاردن. بالضبط مثل هذا الاسبوع، ما سيقرر نتائج المعركة سيكون النجاعة التنفيذية للجيش الاسرائيلي ومناعة الجبهة الداخلية؛ وليس مثل هذا الاسبوع اسرائيل لن تتمكن من الاكتفاء بنتيجة متواضعة تحقق الهدوء وستكون مطالبة بان تتوصل الى انجاز حقيقي يخلق ردا بعيد المدى في الطرف الاخر، مثل ذاك الذي نشأ مع حزب الله في 2006 وحيال حماس بعد رصاص مصبوب. هذه المعركة، الكبيرة، ستكون قصيرة وعنيفة. وهي ستكلف ثمنا دمويا هنا وبالاساس هناك، بعدها، كما ينبغي الامل، ستهدأ البلاد لزمن طويل. في هذه الاثناء، كما يقول الكليشيه، الهدوء مؤقت وقابل للاشتعال. كم من الوقت سيستمر؟ هذا منوط بحكمة الطرفين وبكثير من الحظ. احداث الاسبوع اثبتت بان المنطق في اسرائيل وفي غزة يعمل، والحظ كان معنا. يجب الامل في أن على الاقل في هذين الامرين يبدي الشرق الاوسط استقرارا.

اسرائيل اليوم 16/3/2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية