مشالح ومشايخ

حجم الخط
0

د. كمال الهلباوي جاءتني الرسالة التالية ووجدت أنها تثير موضوعاً يشغل الناس في أمر يتعلق بالدين والدنيا فأردت أن أطرحه للنقاش والحوار لمن يريد أن يدلي بدلوه في معركة لن تنتهي إلى يوم القيامة. معركة تم إعتسافها لتصرف بعض الناس عن واجباتهم ودورهم الفاعل في الحياة. تلقيت هذه الرسالة ومصر تشهد تطورات غريبة ومحاولات شبه مستترة لتثبيت النظام السابق بعد التخلص من قيادته. من هذه المحاولات ما يدور في معركة الرئاسة ودعاوي التصالح مع أركان النظام البائد الفاسد عن طريق استرداد الأموال وتثبيت أركان حكومة الجنزوري بعد فضيحة تهريب الأمريكان المتهمين في قضية التمويل الأجنبي وعجز مجلس الشعب عن سحب الثقة من حكومة الجنزوري، هذا فضلاً عن استمرار جرائم بشار الأسد ونظامه العفن في سوريا، والعدوان الاسرائيلي على غزة، ومحاكمة الأطباء الذين عالجوا جرحى الاحتجاجات في البحرين بتهم منها التحريض على كراهية نظام الحكم. وسط هذا كله تقول الرسالة التي تلقيتها:وكم في مصر من المضحكات:. ولكنه ضحك كالبكامقدمة:نضطر قبل البدء في المقال إلى بيان المصطلحات في معجم الأزياء المحلية أو المستوردة حتى تنجلي أمام القارئ بعض المعميات، ومن هذه المصطلحات: كلمة{المشلح} وهو العباءة التي يلبسها الرجال في دول الخليج، وكلمة{الشماغ} وهو قطعة القماش المنقوشة التي توضع فوق الرأس وتتدلى على الكتفين. وتكون النقوش ملونة باللون الأحمر أو الأزرق أو الرمادي{حسب الطقم}. وكلمة{الغترة} وهى القطعة التي توضع على الرأس من القماش الأبيض، وتلبس مع أي مشلح.انتهى البيان،ونبدأ في الموضوع:إن المسلمين في مصرنا الحبيبة يسلكون إلى ربهم طريقاً وسطاً في كل مسألة يدور حولها خلاف العلماء،ويحاولون ما استطاعوا اتباع ما جاء في الكتاب والسنة،ولذلك فجمهرة المصريين سلفيون، لأنهم يحترمون السلف الصالح، وجمهرتهم إخوان مسلمون، لأنهم يقرأون:’إنما المؤمنون إخوة’ وجمهرتهم أنصار السنة، لأنهم يؤمنون بما أنزله الله على رسوله عليه وعلى الرسل جميعاً الصلاة والسلام.فالمسلمون في مصر جمعية شرعية على اختلاف فهم الناس وتفاوت الفروق الفردية، والثقافية، والاجتماعية. وهذا شئ يذكر للمصريين، ويحمدون عليه.لكن المعيب هو التنطع والشذوذ، والتشبث بشكليات لا تمت إلى الدين الاسلامي بصلة، وتؤخذ على أنها مظهر الدين ومخبره عند المتشبثين المتنطعين. والكلام موجه صراحة إلى طائفة من المصريين يلبسون زي العلماء في المملكة العربية السعودية ويتقمصون شخصياتهم، ويقنعون الدهماء من ورائهم أنهم العلماء المتحدثون {وعلماء المملكة العربية السعودية على العين والرأس،يلبسون زيهم الذي توارثوه عن مشايخهم، حتى إنهم لا يضعون العقال على رؤوسهم. ولهؤلاء العلماء الأجلاء علمهم الذي نحترمه، ونأخذ بآرائهم وإجتهادتهم التي تتميز بالتأصيل العلمي}.لكن المعيب والمريب والمثير للسخرية أن نجد في مصرنا الحبيبة مصريين يتشبثون بارتداء{الشماغ والمشلح} وهم يتصورون بذلك المظهر أنهم يملكون الحقيقة المطلقة، وما يقولونه هو الدين الحق. ولا سيما أن فهم أصحاب الخطب الرنانة، والعبارات المعلبة، والنبرة المتشدقة، والصوت المتهدج بالعبرات المثيرة للأشجان لدرجة البكاء أحيانا{عند اللزوم}. نقول لهؤلاء المتسعودين من أصحاب{الشماغ والمشلح} أيها المصريون في الأصل: هل الزي الذي تتشبثون به هو الزي الاسلامي؟ أم أن هذا زي العلماء؟ أم أن هذا الزي هو عِدة الشغل{بكسر العين}؟.إن أجابوا بأن هذا هو الزي الاسلامي، فهذا هو الجهل الفاضح، وقد أوقعوا أنفسهم فيما لا قبل لهم به. وإن أجابوا بأن هذا هو زي العلماء، قلنا لهم زي علماء الأزهر معروف خاصة وأنتم تحجون من حين لآخر إلى مشيخة الأزهر وترددون على مسامع شيخ الأزهر: الأزهر مرجعنا وإمامه إمامنا، ومشايخه مشايخنا. وأنكم لا تقطعون أمراً دونهم، وتقسمون على ذلك، ولا نقول: والله يشهد إنكم لكاذبون’فأمركم إلى الله’ بل نقول لكم: إن كنتم صادقين فزي العلماء معروف يلبسه الامام الأكبر{مكون من العمامة والجبة} وحوله كوكبة العلماء الذين يلبسون ما يلبس، ويهذبون لحاهم، أو يحلقونها، وأمامكم زي الشيخ محمد الشعراوي{المخفف} فإما أن تلحقوا بهم وتلبسون لباسهم، و إما أن تعلنواإنكار ملابس الأزهريين ولحاهم صراحة، فالحلال بيّن والحرام بيّن….. أما اللعب على الحبال، فهو نفاق صراح يمقته الله ورسوله والمؤمنون. والمنافقون في الدرك الأسفل من النار. أما إن كانت الإجابة الثالثة وهي أن لبس{الشماغ والمشلح} أكل عيش. وأن هذا الزي هو عدة الشغل{بكسر العين}، شكرناكم على صراحتكم،وشكرناكم لأنكم فسرتم لنا لغز الفلل والقصور والعمارات والمتاجر والمصانع والفضائيات وتدفق الملايين. وآن لنا أن نغير عنوان المقال: من: مشالح ومشايخ.إلى: غتر ومشالح لا دعاة ومشايخ.المخلصعبدالله الأمينسؤال ونكتة*السؤال: هل نقل الساعة من اليد اليسرى إلى اليد اليمنى سنة عن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم؟ أم أنه مظهر إعلامي خاصة مع الساعات الثمينة المهداة من الأمراء والسلاطين؟!.*النكتة: نظر واحد إلى مجلس الشعب المصري في أولى جلساته فقال: هل يحضر جلسات المجلس علماء من المملكة العربية السعودية؟!.إنتهت الرسالة التي وصلتني تعقيباً على ظاهرة قابلة للازدياد والتوسع في مصر، ولا ضير أن يكون اسم صاحب الرسالة صريحاً أو منكراً، وما كان لي أن أنشرها أو أعلق عليها لولا أنها ظاهرة لفتت النظر في المساجد أولاً ثم في البرلمان الجديد{مجلسي الشعب والشورى} ثانياً، ثم في الندوات والمؤتمرات ثالثاً، ثم بصفة عامة في المدن الكبيرة والصغيرة حتى ليتخيل الانسان المصري أحياناً وفي بعض الأماكن الجغرافية أنه في مدينة جدة أو الرياض أو مكة المكرمة أو المدينة المنورة. ويسرني أن ألخص تعليقي في النقاط الأتية:أولاً: أن كل إنسان له الحق في الزي الذي يريد أن يلبس، والطعام الذي يشتهي أن يأكل، والفكر الذي يعتنق. وإذا منّ الله تعالى على المخلوق بالحرية في أن يؤمن به وهو الخالق القوي القاهر فوق عباده، أو لا يؤمن به هذا الانسان وهو المخلوق الضعيف، فإن مدى الحرية بعيد وسقفها عالٍ جداً.