شحاتة عوضإذا كان كل شيء مرتبكا في المشهد السياسي المصري خلال هذه الفترة الإنتقالية التي أعقبت الثورة، وما شهدته من أخطاء وخطايا، فلماذا تكون إنتخابات الرئاسة المقبلة وما يحيط بها إستثناء من هذا الارتباك؟ فما تشهده هذه الانتخابات من جدل كبير سواء لجهة قانون الانتخابات الرئاسية أو الحديث عن المرشح التوافقي أو مواصفات الرئيس القادم وعلاقته بالمؤسسة العسكرية.. كلها مظاهر وعوارض للصراع المحتدم حاليا بين منطق الإصلاح الذي يسعى لترميم النظام الساقط وربما إعادة إنتاجه، وبين منطق الثورة الذي يريد نسف النظام القديم وبناء نظام سياسي بقواعد واسس جديدة تعبيرا عن الثورة و أهدافها.
وفي خضم هذا المشهد المرتبك لا تبدو جماعة الأخوان المسلمين التي كرستها الثورة كأكبر قوة سياسية منظمة على الساحة، إستثناء من ذلك الإرتباك وتلك الحسابات السياسية والفصائلية المعقدة بشأن الرئيس القادم لمصر. وفي هذا السياق لا يمكن تفسير تردد الجماعة وذراعها السياسي حزب الحرية والعدالة في الإفصاح عن شخص المرشح الرئاسي الذي سيحظى بدعمها ومساندتها، بإعتباره نوعا من المناورة السياسية أو الرغبة في الحصول على مكاسب معينة من الرئيس القادم، بقدر ما هو تعبير عن مأزق تواجهه الجماعة بسبب الحسابات بالغة التعقيد التي تحكم مواقف وسلوك الإخوان في مواجهة هذا الإستحقاق الكبير. ربما يكون صحيحا أن إحجام الاخوان المسلمين حتى الآن عن إعلان إسم مرشحهم المفضل، يعود لإعتبارات وحسابات تخص الفصيل والجماعة فضلا عن حسابات اخرى تخص تفاهمات أو توافقات غير معلنة مع المجلس العسكري حول تقاسم السلطة والمناصب المهمة في الدولة بعد الثورة. لكن الصحيح أيضا في ظني وظن كثيرين أن هذا الموقف يعكس في حقيقة الأمر أزمة داخلية تعيشها الجماعة، بين قيادة تاريخية إنحازت منذ الإيام الاولى للثورة لمنطق الإصلاح وضروراته وبين قطاع واسع من شباب الجماعة يبدو أكثر إنحيازا وحماسة لمنطق الثورة وقانونها. صراع الأجيال هذا داخل الجماعة برز في أكثر من موقف خلال الشهور الماضية ولاسيما في بعض الأحداث الساخنة التي خرج فيها عدد لا بأس به من شباب الجماعة عن منطق السمع والطاعة الذي يحكم تنظيم الإخوان المسلمين. وإذا كانت قيادة الجماعة قد تفهمت تمرد بعض شبابها عليها حين نزلوا في مظاهرات وفاعليات على غير هوى القيادة وحساباتها، فإن الجماعة لا تبدو مستعدة لتفهم أي خروج على قرارها عدم خوض الانتخابات الرئاسية وعدم دعم ترشيح أي من أعضاء الجماعة والتهديد بفصل أي عضو يخرج على القرار. نتيجة هذا الموقف وجدت الجماعة نفسها في مواجهة تمرد بعض أبنائها الذين لا يخفون تأييدهم وحماسهم للدكتور عبد المنعم أبو الفتوح القيادي البارز في الجماعة وأحد مؤسسيها الجدد في السبعينيات والذي تمرد هو بدوره على قرار الجماعة وقرر خوض الإنتخابات الرئاسية وكان أن تم فصله نهائيا من عضوية الإخوان.
لكن المأزق الذي تواجهه الجماعة مع إقتراب الاستحقاق الرئاسي بات أكثر عمقا وأخذ أبعادا جديدة نتيجة الحسابات السياسية بالغة التعقيد التي وجد الإخوان أنفسهم إزائها لا سيما بعد الفوز الكبير الذي حققوه في الانتخابات البرلمانية وحصولهم على ما يقرب من نصف مقاعد البرلمان والحديث عن إمكانية تشكيل حكومة إئتلافية بزعامة شخصية إخوانية. هذه الحقائق فرضت نفسها على موقف الجماعة من الانتخابات الرئاسية، إذ رأت أنه ليس من مصلحة الإخوان كفصيل سياسي وليس من مصلحة التيار الإسلامي أن يتحمل منفردا كل هذه الأعباء والمسؤوليات في وقت تئن فيه مصر من ميراث هائل من المشاكل التي خلفها نظام مبارك، وبالتالي لا ينبغي أن يكون المنصب الرئاسي من نصيب التيار الإسلامي. وهكذا إنتقل موقف الإخوان من عدم طرح مرشح إخواني للانتخابات، إلى عدم مساندة أي مرشح ينتمي للتيار الإسلامي عموما.
هذه النقلة النوعية كشفت بوضوح أن جماعة الإخوان المسلمين تجد نفسها أمام الأستحقاق الرئاسي في مواجهة مأزق متعدد الوجوه، فالجماعة تواجه أزمة في علاقتها مع المجلس العسكري وما يمكن أن تكون الزمت نفسها به فيما يخص تقاسم السلطة او مواصفات الرئيس القادم وعلاقته بالمؤسسة العسكرية ومدى قدرة المؤسسة على التفاهم معه، وبالتالي فهي لا تبدو قادرة على التحرك خارج هذا الالتزام غير المعلـــن. أما الوجه الآخر لهذا ا لمأزق فهو تنظيمي ويتعلق بقدرة قيادة الجماعة على إقناع قواعدها الشبابية بما أتخذته من مواقف فيما يخص مرشحي الرئاسة. فهذه القواعد التي ترى في عبد المنعم أبو الفتوح المرشح الأنسب لتحقيق أهداف الثورة والجماعة معا، ربما تتفهم قواعد الانضباط الحزبي والالتزام بقررات القيادة، لكنها بكل تأكيد قد لا تتفهم أن يكون البديل عن تأييد أبو الفتوح، هو التصويت لصالح مرشح آخر هو إمتداد لنظام مبارك أو محاولة لإعادة إنتاج النظام السابق وهذا هو احد أكثر المشاهد بؤسا في مصر الثورة الآن. البعد الآخر في هذا المأزق هو أن أي خطأ في حسابات الإخوان فيما يخص موقفهم من المرشح الذي سيعلنون دعمهم له، لاسيما إن كان هذا المرشح ليس هو الخيار الافضل لجهة تحقيق أهداف المشروع الإسلامي للجماعة أو لجهة إرضاء تطلعات الشباب، من شأنه أن يصب في صالح أحد رموز التيار السلفي وهو الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل الذي يبدو متقدما بشكل لافت للنظر في كل إستطلاعات الرأي بسبب مواقفه الواضحة وتحرره من الحسابات التي وضع الإخوان أنفسهم فيها. هذه التقدم الذي يحققه ابواسماعيل بات يشكل مصدر قلق حقيقي لجماعة الإخوان المسملين ليس فقط لأن ذلك ربما يجعله العنوان الأهم لتيار الإسلام السياسي في مصر وبالتالي سحب البساط من تحت أقدام الإخوان، بل لأن مجرد إحتمال أن يكون ابو اسماعيل رئيسا هو فكرة ترعب الاخوان قبل غيرهم لأن من شأنها أن تضع الجميع في مأزق حقيقي سواء الجماعة التي ترى أن موقفها البراغماتي في هذا المقام يستند لمحددات وطنية ومبدئية، أو المؤسسة العسكرية التي يبدو أنها قبلت بأن يكون البرلمان من نصيب الاسلاميين لكنها لا تبدو مستعدة لأن يكون الرئيس من نفس الفصيل بل ومن الجناح الاكثر تشددا. وبينما لم يعد بمقدور الإخوان، وهذا يقودنا لبعد آخر من أبعاد المأزق، الترويج لفكرة المرشح التوافقي لأن ذلك يبدو فكرة مرفوضة بشكل قاطع من الشارع المصري، ليس فقط لانها تشكل إفتئاتا على حق الشعب وإرادته في الاختيار الحر لرئيسه القادم ربما لاول مرة في تاريخه، فإن تأخر الجماعة في الإفصاح عن مرشحها المفضل، من شأنه أن يفاقم الأزمة الداخلية للجماعة كما أنه سيتيح الفرصة لخصومها للطعن في موقفها والنيل من صورتها في الشارع المصري لا سيما في حال جاءت الإنتخابات الرئاسية بطعم الاستفتاء على مرشح معروف سلفا أنه الفائز بما يعيد عجلة التاريخ الى ما قبل ثورة 25 يناير. هل من مخرج لهذا المأزق؟ سألت شخصية رفيعة قريبة من جماعة الاخوان؟ فكانت الإجابة أن لا مخرج أمام الاخوان سوى الالتزام بالحياد الكامل في المعركة الانتخابية وعدم الاعلان عن دعم أي مرشح، والتأكيد على أنها تترك لاعضائها حرية التصويت للمرشح الذي يرونه الأنسب،. صحيح أن ذلك يشكل افتئاتا على حق الإخوان في أن يكون لهم مرشح واضح يدعمونه ويحصدون ثمن هذا الدعم في حال فوزه، لكن هناك من يرى أن هذا الموقف هو المخرج الوحيد الآمن وغير المكلف للجماعة في مواجهة هذا الإستحقاق الكبير.. فهل يلجأ الأخوان لهذا الخيار، أم أن حسابات الجماعة ومصالحها وتفاهماتها مع المجلس العسكري وغيره من الأطراف لا تتحمل كلفة ذلك؟’ كاتب مصري