ثانياً: إن الزي أي زي إن هو إلا نتاج البيئة. والحمد لله تعالى أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ظلّ يرتدي الملابس العربية المعروفة في عصره والموروثة من حياة الجاهلية، لأنها كانت ملابس مناسبة للبيئة وليس لها صلة بالعقيدة، ولم يخترع صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه الكرام رضوان الله عليهم بيوت أزياء اسلامية للرجال. وكلمة الجاهلية هنا تشيرإلى فترة تاريخية هى ما قبل الاسلام وليست شتيمة أو سخرية ضد أهلها وإنما هى مناهج للحياة، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.ثالثاً: لا ينبغي أن يكون هناك صراع ملابس بين المسلمين؛كفانا الصراع، وكم كان العلاّمة الشيخ القرضاوي موفقاً عندما ظل يرتدي لباس الأزهر الذي تخرج منه إحتراماً لهذه المدرسة العظيمة رغم بروزه على التلفاز من قطر، و رغم محاضراته العديدة في المساجد أو اللقاءات والمؤتمرات في العالم كله بما في ذلك أمريكا وأوروبا وأستراليا، وكذلك عند زيارته في دول الخليج وبما في ذلك، مدن المملكة العربية السعودية دون أن يغير رداءه الأزهري الذي إعتاده منذ أن كان طالباً في مدرسة الأزهر الشريف بجميع مستوياتها الدراسية، وهذا إنما يدل على أن الملابس والأزياء تأتى ضمن الفروق الثقافية والأعراف في المجتمعات المدنية ولا علاقة لها بالإيمان والكفر ولا العقيدة الصحيحة من العقيدة الفاسدة.رابعاً: إن بعض هؤلاء المتسعودين لباساً ورداءً، تسعودوا أيضاً في النظرة إلى الحكم والادارة فقهاً وسياسة، فقرأنا لهم فتاوى شاذة تدين الديموقراطية والمسار الديموقراطي والمظاهرات والخروج على الحاكم الظالم، وصلوا وراء الظلمة من الحكام والفساق والمنافقين من أعوان الحكام، ورفضوا الصلاة وراء غير الملتحي لحية طويلة، بل رفضوا الصلاة وراء أصحاب المذاهب الفقهية الأخرى، فأحدثوا إنقساماً في الأمة وشرخاً حتى بين الاسلاميين بشذوذهم في الرداء والفتوى، وفي الوقت ذاته يؤيدون نظرياً فتاوى إبن تيمية والعز بن عبد السلام الذي باع الأمراء، ونسوا أنهم يبيعون أنفسهم للأمراء الفاسدين بما ملكوا من سطوة وجاه ومال وعلماء فقه شاذ أو على الأقل فقه بدوي.خامساً: إن ابن تيمية-على سبيل المثال لا الحصر- دعاً إلى نهضة الأمة وفق منهاج واضح يناسب عصره وبيئته، وتحدي الغزاة والمعتدين ودعا إلى التصنيع وخاصة الصناعات الحربية لأنه إعتبرها عدة الجهاد ووسيلته، واعتبرها فرض عين حتى يكتفي المجتمع منها وكذلك غيرها من الصناعات والمهن وخصوصاً المهمة منها، فأين نحن من هذا الفهم العظيم والهمة العالية التي قال عنها ابن القيم ‘ينبغي على المسافر{أي المسافر في طريق الحق} أن تكون له همة تسيره وترقيه وعلم يبصره ويهديه’ وما قاله ابن الجوزي ‘ينبغي على من له أنفة أن يأنف من التقصير الممكن دفعه عن النفس…….. ولو كانت النبوة تنال بالاجتهاد لعد المرأ مقصراً إذا قنع بالولاية’ أو ما قاله الامام البنا في رسالة التعاليم في البند18 من أصول الفهم العشرين ‘الاسلام يحرر العقل ويحث على النظر في الكون، ويرفع قدر العلم والعلماء ويرحب بالصالح النافع من كل شئ. فالحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها’. رضي الله عنهم أجمعينهذا هو السلف الصالح إستكملوا الجوهر والمظهر ولم يقفوا عند حدود الشكل، ولم يشغلهم زي الرجال ولا لحاهم، بل شغلهم تقدم الأمة ونهضتها ومقارعة كل تقصير دون إهمال السنن الواجبة. فهل من مستجيب؟.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية